الإحصاءات كمدخل للتنمية و التطوير

‎أيمكننا الحصول، بسهولة، على أي معلومات  إحصائية تتعلق ببلدنا كما في باقي الدول، آخذين بعين الاعتبار وجود مكتب مركزي للإحصاء في سوريا ؟ و نحن لا نتكلّم هنا عن المسح الديموغرافي أو الغذائي أو غيرهما من الإحصائيات التي يُفترض توافرها بداهة  في مركز إحصائي مركزي تابع للدولة

‎أنستطيع معرفة عدد سكان كل مدينة، فئاتهم العمرية، جنسهم، أحوالهم المدنية و الاقتصادية، أمراضهم، مستوى تعليمهم، أو عدد الوافدين الجدد إلى كل مدينة أو الراحلين عنها ؟ هل نستطيع معرفة عدد و أنواع الشركات المتواجدة في كل مدينة، عدد عمالها، حساباتها الاقتصادية، حجم إنتاجها بشكل علني أو بكبسة زر ؟ 

‎هل نستطيع معرفة عدد القطع الأثرية الموجودة لدينا وأنواعها و معرفة بعض التفاصيل التاريخية عنها  و عن أماكن تواجدها ؟ هل نستطيع الإطلاع على عدد الجمعيات  العاملة في بلدنا و إنتاجيتها و اقتصادها و حجمها و مقرّها أيضاً بكبسة زر؟ ، هل بإمكان طبيب أو باحث علمي في المجال الطبّي، الحصول على سجلّ يحتوى مثلاً، على معلومات حول أعداد المصابين  بداء معين و طرق علاجهم و كيفية متابعتهم في سوريا، وذلك خدمة  وتسهيلاً لفكرة بحث علمي يتمحور حول تطوير علاج يتلائم و البيئة السورية ؟

‎هل نملك إحصاء دقيقاً لعدد الصيادين في بلدنا، و أيّهم صياد ماء مالح و أيّهم صياد ماء عذب، و ما  أنواع الأسماك التي يصطادها كلٌّ حسب منطقته؟ 

‎التساؤلات المطروحة أعلاه هي أمثلة بسيطة عن أسئلة كثيرة نطرحها على أنفسنا كسوريين، خاصة بعد الدمار  و التغيير الديموغرافي الذي عمّ البلاد كافّة، و عزمنا الأكيد على إعادة الإعمار بإستراتيجية صحيحة و مستدامة

‎ يحارب البعض، عن قصد أو عن غير قصد، وجود إحصائيات دقيقة تساعد كل صاحب اختصاص على تحليل ودارسة  إمكاناته و تحديد مساره  نحو الهدف، و تقديم الحلول  الناجعة لتطوير عجلة الإنتاج في هذا الاختصاص

قد يكون الخوف من الرقابة و الخضوع  للمحاسبة، عند وقوع الأخطاء أحد الأسباب، لكن الجهل لأهمية الإحصائيات وسهولة تطبيقها وإجرائها  و عدم إنتشار ثقافتها  هو السبب الأكبر، إذ لا نعتقد أن الافتقار للامكانيات أو الخبرات و القدرات التحليلية هي السبب 

‎على الرغم من اهتمام الدولة بإنشاء شبكة معلوماتية قبل الحرب، إلا  أن توقف المشروع بسبب الحرب ، تقنياً، لا يبرر توقف التحضير له ذهنياً، و بخطوات مدروسة بغية نشر ثقافة إجراء الإحصائيات ليستخدمها أهل الاختصاص في تطوير أنفسهم و أعمالهم

‎إن الطريق نحو تفعيل العمل بالإحصائيات المفيدة ودراستها بشكل مستمر و دوري طريق طويل، و لكنه آمن و شديد الأهمية إذا ما تمكنا من  التخطيط الصحيح لخوض غماره. جميعنا يعلم أن عمل القطاع العام معقد للغاية  تصعب  إدارته، فالقطاع العام متشعب و مرتبط بعدّة مؤسسات و وزارات، و يخدم شريحة واسعة و متنوعة من الشعب، كما أنه محكوم بقوانين و محظورات لا يمكن تجاوزها، يظهر أثرها، على وجه الخصوص، في القطاعات الخدمية كقطاع  الرعايّة الصحيّة. دعونا نُركّز في هذا المقال على الرعايّة الصحيّة كمثال حيّ، يطرح ويدلل على أهمية الإحصائيات وفائدتها سواء بالنسبة لوزارة الصحة أو للمواطنين، الأمر الذي  يمكن  إسقاطه على العديد من القطاعات الخدمية الأخرى  أيضاً 

