التنمية المستدامة في نظام الآر الرباعية

في السنوات الأخيرة ، أدركنا أنّ التنمية المُستدامة تعني الجوانب الاجتماعيّة والاقتصاديّة والبيئيّة ، وعملنا من أجل تحقيق ذلك (طبعاً المجال التقنيّ والعلميّ يصبّ في خدمة الجانب الاقتصاديّ، والمجال الصحيّ يصبّ في مصلحة الجانب الإجتماعيّ والبيئيّ إلخ)، عبر كل قرار نتّخذه في عملنا و كذلك بالعمل المدنيّ، نحاول التفكير من منظور الجوانب الثلاث ونوازن قرارنا بما يضمن تقاطعها معاً (انظر إلى الصورة أدناه) لتحقيق أقصى مستوى من الفائدة.

من خلال مواكبتنا لكلّ جديد ، إطلعنا على بحث جديد يطرح نظام إداريّ حديث أُُطلق عليه اسم “الآر الرباعيّة” R4 يقترح إعادة تصميم العالم، و يأخذ بالاعتبار جانباً رابعاً، إضافة لِما ذكرناه أعلاه في الصورة, ألا وهو جانب “الإبداع و الابتكار” (شبكة أينسيس تعتمد مُصطلح التطوير الإبتكاريّ والإبداع المُوجّه في عملها) .. البحث الجديد للخبير ماغنوس پينكر، وأحببنا هنا أنّ نُلَخِّص فحواه لنستفيد منه جميعاً، و نواكب آخر التطوّرات في العالم.

يقول مارك كارني، مدير بنك إنجلترا، تغيّر المناخ هو مأساة المستقبل. لسنا بحاجة إلى جيش من الخبراء من أصحاب السلطة لإخبارنا بأنّ الآثار الكارثيّة لتغيّر المناخ ستفوق الحدود التقليديّة لمعظم الجهات الفاعلة – مما سيفرض على الأجيال القادمة دفع الفاتورة، إذ لا يملك الجيل الحاليّ حافزاً مباشراً لإصلاحها.

لماذا علينا “حُكماً” أن نهتم و نواكب الحوكمة البيئيّة والاجتماعيّة والمؤسساتيّة ؟

إذا لم تتخذ دولنا إجراءات تفوق ما التزمت به الحكومات حتى الآن ، فإن متوسط درجة الحرارة العالميّ سيرتفع بمقدار ٢،٧ درجة قبل نهاية القرن ، وهذا الارتفاع يُشير إلى نتائج قريبة من تبخّر الكثير من مقومات وجودنا التي يُعتبر وجودها من البديهيات. إنقاذ البشريّة و الأرض ، سيتطلّب عملاً حقيقيّاً على المديين القصير والطويل. على المدى القصير – يوجد اليوم الكثير من الكلام والمحاولات ، و لكن للأسف ، القليل من التأثير الفعليّ.

توصف الممارسات البيئيّة والاجتماعيّة وحوكمة الشركات ، والتي تعرف اختصاراً بالإنجليزيّة بـ إي إس جي (ESG) بالمجالات الرئيسيّة الثلاث الأكثر أهميّة ، والتي تمّ تطويرها لتكون المعيار الرئيسيّ لقياس الاستدامة ، والتأثير الأخلاقيّ للاستثمار في الشركة أو الأعمال التجاريّة . وفي إطار تلك المجالات الثلاث ، تدخل مجموعة كبيرة من الاهتمامات التي يتمّ تضمينها ، بشكل متزايد ، ضمن إطار العوامل غير الماليّة ، والتي تظهر في تقييّم حقّ المساهم و المؤسسات التجاريّة وكل استثمارات الدخل الثابت . ويُعدّ مُصطلح الحوكمة البيئيّة والاجتماعيّة وحوكمة الشركات هو المُصطلح الشامل للمعايير المُستخدمة فيما أصبح يُعرف باسم الاستثمارات المسؤولة من الناحية الاجتماعيّة.

وقد قام الاتحاد الأوروبيّ وشركات الاستثمار الاجتماعيّ ، خلال السنوات الأخيرة ، بأنشطة هدفها إدخال و ترسيخ الحوكمة البيئيّة والاجتماعيّة والمؤسساتيّة . بالفعل ، وقّع أكثر من 3000 مُستثمر ، يمثلون مؤسسات تُقدّر قيمة أصولها بأكثر من 100 تريليون دولار أمريكيّ ، على مبادئ الاستثمار المسؤول ، وهي مجموعة من مبادئ الاستثمار المُرتبطة بالحوكمة البيئيّة والاجتماعيّة والمؤسساتيّة ، وبالتالي تعهّدوا بتضمينها في قراراتهم الاستثماريّة المُتخذة.