‎في مراكز الرعاية الصحية (مستوصف، عيادة، مشفى، صيدلية و مخبر أو أشعّة الخ)  يجب أن يتم توثيق  كل إجراء وعمل وخدمة، وذلك لتقديم الأدلة و رفع التقارير للوزارة و الجهات الرقابية في السلطة، كما و يجب تقديمها  للمرضى حال طلبها، فأيّ خطأ يرتكب أثناء تقديم  الرعايّة الصحيّة قد يُهدد حياة طالبيها 

‎لذلك نجد أن الإحصائيات، التي أتت حصيلة  تدوين خطوات الرعايّة، بالغة الأهمية لكل من له صلة بالرعايّة الصحيّة سواء أكان موظفاً أو مسؤولاً أو مريضاً

‎إن النظر  لهذه الإحصاءات باعتبارها ذات أهمية بالغة، جعلت من السويد، على سبيل المثال، بلداً يتكلف  أموالاً طائلة، وذلك لتطوير منظومته الصحيّة وجعلها عامّة شاملة و موحدة في مختلف أنحاء  البلاد، فحيثما احتاج  المريض خدمة طبيّة يستطيع طبيبه، في أي مكان كان، و أي صيدلي العثور على معلوماته الصحيّة كاملة ليتم التنسيق والتعامل بناء عليها، بما فيه مصلحة المواطن، و هذا تحديداً ما جعل المنظومة تُبنى على أسس الكترونية في كل نوع من أنواع الرعايّة الصحيّة، وذلك للتخفيف على الموظفين وإعفائهم من مهمة  تدوين كل شيء، إضافة إلى توجيه خبرات الطاقم الطبي صوب العمل أكثر مع المرضى، وإنّ كان لكل تطور أوجه متعدّدة 

‎عملت السويد، خلال الأربعين سنة الماضية، على تقليص عدد موظفيها في القطاع العام، لقاء إنشاء منظومة إلكترونية  تُنجز و تُقدّم الكثير من الخدمات التي كانت تنتجها اليد العاملة.. السويد ليست وحيدة في هذا مسار  التطور هذا، فمنذ الثمانينيات ، انخفض عدد موظفي القطاع العام في المملكة المتحدة (بريطانيا) بمقدار الثلث، ولكن بالمقابل، ارتفعت تكاليف الموظفين. يمكن تفسير ذلك بأنّه قد تمّ تعيين نوع جديد من الموظفين – بيروقراطيون أكثر كُلفة في المناصب الإداريّة

‎دعوني أستعرض لكم تطوّر هذه المنظومة منذ البداية، إذ لربما نتجنّب مساوئها، حالما يعزم بلدنا الحبيب، سوريا، على تطوير منظومته الصحيّة إلكترونياً، و إنشاء شبكة إحصائيات داخل هذه المنظومة

‎في بداية ازدهار مشروع شبكة جمع المعلومات المتعدّدة، فرضت على الطاقم الطبي التعامل مع عدّة منظومات، الالكترونيّة منها واليدويّة، ما أدى الى هدر وقت الطاقم الطبيّ في تدوين  المعلومات ضمن عدة برامج، و من ثم جمعها من قبل الإداريين بغية صنع شبكة إحصائيّة تُقدّم التقارير والتحليلات العلميّة، الاداريّة و الاقتصاديّة، و تبني، في الموازنة وتطوير الرعايّة الصحيّة ،  قراراتها  على أساسها ،  ذلك كان الدافع وراء تقديم  الأطباء والطاقم الطبي شكوى ، تتناول أنظمة تكنولوجيا المعلومات المُرهِقة التي تستهلك وتهدر وقت العمل السريريّ، وذلك وفقاً  للاستبيانات التي قامت بها السويد في أواخر التسعينات وأوائل الالفين