The PRI is the world’s leading proponent of responsible investment

علاوة على ذلك ، تمّ دمج مبادئ في تقارير الاستدامة الإلزاميّة في الاتحاد الأوروبيّ ، لجميع الشركات التي تضم أكثر من 500 موظف . كما يُركّز المستثمرون الأفراد ، ولا سيما جيل الألفيّة و الجيل الذي يليه المتعارف عليه باسم جيل ذيتا ، بشكل مُتزايد على الاستثمارات التي تتوافق مع قيمهم . يقوم هؤلاء المستثمرون بدمج تلك الاعتبارات في قراراتهم الاستثماريّة الفرديّة . تظهر نفس الاتجاهات في سوق العمل ، حيث يميل العمّال الشباب إلى القبول بفكرة خفض رواتبهم مقابل العمل في شركة مسؤولة اجتماعيّاً . هناك دليل على أن الأداء الجيد يرتبط ارتباطاً إيجابيّاً بالنتائج الماليّة الجيدة والعكس صحيح أيضاً .

قياس قدرات الابتكار و”التحوّل الأخضر”

للمُضيّ قُدماً باتجاه حالة التجدّد التي نقوم من خلالها باستعادة وإصلاح المحيط الحيويّ والمجتمع والاقتصاد ، نجد أنّه من الضروري خلق قيمة مُضافة ، فالبحث الذي بين أيدينا يُؤكّد على أنّ أقل من 10 ٪ من جميع المؤسّسات لديها القدرة على الابتكار و التجديد – مما يجعل من المستحيل التحوّل بشكل أساسيّ ، و لكن ، من خلال التقييم وبناء القدرات الصحيحة ، يكون الانتقال من الحلول التفاعليّة ، التي تنوجد كردّة فعل ، إلى الحلول السابقة لزمانها أمراً مُمكناً ، ويُمكن أن يؤدّي ذلك إلى عملية مُنظّمة ونهج يعتمد على البيانات.

كيف علينا أن نتعامل مع هذا التحديّ؟

لقد قام الباحثون بتطوير إطار عمل ، يجمع 12 ركيزة موزّعة على أربعة فئات يُمكننا قياسها وتحليلها والعمل بها ، وهي أداة تقيّيم تساعد الشركات على فهم كيفيّة التحسّن في مسألة الابتكار من خلال النتائج المُحدّدة التي يتمّ قياسها في تقارير الاستدامة البيئيّة القياسيّة . بالإضافة إلى ذلك ، قد تكون بعض ممارسات الابتكار التي يتم قياسها بواسطة TESTOVENOVATION TM مُدخلات ذات صلة مباشرة بأنظمة إعداد التقارير.

يُعدّ الاقتصاد الدائريّ نموذجاً للإنتاج والاستهلاك ، والذي يتضمن ثلاثية آر

R Reduce, Reparera, Renovera

بمعنى التقليل (و استبدال التملّك بالمشاركة و الآجار) ومن ثمّ وإعادة الاستخدام (الإصلاح والتجديد) وإعادة تدوير المواد والمُنتجات الحاليّة لأطول فترة مُمكنة . يهدف الاقتصاد الدائريّ إلى معالجة التحدّيات العالميّة مثل تغيّر المناخ وفقدان التنوّع البيولوجيّ، والنفايات والتلوّث من خلال التأكيد على التنفيذ وفقاً للتصميم القائم على ثلاثة مبادئ أساسيّة .

المبادئ الثلاثة المطلوبة للتحوّل إلى اقتصاد دائريّ هي :

1. القضاء على النفايات والتلوّث

2. تداول المنتجات والمواد

3. تجديد الطبيعة

في الواقع، غالباً ما يقدّم الاقتصاد الدائري مبادئ جديدة في الاقتصاد الخطيّ التقليديّ تدعو إلى نظام التفكير المُتجدّد .

يُشير مُصطلح البيئة إلى استخدام الموارد وتكديس النفايات وتأثيرات أنشطة الشركات على الكوكب بشكل عام. إنّ الحدّ من انبعاث الغازات المُسبب للاحتباس الحراريّ، والانتقال إلى مصادر الطاقة المُستدامة، وتقليل النفايات البلاستيكيّة وغيرها من النفايات، وحماية التنوّع البيولوجيّ هي مبادرات مُشتركة ترمي إلى تحسين الجزء البيئيّ.

في الاقتصاد الخطيّ التقليديّ، يتمّ تحويل الموارد الطبيعيّة إلى مُنتجات مُعدّة لتُصبح، في النهاية، نفايات بسبب طريقة تصميمها وتصنيعها ، غالباً ما يتمّ تلخيص هذه العمليّة على أنّها “خُذ ، واعمل ، واهدر” .

على النقيض من ذلك، يقوم الاقتصاد الدائريّ على إعادة الاستخدام والمُشاركة والإصلاح والتجديد وإعادة التصنيع وإعادة التدوير لإنشاء نظام الحلقة المُغلقة، والتقليل من استخدام مُدخلات الموارد وخلق النفايات والتلوّث وانبعاثات غاز الكربون .

يهدف الاقتصاد الدائريّ الحقيقيّ إلى إبقاء المُنتجات والمواد والمعدّات والبنية التحتيّة قيد الاستخدام لفترة أطول ، وبالتالي تحسين كفاءة وضمان ديمومة الطرق التي نستخدم بها هذه الموارد ، وتصبح مواد النفايات والطاقة مدخلاً لعمليات أخرى ضمن سلسلة الاستدامة ذات الطابع البيئيّ والماديّ ، سواء عبر استخدامها كمواد تدخل في عمليات صناعيّة أخرى ، أو كمصادر مُتجدّدة في الطبيعة (مثل السماد العضوي)

ظهر تفكير جديد مع إدخال العامل R الرابع – التطوير الإبتكاريّ والإبداع الموجّه – ، كان التركيز على هذا الجانب التجديديّ أقل تاريخيّاً ، لكنُه في الواقع جزء حيويّ من وجهة نظرنا – نموذج 4R .

يعكس نموذج 4R الخاصّ بنا أربع خطوات واضحة :

1. الحدّ من استخدام الوقود الأحفوريّ بما يتماشى مع الممارسات الخالية من الكربون (على سبيل المثال، في عملية تصنيع الحديد لإنتاج الفولاذ، حيث تحتلّ السويد الصدارة).

2. إعادة الاستخدام (وذلك من خلال التشّجيع ، من خلال القوانين التي تنصّ على إعادة استخدام الأشياء التي يمكن إصلاحها ، كما هو الحال ، على سبيل المثال، في فرنسا).

3. إعادة التدوير (بنسبة 90 في المئة في معظم أنحاء العالم المُتقدّم).

4. التطوير الإبتكاريّ والإبداع المُوجّه.

قياس قدرات الابتكار والتحوّل الأخضر.

للمُضيّ قُدماً نحو حالة التجدّد التي نقوم من خلالها باستعادة وإصلاح المحيط الحيويّ والمجتمع والاقتصاد، نرى أنّه من الضروري خلق قيمة مُضافة ، فالبحث الذي بين أيدينا يُؤكّد أنّ أقل من 10 ٪ من مُجمل المؤسّسات لديها القدرة على الابتكار و التجديد – مما يجعل من المستحيل التحوّل بشكل عميق. و لكن من خلال التقيّيم وبناء القدرات الصحيحة، يُصبح الانتقال من الحلول التفاعليّة التي تنوجد كردّة فعل إلى الحلول السابقة لزمانها أمراً مُمكناً، ويمكن أن يُؤدي ذلك إلى عملية مُنظمة ونهج يعتمد على البيانات.

كيف علينا أن نتعامل مع هذا التحديّ؟

قام الباحثون بتطوير إطار عمل SOI يسمى Sustainovation360TM ، والذي يضم 12 ركيزة في أربع فئات يمكننا قياسها وتحليلها والعمل بها. الاستدامة هي أداة تقيّيم تساعد الشركات على فهم آلية تحقيق التحسّن بالابتكار وذلك عبر النتائج المحدّدة التي يتمّ قياسها في تقارير الاستدامة البيئيّة القياسيّة . بالإضافة إلى ذلك ، قد تكون بعض ممارسات الابتكار التي يتمّ قياسها بواسطة TESTOVENOVATION TM مُدخلات ذات صلة مباشرة بأنظمة إعداد التقارير.

الالتزام على مستوى المؤسّسة. تنعكس أهميّة التطوير الإبتكاريّ و الإبداع المُوجّه نحو الاستدامة (SOI) في استراتيجيّة المؤسّسة ويدعمها فريق القيادة بأكمله والثقافة التنظيميّة.