في بداية الأمر اعتبر أغلب العاملين في الطاقم الطبيّ أنّ تدوين المعلومات  هدر لوقتهم و أردوا الاكتفاء بتسجيل ما كانوا معتادين  على تسجيله سابقاً ، لتنقله السكرتيرة إلى الجرنال لاحقاً، و لكن، مع ازدياد المعلومات المطلوب تدوينها لمتابعة الجودة، تعالت  أصوات أؤلئك الذين لم يروا أهمية في هذا التدوين . في منتصف عام الألفين، صدرت  دراسات جديدة أوضحت أنّه لا وجود في السويد لما يعتقده بعض الموظفون غير ضروري من توثيق لخطوات عملهم، وأنّ  أنظمة الكمبيوتر غير المُنسقّة تُمثّل مشكلة كبرى، على سبيل المثال، إدخال نفس المعلومات جزئياً مرّة في منظومة الرعايّة الصحيّة، ومرّة أخرى في سجلات الجودة الموحّدة وطنياً، يُرهق الطاقم الطبي و يسرق وقت  رعاية المرضى

كما أكدت إحدى  الدراسات أيضاً، أنّ القيام بالمزيد من التوثيق والتدوين يُقلّل من الإنتاجيّة في مجال الرعايّة الصحيّة، وفي الوقت نفسه  استنتجت دراسة أخرى، أنّ الافتقار إلى مبادئ توجيهيّة تشرح كيفية إدارة ساعات عمل الطاقم الطبيّ، قد ساهم في تحوّل التركيز على العمل مع المريض لصالح التدوين

يُشير التقرير إلى أن الأطباء غير مدربين على العمل بفاعلية في مجال أساليب العمل الفعّالة، إذ يفتقر  الأطباء إلى المهارة  في المهام الأخرى كالإدارة وذلك على العكس من مهارتهم وثقافتهم العميقة الجذور  في العمل السريري

و إعطاء الوقت  لإدارة التوثيق ليس بالأمر الخاطىء تماماً، ففي يومنا هذا ،   أصبح ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعمل الأطباء، لكن هذا لا يعني أبداً أن يكون وقت الإدارة على حساب وقت المرضى، طالما أن هذا الأمر  لا يُشكّل قيمة مضافة بالنسبة للمرضى. يجب استثمار وقت الكادر الطبيّ بكفاءة ، لذلك كان الحل  بأتمتة كل ما يمكن أتمتته، إذ يكفي أن يُدوّن الطبيب كوداً (رمزاً) خاصّاً لتُدرج  باقي المعلومات المرتبطة بهذا الكود تلقائيّاً 

لمعالجة مشاكل الإنتاجيّة ، تقترح الدراسة أربعة تدابير شاملة، على سبيل المثال، يتعلق الأمر بتوضيح المهام التي يتمّ تضمينها  وتلك التي لن يتم تضمينها في الأدوار المختلفة في مكان العمل، بهذه الطريقة، يمكن الحصول على أعلى مستواً من الكفاءة واستخدامه في مختلف المجالات المهنيّة بطريقة أفضل ، اقتراح آخر،  تقديم تخطيط مُوحّد لوقت العمل يمكن أن يخلق الهيكل أو الأساس الذي يُحدّد مقدار الوقت الذي يجب  إنفاقه في مهام مختلفة بوضوح، ويحدد ببساطة مقدار الوقت، خلال أسبوع العمل، والذي يجب أن يقضيه في مهام تتعلّق بالمريض، ويبيّن الإجراءات التي نستطيع تخفيفها. من أجل نشر أساليب العمل الناجحة والفعّالة على نطاق واسع، يُقترح توفير التعليم الإداريّ المُمنهج، وإقامة دورات تدريبيّة لإكتساب الخبرة، كما يجب تبنّي الرقمنة والأتمتة أيضاً

تُعدّ الرعايّة الصحيّة نشاطاً تقنيّاً عالٍ، وهي بالتالي، لا تتعارض و التطوّر التقنيّ، لكنّها تقول أنّ الحلول التّقنيّة يجب أن تكون أفضل وأكثر سلاسة عند الاستخدام. يجب أنّ نحصل على المزيد من الوقت و أنّ نتحلى بالصبر ، ويجب أن تكون أنظمة تكنولوجيا المعلومات أفضل بكثير ، كما يجب أن تكون لدينا بنية تحتيّة رقميّة أكثر وضوحاً وكفاءة مما هي عليه اليوم . نحتاج إلى توفير المزيد من الفنيين في مجال الرعايّة الصحيّة ممن يمكنهم العمل معنا

تُظهر الدراسة أيضاً، أنّ الخدمة الأساسية في العيادات اليوم، أقل مما كانت عليه قبل بضع سنوات .  و لأجل زيادة الوقت المخصص للمرضى مع الأطباء، من المُهمّ تجربة إمكانية إعادة توزيع المهام بين المجموعات المهنيّة المختلفة، إنّ إعطاء صلاحيّة القيام ببعض المهام التي يقوم بها الأطباء عادة للممرضات/ الممرضين, و ترك المهام الأكثر صعوبة و التي لا يمكن أن يُؤدّيها إلّا الاطباء حصراً  لأنّها تقع ضمن دائرة المساءلة القانونيّة، يُوفّر للأطباء وقتاً أطول لمعاينة عدد أكبر من المرضى، إذ وجد الأطباء أنّ الكثير من المهام التي سبق و رفضوا التخلّي عنها،  يمكن للممرضات / الممرضين  القيام بها  بكفاءة وجودة عالية بعد فترة من الزمن، وبعد أن يقوم الأطباء بتدريبهم ورفع سويتهم العلميّة، ليصبحوا أكثر احترافا بعد الممارسة

كما أكّدت الدراسات أن قضاء الأطباء والممرضات للكثير من الوقت في الإدارة  ما هو إلا نقص  في الحلول التقنيّة الوظيفيّة والإجراءات الإدارية. يجب تطوير دعم تكنولوجيا المعلومات لإدارة شؤون المرضى، كما يجب إعادة توزيع العمل الإداري وتبسيطه

التطوير مازال مستمراً ولا يتوقف، على الرغم من أنّنا قد قطعنا أشواطاً طويلةً لنصل إلى ماوصلنا إليه اليوم، من إمكانية تقديم احصائيات توفّر المعلومات للباحثين من أطباء و ممرضات/ ممرضين، أثناء سعيهم لنيل شهادة الدكتوراه في تخصصات علميّة عميقة، أو حتى في مساعدة المؤسسات الطبيّة على تحديث نفسها عبر مشاريع تطويريّة تهدف لتقديم أفضل الخدمات لطالبيها، كما تقدم الإحصائيات خدمات تساعدنا على تقييم الوضع الصحيّ للمواطن بغية تعزيز الموازنة، لمساعدته إما عبر وقايته من الإصابة المُتوقعة بالمرض، أو تقديم الرعايّة الصحيّة له في الوقت المناسب، وذلك ضمن منظومة صحيّة فعّالة و مُجدية 

و كما تُعتبر الرعايّة الصحيّة أعقد و أصعب القطاعات بالنسبة لموضوع جمع المعلومات المُوحّدة المنظّمة، فإنّ مبدأ الأهميّة نفسه ينطبق على الإحصائيات في باقي القطاعات و المجالات

بقلم المستشارة الاقتصادية: فاديا رستم

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم 

4 comments

  • مقال رااائع نطمح لتطبيق في سوريا باقرب وقت

    Liked by 1 person

  • Sawsan Salamony

    جميل جداً رغم صعوبته الهائلة في التطبيق في بلد ولكن بعد ٢٠ سنة أعتقد قد نلحظ التغيير اذا كان هناك جدية من أصحاب القرار في تنفيذ هكذا مشاريع مهمة للمواطن. وليس على الصعيد الصحي وإنما على كافة القطاعات الخدمية.
    شكراً جزيلاً على المقال والرؤية المفيدة ..

    Liked by 1 person

  • يحيى توفيق زيدو

    مقال هام جداً لأنه يطرح مشكلة الرقم الإحصائي و أهميته في وضع الخطط التنموية و اتخاذ القرارات على كافة المستويات.
    نرجو أن يستفيد أصحاب القرار في سورية من الأفكار المطروحة. لبناء قاعدة بيانات تخصصية وعامة يمكن الاعتماد عليها عند وضع الخطط والبرامج و عند اتخاذ القرار.

    Liked by 1 person

  • فكرة طموحه تعزز قدرات الجهات الحكومية للتواصل في بياناتها الإحصائية بحيث يشكل رابطاً بين منتجي ومستخدمي البيانات ،
    وإيصال البيانات لمتخذي القرار في الجهات الحكومية المختلفة الذين سيتمكنون من تحليل
    . وتنفيذ قرارات الأعمال بالاعتماد على هذه معلومات
    توفير جهد ووقت لصالح الوطن والمواطن .

    Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s