• استراتيجيّة الاستدامة . تُحدّد الاستدامة نموذج عمل المنظمة بالكامل وعمليّاتها ، وتدعمها أهداف جريئة وحوافز قويّة .

• مُحاذاة القيادة . يدافع الفريق التنفيذيّ عن الاستدامة وتتوافق جميع مستويات الإدارة مع مبادرات SOI الخاصّة بالمنظمة .

• التنظيم والثقافة . الاستدامة مُتأصّلة بعمق في الثقافة التنظيميّة ومفرداتها ، ويتم تحقيق SOI عبر الوظائف من خلال فرق مُتنوّعة .

• الابتكار الشامل . الغرض من الابتكار هو تحقيق نتائج قيّمة ومرغوبة ، إذا قامت الشركة بتحسين قدرات SOI الخاصّة بها ومعالجة العوائق التي تعترض طريق SOI في مؤسّستها. تُعطي أنشطة الابتكار الأولويّة للاستدامة ويتمّ إجراؤها بأكثر الطرق شموليّة ، مما يستلزم التشاور مع مجموعة واسعة ومتنوّعة من أصحاب المصلحة خارج المؤسّسة والمجتمع.

• الإبداع والتصميم . يتمّ توظيف جميع مُقوّمات الابتكار والتصميم الداخليّة في خدمة الاستدامة ويتمّ استكمالها بالخبرة الخارجيّة الإضافية اللازمة لـ SOI.

• التعاون الخارجيّ . تشمل مبادرات SOI ، بشكل كامل ، العملاء ومجموعة واسعة من المُنظّمات الخارجيّة الأخرى من القطاعات الخاصّة والعامّة وغير الربحيّة ، ويتمّ تنسيقها معهم .

• إشراك أصحاب المصلحة . يتمّ إشراك جميع أصحاب المصلحة في المُجتمعات الأكثر تضرّراً بشكل مُستمر ، ويتمّ دمج مُدخلاتهم في عملية التطوّر المرغوب بها .

التوجّه نحو نظام الاقتصاد الدائريّ مع الآر الرباعيّة

يضمن النظام الشامل ونهج دورة الحياة تحقيق فوائد الاستدامة للابتكار بالكامل على جميع مستويات الاستخدام ، وخلال جميع مراحل دورة حياة المُنتَج.

• ابتكار النُظم . نهج نظام كامل ، لخلق قيمة ماليّة وبيئيّة واجتماعيّة من خلال الابتكار ، يتمّ اتّباعه وتمكينه من خلال منصّات وإجراءات تعاون جديدة لتقيّيم الأثر البيئيّ.

• ابتكار دورة حياة المُنتَج . يعمل نهج دورة الحياة ، لابتكار المُنتجات التي تضمن الاستدامة ، على تقليل الاستهلاك وإطالة عمر المُنتَج وإمكانيّة إعادة تدوير المُنتجَات والقطع.

• نموذج الأعمال الدائريّ . يقوم نموذج الأعمال على مبادئ دائريّة وترميميّة ، تزيد من إمكانيّة استعادة القيمة المُتبقّية للمُنتَج ، واستعادة النُظم الطبيعيّة .

نعتقد، بعد ما استعرضناه أعلاه ، أنّ أهمّ نقاط البحث تُشير إلى أنّنا، في سوريا، نحتاج إلى إعادة بناء فكر إداريّ حديث، بل ابتكار وخلق فكر إداريّ جديد، على مستوى جميع المؤسّسات العامّة و الخاصّة، لنصل إلى مستوى ديمومة التّطوّر و الإبداع ! فمارأيكم أنتم ؟

بقلم فريق آينيسيس

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

2 thoughts on “التنمية المستدامة في نظام الآر الرباعية

Add yours

  1. مقال مهم ،و خاتمة المقال تلخص ما تحتاجه سورية من فكر إداري خلاق يبدو أننا بعيدون عن الوصول إليه في المدى المنظور إذا بقيت
    الحكومة تفكر بنفس الطريقة والأدوات الحالية.
    كل التحية لفريق آينيسيس المبدعون.

    Liked by 1 person

    1. جزيل الشكر سيد يحيى على متابعتك و اهتمامك.. نقدّر جداً تشجيعك و نرجو فعلاً أن تصل هذه الافكار الى مواقع القرار في بلدنا الحبيب و اتخاذها بجدّية.

      Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

Website Built with WordPress.com.

Up ↑

%d bloggers like this: