Author Archives: iNESIS

الإحصاءات كمدخل للتنمية و التطوير

‎أيمكننا الحصول، بسهولة، على أي معلومات  إحصائية تتعلق ببلدنا كما في باقي الدول، آخذين بعين الاعتبار وجود مكتب مركزي للإحصاء في سوريا ؟ و نحن لا نتكلّم هنا عن المسح الديموغرافي أو الغذائي أو غيرهما من الإحصائيات التي يُفترض توافرها بداهة  في مركز إحصائي مركزي تابع للدولة

‎أنستطيع معرفة عدد سكان كل مدينة، فئاتهم العمرية، جنسهم، أحوالهم المدنية و الاقتصادية، أمراضهم، مستوى تعليمهم، أو عدد الوافدين الجدد إلى كل مدينة أو الراحلين عنها ؟ هل نستطيع معرفة عدد و أنواع الشركات المتواجدة في كل مدينة، عدد عمالها، حساباتها الاقتصادية، حجم إنتاجها بشكل علني أو بكبسة زر ؟ 

‎هل نستطيع معرفة عدد القطع الأثرية الموجودة لدينا وأنواعها و معرفة بعض التفاصيل التاريخية عنها  و عن أماكن تواجدها ؟ هل نستطيع الإطلاع على عدد الجمعيات  العاملة في بلدنا و إنتاجيتها و اقتصادها و حجمها و مقرّها أيضاً بكبسة زر؟ ، هل بإمكان طبيب أو باحث علمي في المجال الطبّي، الحصول على سجلّ يحتوى مثلاً، على معلومات حول أعداد المصابين  بداء معين و طرق علاجهم و كيفية متابعتهم في سوريا، وذلك خدمة  وتسهيلاً لفكرة بحث علمي يتمحور حول تطوير علاج يتلائم و البيئة السورية ؟

‎هل نملك إحصاء دقيقاً لعدد الصيادين في بلدنا، و أيّهم صياد ماء مالح و أيّهم صياد ماء عذب، و ما  أنواع الأسماك التي يصطادها كلٌّ حسب منطقته؟ 

‎التساؤلات المطروحة أعلاه هي أمثلة بسيطة عن أسئلة كثيرة نطرحها على أنفسنا كسوريين، خاصة بعد الدمار  و التغيير الديموغرافي الذي عمّ البلاد كافّة، و عزمنا الأكيد على إعادة الإعمار بإستراتيجية صحيحة و مستدامة

‎ يحارب البعض، عن قصد أو عن غير قصد، وجود إحصائيات دقيقة تساعد كل صاحب اختصاص على تحليل ودارسة  إمكاناته و تحديد مساره  نحو الهدف، و تقديم الحلول  الناجعة لتطوير عجلة الإنتاج في هذا الاختصاص

قد يكون الخوف من الرقابة و الخضوع  للمحاسبة، عند وقوع الأخطاء أحد الأسباب، لكن الجهل لأهمية الإحصائيات وسهولة تطبيقها وإجرائها  و عدم إنتشار ثقافتها  هو السبب الأكبر، إذ لا نعتقد أن الافتقار للامكانيات أو الخبرات و القدرات التحليلية هي السبب 

‎على الرغم من اهتمام الدولة بإنشاء شبكة معلوماتية قبل الحرب، إلا  أن توقف المشروع بسبب الحرب ، تقنياً، لا يبرر توقف التحضير له ذهنياً، و بخطوات مدروسة بغية نشر ثقافة إجراء الإحصائيات ليستخدمها أهل الاختصاص في تطوير أنفسهم و أعمالهم

‎إن الطريق نحو تفعيل العمل بالإحصائيات المفيدة ودراستها بشكل مستمر و دوري طريق طويل، و لكنه آمن و شديد الأهمية إذا ما تمكنا من  التخطيط الصحيح لخوض غماره. جميعنا يعلم أن عمل القطاع العام معقد للغاية  تصعب  إدارته، فالقطاع العام متشعب و مرتبط بعدّة مؤسسات و وزارات، و يخدم شريحة واسعة و متنوعة من الشعب، كما أنه محكوم بقوانين و محظورات لا يمكن تجاوزها، يظهر أثرها، على وجه الخصوص، في القطاعات الخدمية كقطاع  الرعايّة الصحيّة. دعونا نُركّز في هذا المقال على الرعايّة الصحيّة كمثال حيّ، يطرح ويدلل على أهمية الإحصائيات وفائدتها سواء بالنسبة لوزارة الصحة أو للمواطنين، الأمر الذي  يمكن  إسقاطه على العديد من القطاعات الخدمية الأخرى  أيضاً 

‎في مراكز الرعاية الصحية (مستوصف، عيادة، مشفى، صيدلية و مخبر أو أشعّة الخ)  يجب أن يتم توثيق  كل إجراء وعمل وخدمة، وذلك لتقديم الأدلة و رفع التقارير للوزارة و الجهات الرقابية في السلطة، كما و يجب تقديمها  للمرضى حال طلبها، فأيّ خطأ يرتكب أثناء تقديم  الرعايّة الصحيّة قد يُهدد حياة طالبيها 

‎لذلك نجد أن الإحصائيات، التي أتت حصيلة  تدوين خطوات الرعايّة، بالغة الأهمية لكل من له صلة بالرعايّة الصحيّة سواء أكان موظفاً أو مسؤولاً أو مريضاً

‎إن النظر  لهذه الإحصاءات باعتبارها ذات أهمية بالغة، جعلت من السويد، على سبيل المثال، بلداً يتكلف  أموالاً طائلة، وذلك لتطوير منظومته الصحيّة وجعلها عامّة شاملة و موحدة في مختلف أنحاء  البلاد، فحيثما احتاج  المريض خدمة طبيّة يستطيع طبيبه، في أي مكان كان، و أي صيدلي العثور على معلوماته الصحيّة كاملة ليتم التنسيق والتعامل بناء عليها، بما فيه مصلحة المواطن، و هذا تحديداً ما جعل المنظومة تُبنى على أسس الكترونية في كل نوع من أنواع الرعايّة الصحيّة، وذلك للتخفيف على الموظفين وإعفائهم من مهمة  تدوين كل شيء، إضافة إلى توجيه خبرات الطاقم الطبي صوب العمل أكثر مع المرضى، وإنّ كان لكل تطور أوجه متعدّدة 

‎عملت السويد، خلال الأربعين سنة الماضية، على تقليص عدد موظفيها في القطاع العام، لقاء إنشاء منظومة إلكترونية  تُنجز و تُقدّم الكثير من الخدمات التي كانت تنتجها اليد العاملة.. السويد ليست وحيدة في هذا مسار  التطور هذا، فمنذ الثمانينيات ، انخفض عدد موظفي القطاع العام في المملكة المتحدة (بريطانيا) بمقدار الثلث، ولكن بالمقابل، ارتفعت تكاليف الموظفين. يمكن تفسير ذلك بأنّه قد تمّ تعيين نوع جديد من الموظفين – بيروقراطيون أكثر كُلفة في المناصب الإداريّة

‎دعوني أستعرض لكم تطوّر هذه المنظومة منذ البداية، إذ لربما نتجنّب مساوئها، حالما يعزم بلدنا الحبيب، سوريا، على تطوير منظومته الصحيّة إلكترونياً، و إنشاء شبكة إحصائيات داخل هذه المنظومة

‎في بداية ازدهار مشروع شبكة جمع المعلومات المتعدّدة، فرضت على الطاقم الطبي التعامل مع عدّة منظومات، الالكترونيّة منها واليدويّة، ما أدى الى هدر وقت الطاقم الطبيّ في تدوين  المعلومات ضمن عدة برامج، و من ثم جمعها من قبل الإداريين بغية صنع شبكة إحصائيّة تُقدّم التقارير والتحليلات العلميّة، الاداريّة و الاقتصاديّة، و تبني، في الموازنة وتطوير الرعايّة الصحيّة ،  قراراتها  على أساسها ،  ذلك كان الدافع وراء تقديم  الأطباء والطاقم الطبي شكوى ، تتناول أنظمة تكنولوجيا المعلومات المُرهِقة التي تستهلك وتهدر وقت العمل السريريّ، وذلك وفقاً  للاستبيانات التي قامت بها السويد في أواخر التسعينات وأوائل الالفين

في بداية الأمر اعتبر أغلب العاملين في الطاقم الطبيّ أنّ تدوين المعلومات  هدر لوقتهم و أردوا الاكتفاء بتسجيل ما كانوا معتادين  على تسجيله سابقاً ، لتنقله السكرتيرة إلى الجرنال لاحقاً، و لكن، مع ازدياد المعلومات المطلوب تدوينها لمتابعة الجودة، تعالت  أصوات أؤلئك الذين لم يروا أهمية في هذا التدوين . في منتصف عام الألفين، صدرت  دراسات جديدة أوضحت أنّه لا وجود في السويد لما يعتقده بعض الموظفون غير ضروري من توثيق لخطوات عملهم، وأنّ  أنظمة الكمبيوتر غير المُنسقّة تُمثّل مشكلة كبرى، على سبيل المثال، إدخال نفس المعلومات جزئياً مرّة في منظومة الرعايّة الصحيّة، ومرّة أخرى في سجلات الجودة الموحّدة وطنياً، يُرهق الطاقم الطبي و يسرق وقت  رعاية المرضى

كما أكدت إحدى  الدراسات أيضاً، أنّ القيام بالمزيد من التوثيق والتدوين يُقلّل من الإنتاجيّة في مجال الرعايّة الصحيّة، وفي الوقت نفسه  استنتجت دراسة أخرى، أنّ الافتقار إلى مبادئ توجيهيّة تشرح كيفية إدارة ساعات عمل الطاقم الطبيّ، قد ساهم في تحوّل التركيز على العمل مع المريض لصالح التدوين

يُشير التقرير إلى أن الأطباء غير مدربين على العمل بفاعلية في مجال أساليب العمل الفعّالة، إذ يفتقر  الأطباء إلى المهارة  في المهام الأخرى كالإدارة وذلك على العكس من مهارتهم وثقافتهم العميقة الجذور  في العمل السريري

و إعطاء الوقت  لإدارة التوثيق ليس بالأمر الخاطىء تماماً، ففي يومنا هذا ،   أصبح ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعمل الأطباء، لكن هذا لا يعني أبداً أن يكون وقت الإدارة على حساب وقت المرضى، طالما أن هذا الأمر  لا يُشكّل قيمة مضافة بالنسبة للمرضى. يجب استثمار وقت الكادر الطبيّ بكفاءة ، لذلك كان الحل  بأتمتة كل ما يمكن أتمتته، إذ يكفي أن يُدوّن الطبيب كوداً (رمزاً) خاصّاً لتُدرج  باقي المعلومات المرتبطة بهذا الكود تلقائيّاً 

لمعالجة مشاكل الإنتاجيّة ، تقترح الدراسة أربعة تدابير شاملة، على سبيل المثال، يتعلق الأمر بتوضيح المهام التي يتمّ تضمينها  وتلك التي لن يتم تضمينها في الأدوار المختلفة في مكان العمل، بهذه الطريقة، يمكن الحصول على أعلى مستواً من الكفاءة واستخدامه في مختلف المجالات المهنيّة بطريقة أفضل ، اقتراح آخر،  تقديم تخطيط مُوحّد لوقت العمل يمكن أن يخلق الهيكل أو الأساس الذي يُحدّد مقدار الوقت الذي يجب  إنفاقه في مهام مختلفة بوضوح، ويحدد ببساطة مقدار الوقت، خلال أسبوع العمل، والذي يجب أن يقضيه في مهام تتعلّق بالمريض، ويبيّن الإجراءات التي نستطيع تخفيفها. من أجل نشر أساليب العمل الناجحة والفعّالة على نطاق واسع، يُقترح توفير التعليم الإداريّ المُمنهج، وإقامة دورات تدريبيّة لإكتساب الخبرة، كما يجب تبنّي الرقمنة والأتمتة أيضاً

تُعدّ الرعايّة الصحيّة نشاطاً تقنيّاً عالٍ، وهي بالتالي، لا تتعارض و التطوّر التقنيّ، لكنّها تقول أنّ الحلول التّقنيّة يجب أن تكون أفضل وأكثر سلاسة عند الاستخدام. يجب أنّ نحصل على المزيد من الوقت و أنّ نتحلى بالصبر ، ويجب أن تكون أنظمة تكنولوجيا المعلومات أفضل بكثير ، كما يجب أن تكون لدينا بنية تحتيّة رقميّة أكثر وضوحاً وكفاءة مما هي عليه اليوم . نحتاج إلى توفير المزيد من الفنيين في مجال الرعايّة الصحيّة ممن يمكنهم العمل معنا

تُظهر الدراسة أيضاً، أنّ الخدمة الأساسية في العيادات اليوم، أقل مما كانت عليه قبل بضع سنوات .  و لأجل زيادة الوقت المخصص للمرضى مع الأطباء، من المُهمّ تجربة إمكانية إعادة توزيع المهام بين المجموعات المهنيّة المختلفة، إنّ إعطاء صلاحيّة القيام ببعض المهام التي يقوم بها الأطباء عادة للممرضات/ الممرضين, و ترك المهام الأكثر صعوبة و التي لا يمكن أن يُؤدّيها إلّا الاطباء حصراً  لأنّها تقع ضمن دائرة المساءلة القانونيّة، يُوفّر للأطباء وقتاً أطول لمعاينة عدد أكبر من المرضى، إذ وجد الأطباء أنّ الكثير من المهام التي سبق و رفضوا التخلّي عنها،  يمكن للممرضات / الممرضين  القيام بها  بكفاءة وجودة عالية بعد فترة من الزمن، وبعد أن يقوم الأطباء بتدريبهم ورفع سويتهم العلميّة، ليصبحوا أكثر احترافا بعد الممارسة

كما أكّدت الدراسات أن قضاء الأطباء والممرضات للكثير من الوقت في الإدارة  ما هو إلا نقص  في الحلول التقنيّة الوظيفيّة والإجراءات الإدارية. يجب تطوير دعم تكنولوجيا المعلومات لإدارة شؤون المرضى، كما يجب إعادة توزيع العمل الإداري وتبسيطه

التطوير مازال مستمراً ولا يتوقف، على الرغم من أنّنا قد قطعنا أشواطاً طويلةً لنصل إلى ماوصلنا إليه اليوم، من إمكانية تقديم احصائيات توفّر المعلومات للباحثين من أطباء و ممرضات/ ممرضين، أثناء سعيهم لنيل شهادة الدكتوراه في تخصصات علميّة عميقة، أو حتى في مساعدة المؤسسات الطبيّة على تحديث نفسها عبر مشاريع تطويريّة تهدف لتقديم أفضل الخدمات لطالبيها، كما تقدم الإحصائيات خدمات تساعدنا على تقييم الوضع الصحيّ للمواطن بغية تعزيز الموازنة، لمساعدته إما عبر وقايته من الإصابة المُتوقعة بالمرض، أو تقديم الرعايّة الصحيّة له في الوقت المناسب، وذلك ضمن منظومة صحيّة فعّالة و مُجدية 

و كما تُعتبر الرعايّة الصحيّة أعقد و أصعب القطاعات بالنسبة لموضوع جمع المعلومات المُوحّدة المنظّمة، فإنّ مبدأ الأهميّة نفسه ينطبق على الإحصائيات في باقي القطاعات و المجالات

بقلم المستشارة الاقتصادية: فاديا رستم

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم 

عودة أبو كيس

كان ياماكان ياقديم الزمان 

كان في إلفة وود وناس بترفع عن بعضها الجوع والحرمان

وكان في كل حارة في ناس دراويش ووضعهم يحتاج مساعدة إما لفقدان الإمكانية على العمل أو لظرف ما وطبعا الناس تعالج الوضع بالخفاء ودون إشهار ..ومنهم  من يعلن ذلك جهارا ويحوي معه بشكل دائم كيس وأولاد الحارة يطلقون عليه لقب أبو كيس  وكان شكله يحكي عن بؤسه وسوء حاله حتى أن الأطفال بالغالب كانت تخافه  ..كان  يقدم خدمات بسيطة لأهل الحي من حمل بعض الأغراض أو توصيل طلب ما ويأخذ أجرته و كل مايقدمه الناس من أطعمة أو ألبسة و  ما لايحتاجونه من الأغراض  ويضع حمولته  بالكيس الذي يحمله دائما

دارت الأيام واختفى أبو كيس وباتت مظاهر الحياة الرغيدة تبدو على أغلب الناس حتى عمت السعادة في البلد ولم يبقى فقير إلا من احتاج رحمة ربه بسبب من مرض أو ضيق أو غدر الزمان ..واستمرت الحال على هذا الوضع إلى أن جاءت سنوات الحرب العشر وتغيرت الحال على كل الناس وظهرت فئات في المجتمع تعيش من السمسرة والمتاجرة وقطع الارزاق على بعضها وتغير الحال كما لم يحصل في أي زمان أو مكان …وعادت ظاهرة أبو كيس للانتشار لكن هذه المرة أبو كيس صحيح الجسم ومعافى وقد يلبس لباس جميل على غير أحوال أهل الزمان لكن سلوكه لم يعد يحمل طيبة وقد ينسى أن يكيل لك الدعوات الصالحة إن لم يكل لك الشتيمة والبغضاء الظاهرة في عيون  تحكي  فجاجة المعشر وسوء الأخلاق  وفي هذا الزمان بات الناس يعطون لأبو كيس بالتي هي أحسن تجنبا لأذيتهم ..وصار لأبو كيس  أعوان لأنه لم يعد بحاجة لحمل كيس التقدمات ، فهناك من يحملها ويحتسب نسبته حسب الاتفاق  حتى أن الناس باتت تشهد  أن هناك أكثر من  أبو كيس أصبح  أكثر رفاهية  من الذي يملئ له الكيس

بقلم المهندسة نيللي مرجانة

كهوف معلولا- شنا، هل سنفقدها؟

سوريا استعادت معلولا لكنها قد تفقد كهوفها الأثرية

مُقدّمة قانونية
يُقرّ قانون الآثار رقم ٢٢٢ بوجوب حماية الآثار الموجودة في كافة أرجاء الجمهوريّة العربيّة السوريّة المنقولة منها والثابتة ، الآثار المنقولة هي تلك التي صُنعت لتكون بطبيعتها منفصلة عن الأرض أو المباني ، والثابتة هي تلك المُتّصلة بالأرض كالكهوف الطبيعيّة أو المحفورة التي كانت مخصّصة لحاجات الإنسان القديم ، والصخور التي رسم أو حفر عليها الإنسان القديم صوراً أو نقوشاً أو كتابات.
وتُعتبر الآثار ، بموجب هذا القانون ، من الأملاك العامّة للدولة ، وواجب الدولة صوّنها والحفاظ عليها بما يتفق والمواد ٥ و٦ و٧ من القانون ، إذ يحقّ للدولة بموجبها إخلاء المناطق الأثرية لقاء دفع تعويض لأصحاب الارض ، وهي تمنع على المالك حق التّصرّف والتنقيب فيها ، بل وتحظر عليه إتلافها أو إلحاق الضّرر بها بأيّ شكلٍ من الأشكال

إضافة إلى ذلك ، ينصّ القانون في مواده ٩ و ١٠ و١١ على ضرورة تحديد المواقع الأثرية بغرض مراعاة حقوق الارتفاق المُتعلّقة بها ، والمنصوص عليها صراحةً في المادّتين ١٣ و١٤ ، وذلك بغرض منع البناء والترميم العشوائيّ فيها

نعلم جميعاً بأن سوريتنا الحديثة ماهي إلا امتدادٌ لحضاراتٍ مُتعدّدة ومُتجذّرة في عُمق التاريخ ، حالفنا الحظُّ باكتشاف بعض معالمها ، وبقي الكثير مدفوناً في باطن الأرض كسرٍّ لم يحن أوان كشفه بعد ، لكن ، هناك مدينة ، لطالما أدهشتنا كأعجوبة سماوية ، تجهر صخورها بكل أسرارها دونما وجلٌ من الزمان ، هناك (الحجر بيحكي ) كما كان يقول أجدادنا ، وهناك تعلّمت أن الزمن يفقد معناه أمام عظمة صخور المكان .. هناك فقط ، يمكنك أن تشهد إلتقاء السرمدي بالأبدي .. هي معلولا ، مدينة معلولا

تقبع معلولا على صخور جبال القلمون كأسطورة محفورة صامدة في وجه الزمن ، وتقع في شمال شرقيّ مدينة دمشق ، وتبعد عنها مسافة ٥٦ كم
في الآرامية تعني كلمة معلولا المدخل أو المعبر ، ويتوافق هذا الاسم وأسلوب الدخول إليها عبر فالق صخريّ ضيق ، يُطلق عليه اسم الفجّ الصخريّ ، ما أن تعبر هذا الفالق حتى ينفتح أمامك عالمٌ من السحر يعبق بالأساطير –عيسى مهنا

بيوتها البسيطة المطليّة بالكلس الأزرق تتعانق وتتراكب بتداخل شديد ، يتوه المُتأمّل لناظر إليها بين تركيبة تلك البيوت والدروب المُفضية إليها ، فالبيت الواحد ليس سوى طبقة واحدة ، وفناؤه ليس إلا سطح بيتٍ ثانّ ، كما أن سطحه معبرٌ لبيت ثالث .. ليس غريباً أن تدخل بيتاً من هذه البيوت و تسند ظهرك إلى جدارٍ صخري في إحدى غرفه ، أو أن تكتشف أن البيت بأكمله عبارة عن كهف محفور في الصخر !! الدروب مُتداخلةٌ ومُتشعّبة تنساب تحت البيوت المُعلّقة على الصخور ، وفوق الكهوف الّتي حفرها قُدامى المعلوليّون واتخذوها مساكن لهم – عيسى مهنّا

بين حنايا الصخرات الثلاث ، المُحيطات بمعلولا إحاطة السوار بالمعصم ، و المُسمّيات محليّاً ” شنا ” ،  وفي تلك الكهوف تحديداً يقبع جزءٌ هامٌّ من تاريخ البشرية والإنسانية ، حيث تتفاعل الطبيعة بجبالها وكهوفها وسهولها ، مع ما تمّ اكتشافه من آثار ثابتة وأحجار وكتابات و رسومات على الجدران وغيرها 
وفقاً للدراسات تمّ العثور في كهوف معلولا على أدلّة تُشير إلى أن المنطقة تُعدّ من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في الشرق الأوسط ، في فترة تُقدّر ما بين٥٠ إلى ٦٠ ألف سنة خلت ، حيث سكنها إنسان كرومانيون منذ حوالى ٣٠ ألف سنة على وجه التأكيد وترك لنا شواهد دلّتنا على ذلك ، ومنذذلك الحين ، والتواجد البشريّ فيها لم ينقطع في مختلف العصور الّتي توالت ، حيث واكبت وتأثّرت بمختلف الثقافات الّتي مرّت على المنطقة، من الآكادييّن إلى العمورييّن فالآرامييّن وصولاً إلى الإغريق والرومان فالحضارة العربيّة


في كهوف معلولا حكايات الأولين

بمُجرّد رؤيتك لكهوف معلولا المُعلّقة بالسماء ومغاورها المنحوتّة بروح الإنسان السّوريّ القديم وصبره وعنايته ، تقف خاشعاً أمام عظمة ذلك الإرث الإنسانيّ الذي لامثيل له
معلولا باسمها وصخورها وكهوفها تُمثّل كنز بلدنا النفيس وهديّة للإنسانيّة قاطبة
إن أكثر مايدعونا إلى الحزن هو تعرّض الآثار الّتي تحتضنها تلك الكهوف للخراب ، ونأمل أن نلفت النظر إليها للاهتمام بها وحفظها ، ولعل أهمّها معبد إله الشمس الذي يدلّ عليه عمل نحتيّ على جدار إحدى المغاور ، وهو نقش نصف دائريّ مُنجزٍ بدقّة وإتقان ، إضافة إلى نحت بديع ونادر للعُقاب السوريّ ، مُنفّذٍ بطريقة النفر ، والذي اتخذته الجمهوريّة العربيّة السوريّة شعارً لها ، كما تحتوي هذي الكهوف والمغاور على كتابات مسيحيّة يعود تاريخها إلى عام ١٧٩ ميلادي ، حيث يُرجح أن يكون المكان من أقدم أماكن العبادة المسيحيّة في العالم ، وذلك قبل صدور المرسوم الامبراطوريّ الذي سمح بالحريّة الدّينيّة عام ٣٢٣ ميلاديّ ، كما يضم المكان نقشاً للسيدة مريم العذراء تحمل الطّفل ، حُفر بطريقة النفر أيضاً ، والذي يُعتبر مثالاً حيّاً على تطوّر فن الأيقونات السوريّ عبر التاريخ

تُرى ، أنستطيع إعادة بث الحياة بتلك الكهوف ؟ والاهتمام بها لتبقى كنزاً تملكه الإنسانية عامة وسوريا على وجه الخصوص ، نفتخر بوجوده على أرضنا ، ونستقطب الزائرين والسيّاح من مختلف أنحاء العالم ، ليكونوا شاهدين على هذا المكان المعجزة

هامش

قصة النسر السوري الذي بقي منه أعداداً قليلة في الجبال المحيطة بمدينة تدمر وهو حالياً شعاراً الجمهورية العربية السورية

دمتم و دامت سوريا بخير

بقلم الفريق المؤسس لشبكة أينيسيس

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

الشركات الاجتماعية / شركات ريادة الأعمال

التقت شبكتنا أحد الشباب وهو ممن لم تطب له فكرة السفر في سنوات الأزمة وآثر البقاء يقوده الامل بما بقي وبمن بقي في هذه البلاد الى هدف لم تتوضح ملامحه بعد، لكنه حتماً يستشعر وجوده ويستلهم من ذلك طاقته للاستمرار مع فريقه في العمل

في معرض حديثنا قال لنا: أحب وطني ومجتمعي و لدي شغف لا حد له بالعمل لأجلهما لكني لدي أيضاً رغبة عارمة بالخروج عن المألوف فلا أود تأسيس (جمعية/ مبادرة/ تيار … الخ) وأرغب في الوقت ذاته بتحقيق بعض الربح الذي سيضمن لي بكل تأكيد ازدهار عملي ربما خارج الحدود دون أن اكون مستثمرا همه جني الأرباح !!! واستطرد متسائلا،  كيف يمكن جمع هذا كله  في شيء واحد؟! 

وبما تملك شبكة الخبراء من معرفة و امكانيات البحث تمكنا من الاجابة  بنعم ! يمكن تحقيق ذلك كله بتأسيس ما يسمى بالشركة الاجتماعية. فتعالوا معنا لنحملكم في رحلة سريعة نسلط الضوء فيها هذا علي هذا الشكل الابتكاري الجديد الذي يلف العالم اليوم باعتباره الشكل الأمثل لأعمال المستقبل ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتنمية المستدامة 

يعرف عن الشركات الاستثمارية قدرتها على تقديم أفضل الخدمات وأكثرها فعالية، فلم لا يتم استثمار هذه القدرة في مجالات النفع العام وأهمها المجتمع والبيئة ؟! و الاستفادة في الوقت ذاته من الميزات الضريبية التي تمنح للجهات العاملة لصالح النفع العام؟

إن امتلاك فكرة جيدة لصنع عمل / استثمار هو أمر جيد لكنه غير كافي لتحقيق استدامة عمل الشركة الاجتماعية لذلك يجب على الشركة أن تمتلك القدرة على الابتكار والإبداع. فما هي الشركة الاجتماعية و فما هي الشروط التي يجب ان تحققها حتى تتحول الى استثمار ذا أثرٍ مستدام؟

اكتسب مصطلح “المؤسسة / الشركة الاجتماعية” مكاناً سريعاً في السوق كطريقة لوصف حركة جديدة مبتكرة في مجال الأعمال وريادة الأعمال

ينبع عمل المؤسسة / الشركة الاجتماعية من مبدأ يميزه عن بقية أشكال الشركات الاستثمارية فهدف الاستثمار الأساسي ليس تحقيق الأرباح وإنما تقديم حلول لمشاكل تهم الصالح العام ويأتي المجتمع والبيئة عادة في مقدمة هذه الأهداف

غرض المؤسسة / الشركة الاجتماعية هو تحقيق مهمة اجتماعية – مثل توفير الرعاية الصحية أو مياه الشرب المأمونة للفقراء ، وإدخال الطاقة المتجددة ، وخلق فرص عمل للعاطلين عن العمل أو النهوض بمبادرات التعليم

الإيرادات المستدامة تميز المؤسسة الاجتماعية عن المؤسسة الخيرية التقليدية التي تعتمد على التمويل الخارجي كالتبرعات أو المِنَح لتحقيق مهمتها الاجتماعية

 على الرغم من أن الأرباح ليست الدافع الأساسي وراء المشروع الاجتماعي ، إلا أن الإيرادات لا تزال تلعب دوراً أساسياً في استدامة المشروع

 هذا لا يعني أن الشركات الاجتماعية لا يمكن أن تكون مربحة للغاية ، فهذا يعني ببساطة أنه عندما تكون كذلك ، فإن أولويتها هي إعادة استثمار الأرباح في مهمتها الاجتماعية بدلاً من دفع الأرباح للمساهمين في الشركة

 المشروع الاجتماعي الناجح هو الذي يوازن بين دعم المهمة الاجتماعية لمنظمتهم و تعظيم إنتاجية مشروعهم التجاري لضمان الاستدامة: الفرق بين المشروع الاجتماعي والعمل الأخلاقي

 تجدر الإشارة إلى الاختلافات الواضحة بين المشروع الاجتماعي والعمل الأخلاقي.  تتمحور المؤسسة الاجتماعية حول مهمة اجتماعية وتستخدم التجارة كأداة لتحقيق أقصى قدر من الاستدامة والتأثير.  تتمحور الأعمال الأخلاقية حول تحقيق منفعة لمساهميها ولكنها تتبع نهجاً قائماً على الأخلاق في قضايا مثل البيئة والممارسات التجارية وتنمية المجتمع

أمثلة و أنواع الشركات الإجتماعية

 اذن كما ذكرنا يتم تأسيس الشركات الاجتماعية لحل مجموعة من الاحتياجات الاجتماعية وغالباً ما تختلف في نموذجها.  نقدم لكم هنا أدناه ثلاث طرق شائعة مع بعض الأمثلة الأفضل في فئتها لكل نموذج

نموذج الابتكار

  Solar Sister 

 شركة هي مثال لشركة تتعامل بشكل مباشر مع حاجة اجتماعية من خلال منتجات مبتكرة.  تجلب الشركة تكنولوجيا الطاقة النظيفة حتى إلى أبعد المجتمعات في المناطق الريفية في إفريقيا من خلال شبكة مبيعات مباشرة تتمحور حول المرأة. ومن الشركات الاجتماعية الأخرى التي تقدم منتجات وخدمات مبتكرة لحل مشكلة اجتماعية

BioLite و Kiva و Drink Soma و FairPho

نموذج خلق فرص العمل

هي مثال على نموذج التوظيف العادل Faire

هي مثال لمؤسسة اجتماعية تخدم الصالح العام من خلال توظيف الأشخاص المحرومين بأجر عادل.  تستأجر الشركة حرفيين في العالم النامي لصنع المجوهرات التي تُباع في الأسواق الدولية ، وتوفير أجور كريمة وبرامج اجتماعية شاملة للحرفيين تبعدهم عن الفقر.  ومن الشركات الاجتماعية الأخرى التي توظف الأشخاص المحرومين لكسر حلقة الفقر

Raven + Lily ، عشرة آلاف قرية ، The Giving Keys ، Krochet Kids ، Divine Chocolate

نموذج ردّ الجميل

– Better World BooksRoma Boots /Roma Boots

‏ هو مثال لنوع ثالث من الشركات الاجتماعية التي تخدم الصالح العام من خلال رد الجميل مقابل كل عملية شراء يتم إجراؤها

 فمقابل كل زوج جديد من أحذية روما يتم التبرع بمستلزمات تعليمية لطفل محتاج.  يمنح هذا النموذج المستهلكين قياساً ملهماً وملموساً لتأثيرهم. ومن الشركات الاجتماعية الأخرى التي تعيد تدوير عمل الخير مقابل كل منتج يتم شراؤه

Sackcloth And Ashes ، TOMS ، Skyline Sock

جميع هذه النماذج تتشارك في النقاط التالية

الشغف: الرياديون لا يبادرون إلى هذا النوع من الأعمال بحثاً عن توفير سبل عيشهم، وانما هم يحققون بذلك هدفاً غالياً على القلب 

روح الفريق: الرياديون يؤسسون على عكس المستثمرين التقليديين فريقاً

اثارة حماس الزبائن: لان المشاريع تستهدف هموم الزبون مباشرة وهو ما يسهل اكتساب دعم شريحة أوسع من الزبائن على خلاف الشركات التقليدية

روح الابتكار: معظم الرياديين يجلبون معهم ابتكاراتهم التقنية الخاصة بهم الى السوق

قد يواجه رياديو الأعمال الراغبين في تأسيس شركة اجتماعية في العالم كله مشاكل عامة قد تقود للاعتقاد أن  نشوء هذا النوع من الأعمال ضمن الظروف المهيمنة في سوريا هو ضرب من المحال، أهمها الصعوبات المالية في مرحلة التأسيس باعتبارها نموذجاً يرغب على وجه الخصوص الجيل الشاب الجديد بتطبيقه والشباب قد ينقصهم بطبيعة الحال المال للتأسيس وكذلك للاستمرار في المراحل الأولى. إضافة الى الحاجة الى شبكة من الداعمين والمؤمنين بهدف الشركة لضمان استدامة عملهم. وأخيراً وليس آخراً يحتاج هذا النوع من الشركات لدعم الدولة والقانون عن طريق ترخيصها وتحديد هويتها القانونية وتأمين بيئة تشريعية حاضنة ومرافقة لها.  علماً انها تعد نموذجاً حديث الولادة نسبياً في العالم ومازالت الكثير من الدول في طور تبنيه ودمجه وترخيصه. * ألمانيا قامت بالاحتواء التشريعي فقط منذ عام ٢٠١٣

لكن ان علمنا أن بعض الأعمال القائمة في سوريا تملك بالفعل مقومات الشركة الاجتماعية التي ذكرناها وتحقق شروط نجاحها بجدارة لكنها لم تجد الا بدائل التأسيس المتاحة كشركة تجارية أو جمعية وما الي ذلك ، و نسوق من الواقع امثلة عن مشاريع نعرفها مثل: سماور و أبهة و عِنات و العديد من الجمعيات والشركات المشابهة.  قد يقودنا ذلك إلى الدعوة من خلال هذا المقال لدراسة ترخيص هذا النوع الجديد من الشركات. خاصة أن بوادر حماية هذا النوع من الاعمال ظهرت في مشروع قانون الاستثمار في سوريا و الذي يخصص امتيازات واضحة و واسعة للجهات التي تستهدف في أعمالها تحقيق النفع العام. فإن بدأنا اليوم في سوريا لن نكون آخر الواصلين حتماً 

دمتم و دامت سوريا بالف خير

بقلم الفريق المؤسس لشبكة أينيسيس

*
Social Entrepreneurs in Deutschland: Raus aus der Nische – 154.000 „junge“

Sozialunternehmer im Jahr 2017

پينوكيو 140 عام وتستمر الحكاية


دخل  كارلو لورينزيني المشهور ب كارلو كولودي عالم الكتابة كمراسل في البداية ثم قام بتأسيس صحيفة ساخرة 
Le Lampion 

نشرت الصحيفة مائتين واثنين وعشرين عددًا لكنها اضطرت للتوقف بعد تسعة أشهر ، عندما تمت الإطاحة بحكومة فرانشيسكو دومينيكو غيرازي 

في 11 أبريل 1849 انتقل بعدها للمسرح الذي كان شغفه منذ البداية 

أسلوبه  المباشر والساخر  كان خطوة نحو حداثة اللغة الإيطالية.  أشاد به النقاد  باعتباره أحد أهم الأقلام التي  رفعت الكتابة الصحفية إلى مرتبة الفن.  لكن نشاطه السياسي أخصعه لرقابة السلطة مما دفعه للكتابة باسم مستعار فاختار، كولودي وهو اسم القرية التي أمضى فيها طفولته

، ينضم كارلو لورينزيني إلى جمعية تشجيع المسرح.  في عام 1864 تمت ترقيته إلى سكرتير من الدرجة الثانية لإدارة مقاطعة فلورنسا

في عام 1868 ، عينه وزير التعليم العام ، إميل بروجليو ، عضوًا استثنائيًا في “مجلس جمع المفردات المستخدمة في فلورنسا ” ، وهو تعهد كان من المقرر أن ينتج عنه قاموس للغة التوسكانية

في عام 1870 ، انتفض في الصحافة ضد الزيادة في الضريبة وأصابه اليأس وهو  المشروع السياسي لشبابه وقد تحول إلى فضائح مالية ومشاحنات شخصية وقوانين عبثية

ولادة پينوكيو

في الخمسينات من عمره  كتب كارلو الفصول الثلاثة الأولى عن ماريونيت خشبية في الحقيقة عودته للكتابة حينها كانت لأسباب مالية ” إدمانه للكحول والقمار ” وهذا مايفسر قتله لبطل القصة حيث ينتهي الفصل 15  بانتحار پينوكيو الذي صدم القراء فليس من عادة الكتاب وخاصة القصص الموجهة للأطفال أن ينهوا حبكتهم بقتل البطل

إلا أنه لم يكن يتوقع هذا النجاح لروايته فاضطر لإحيائها من جديد ومواصلة المغامرات من شباط 1882 وحتى يناير 1883 ليكون الفصل 36 هو الفصل الأخير بعد ان جمعها كارلو في مجلد واحد مع رسوم للشاب انريكو مازانتي*

ترجمت هذه الرواية إلى أكثر من 240 لغة وتجاوزت مبيعاتها 10 ملايين نسخة لتصبح ثاني أكثر الكتب مبيعاً في إيطاليا بعد الكوميديا الإلهية لدانتي

ما الذي قدمته هذه الرواية  و لِمَ هذا الاسم ؟ 

أراد كارلو كولودي ترسيخ الفضائل والقيم الأخلاقية لإيطاليا الريفية

….. ( الأسرة ، التعليم ، العمل ، مساعدة الآخر )

جاء اسم پينوكيو من

pignon في لغة توسكان*  pinolo  

في اللغة الإيطالية وتعني بذرة الصنوبر وهي الشجرة التي أخذ منها الجذع الذي صنع به النجار الدمية  پينوكيو

أولى القيم التي قدمتها الرواية هي احترام الوالدين حيث يوبخ جيپيتو النجار ” ابنه” پينوكيو حين سخر منه – لم أكد أنته من صنعك بعد وها أنت تهزأ بي هذا سيء يابني فعل سيء

القيمة الثانية أهمية التعليم وضرورة المدرسة مهما كانت الصعوبات فقد باع الأب معطفه الوحيد ليشتري لابنه كتاب الأبجدية في المقابل نرى الطفل المشاكس الفوضوي يرفض الذهاب للمدرسة مفضلاً الانطلاق برحلة ممتعة نحو مسرح العرائس وخلال هذه الرحلة سيتعلم بينوكيو ألا يثق بالغرباء وأن الصحة شيء مقدس لا يجوز التهاون به ثم تأتي القيمة الأشهر في الرواية (( لا تكذب )) فعندما تكذب سيطول أنفك – بني الأكاذيب تظهر على الفور

في كل مغامرة كان يتعلم شيئاً جديداً وإن كان الدرس قاسياً كما حدث عندما سرق عنقود العنب فأدرك بعدها أن الأمانة ضرورة والسرقة فعل مشين ومع كل تجربة كان هذا الصبي الخشبي ينضج قليلاً – أفضل شيء تقدمه للموتى هو أن تدعهم يرقدون بسلام

تتبلور هذه الشخصية وتظهر شجاعة ومسؤولية عند غرق الأب – إنه أبي علي أن أنقذ أبي 

ثم تأتي قيمة العمل وهي الرسالة التي كررها كارلو في أكثر من فصل خاصة في الأجزاء 24/26 – الفقراء يحتاجون للمساعدة الفقراء الحقيقيون هم فقط العجزة والمرضى الذين لا يستطيعون خدمة أنفسهم هؤلاء فقط هم الفقراء وعلينا أن نساعدهم أما الآخرون كلهم عليهم أن يعملوا

قدم پينوكيو المساعدة أيضاً للجنية والتي كافأت أعماله بتحويله إلى صبي حقيقي في آخر الرواية – پينوكيو لقلبك الطيب أسامحك على كل أخطائك السابقة الأطفال الذين يعطفون على آبائهم ويعاملوهم بشكل جيد يستحقون دائما التمجيد

بالتأكيد هذه الرواية تعليمية وترفيهية إلا انها لم تكن فقط للأطفال كارلو كان متأثراً بالأحداث التي مرت بها إيطاليا والحركة اللاسلطوية فقام بإظهار النقاط الإيجابية والسلبية لها من خلال شخصية پينوكيو المتمردة الفوضوية والتي لايتم تهذيبها حتى أواخر الرواية وبعد العديد من التجارب والصدمات تماما كبذرة الصنوبر التي لا نحصل عليها حتى نكسر قشرتها بدأت الرواية بالسلوك السلبي الذي قام به پينوكيو من سخرية واستهزاء بوالده ثم بعنف موجه ضد الصرصار”غريلون پارلانت” الناطق والهروب من المدرسة رفضه للعمل الكذب والسرقة بعدها نرى نتائج هذه التصرفات التي صقلت هذا الصبي وحولته إلى صبي لطيف محب وملتزم يساعد ويطيع وهي بالضبط صورة للمواطن المثالي 

الرواية مقسمة إلى 36 جزء خصص الأول منها للأب جيپيتّو والذي يرمز بشكل ما للمجتمع ثم يختفي بعدها ليظهر في الفصول الأخيرة من جهة أخرى لدينا الجنية ذات الشعر الأزرق وهي العنصر الأنثوي الوحيد في الرواية والتي ترمز للأم الأم التي تنصح وتهذب وتعالج وبين هاتين الشخصيتين ومعهما صوت الصرصار ” صوت الضمير ” يتم تهذيب پينوكيو وتحويله إلى الصبي الجيد

هكذا كانت رحلة پينوكيو التي أدت إلى ولادته من جديد دون أي ذكر للدين في هذه الرواية

لذا أصبحت پينوكيو أيقونة في عالم الأدب الموجه للأطفال وتم تبنيها في المسرح والسينما وإعادة إصدارها بحلل جديدة غيرت أحياناً في أحداث القصة ومجرياتها إلا أن پينوكيو بقي خالداً على مدى 140عام سواء كشخصية روائية أم سينمائية بل حتى في الطوابع البريدية والموروث الشعبي العالمي 

《أنفك سيطول عندما تكذب 》 

《 إن كنت كسولاً في المدرسة ستطول أذناك كالحمار 》

و من خلال موقع أينسيس أدعوكم اليوم لإعادة قراءة هذه الأيقونة فهناك الكثير بعد للحديث عنه ، وربما تكون دعوة لإعادة النظر فيما نقدمه لأطفالنا في سوريا خاصة وأن لدى جداتنا الكثير بعد من الحكايا التي مازال صداها يتردد في ذاكراتنا فلم لا نجمع تلك الحكايا الشعبية السورية الأصل ونوثقها من يدري قد نجد بينوكيو آخر في كهوفنا وإن لم نجد فلنخترع

بقلم: روكسانا سيمونيه

هوامش

1-

توسكانا : toscana

(في الإيطالية: Granducato di Toscana) هي مقاطعة مستقلة  كانت موجودة بين عامي 1569 و 1801 ثم بين عامي 1815 و 1859 في إقليم يقابل تقريبًا المنطقة الإيطالية الحالية التي تحمل الاسم نفسه

2-

إنريكو مازانتي (فلورنسا ، 5 أبريل 1850-3 سبتمبر 1910) هو مهندس ورسام كان أول رسام لپينوكيو. 

3- 

الأناركية ( اللاسلطوية )   تيار فلسفي /سياسي  ظهرت في القرن التاسع عشر  قائم على مجموعة من النظريات والممارسات المناهضة للسلطوية والداعمة للديمقراطية المباشرة والحرية الفردية كقيمة أساسية. لا تدافع عن غياب القانون ، لكنها تناضل بحيث تنبع صياغتها مباشرة من الشعب (المبادرة الشعبية) ، بحيث يتم التصويت عليها وإقرارها من قبل الشعب

مشهد مكرر

استيقظت من نوم عميق تخلله أحلام متشابكة على رنين هاتفها بعد فترة حزن طويلة كانت لاتنام خلالها وهي تتحسر على رحيل والدها الذي كان مثلا للرجولة والطيب ودماثة الخلق،رجل من أوائل الذين انخرطوا في العلم ..أسس عائلة من ثلاثة بنات وشب وأم استبسلت في تنشئتهم جميعا على حب العلم والتزام الأخلاق

  ..سارعت إلى الهاتف واذ بأختها الأكبر تتكلم في حال من العصبية  لتشكو لها تصرف الوالدة وتتهمها بعدم العدل في توزيع الإرث…استمعت لها بإصغاء لكنها تلعثمت قليلا ببعض الردود لأنها لم تكن قد فكرت في الموضوع ..أغلقت السماعة وعادت لتفكر بما روته أختها .. راحت تكمل بعض أعمال المنزل وتهيئ فنجان قهوتها ..واذ بالهاتف يرن أيضا وأختها الأخرى بدت في حالة عصبية من نفس المشكلة التيباتت تعرف بعض  حيثياتها …لم تستطع أن تهدئ اختها التي تشعر بمظلومية من أمها التي اختارت أن توزع الحصص الأكبر للأخ الوحيد…هي تدرك مخاوف أمها على ولدها في مجتمع يحمّل مسؤولية بناء العائلة على الرجل ..رغم أن  القوانين في المجتمع المسيحي الآن باتت تقر بأن جميع الورثة ذكور وإناث يتقاسمون تركة الأب أو الأم بالتساوي وتغييرات كثيرة حدثت ..لكن التقليد والموروث من أعراف المجتمع ليس من السهل تغييره  وعمليات التلاعب للتشبث بمفاهيم قديمة غالبا ماتحدث

فكرت كثيرا بعد هذه الأحاديث ..جلست تفكر بأمها وهي تحاور نفسها ..أمي إنسانة مؤمنة جدا وتصلي كثيرا وأغلب أيامها تقضيها بصوم وخشوع ولم يكن يوما أخي أقل التزاما بالكنيسة فكيف تحصل مثل هذه الأمور بعائلتنا

…والآن تذكر كيف كانت تسمعه ينتقد الآراء المتخلفة حول المرأة وعملها  وقد تزوج بعد علاقة حب غارقة في الرومانسية 

..لماذا يريد أن يخسر محبة أختيه بأنانية لم نكن نعرفها يوما ،دارت الأفكار وصور الطفولة ومواقف جميلة بحياتهم معا …وصرخت لا ..!! لااأريد لعائلتي أن تنهار 

لم تعد تريد الانتظار أكثر  …سارعت إلى خزانتها لبست بسرعة و اتجهت إلى بيت أهلها أرادت أن تسمع رأي والدتها قبل أن تناقشها بأسباب امتعاض شقيقتيها علها  تستطيع فهم وجهة نظرها بطريقة ما ..وما إن دخلت حتى وجدت الأخ يخرج من البيت بطريقة عصبية والتفت إلى أخته قائلا ..اتفضلي حضرتك ..شو بتأمري كمان..قالت له حبيبي الاولاد  يسألونني  عنك ..من اسبوع لم يسمعوا صوتك ..أكمل طريقه ..وهو يقول لها أختي اذا ماقدرتوا وضعي ووضع عائلتي  قولي لهم لم يبقى لكم خال ..استغربت الأخت..سمعته يكمل حديثه ..خال..بلا خال بلا بطيخ .. وصفق الباب بشدة بعد خروجه

راقبت والدتها الموقف ..قالت لها أخوك مزعوج  منكم …تريدون حصصكم وهذا يحرمه  من قسم كبير من مال أبيه ..فأسرعت لتفاتح والدتها بما لديها من معلومات عن مشاعر أختيها …لم تتركها الأم تكمل حديثها ..وراحت تحدثها ..  الرجل برقبته بيت وأولاد وزوجة ودخله لايكفي  ..وهم بحاجة …قالت لها لماذا اذا نحن أخوة ..ألسنا في نفس الحال و الوضع الصعب على الجميع ..أمن السهل عليه أن يجد أخته بحاجة وصعب جدا أن يجد زوجته بحاجة  ..هنا صمتت الأم قليلا وقالت لها ..أنا لا أغير مجتمع بحاله ..قالت لها يا أمي أنت أخذت من ميراث أهلك ما أنصفك وأرضاك ..لماذا لا تريدين العدل بيننا .. ردت الأم ..أنا ابني مسؤول عني في حال مرضي أو حاجتي ..ولن أطلب من الصهر في حال  احتجت لشيء ..قاطعتها لكنك ستطلبين مني انا  ابنتك ساعة تشائين …طال الحديث بهذا الاتجاه حتى وصلت الأم لحالة عصبية..قالت لها ..اتفضلي اتركي لأخواتك حصتك مادمت تطلبين لهم زيادة من حصة أخوك لكي نرضيهم ونحفظ حصته  …لم تعد تدرك ماعليها قوله ..توقفت للحظة ..كانت تريد ان تفصح عن رؤويتها اولا أن لأصحاب المال الحق بوهب مالهم لمن يشاؤون لكنها ليست متاكدة مما ترويه والدتها على لسان الوالد بأنه أوصى بكل ذلك ولن تستطيع أن تقول لها لماذا لا تطلبين من أخي أن لايكون أناني ويعتبر أن حقه ليس أن يأخذ حقنا  …صمتت  لحظات ..ثم قالت لها أنا جاهزة يا أمي سأترك لهم كل حصتي  ..علهم يسعدون بما يأخذونه …مادام القانون لم يغير عقليتنا علينا أن ننتظر كثيرا لننعم ببعض العدل الأسري….هي حقيقة لم تكن تنوي  أن تترك حصتها و كانت ستفخر بأهلها أكثر أمام زوجها عندما يحفظون لها حقوقها ..لكنها كانت تدرك أيضا حجم الشقاق العائلي الذي كان يدور وهي لا تريده أن يستمر ..وتعلم جيدا أن كل الأطراف متمسكة برأيها وتنتظر التقسيم والحصول على المال بالسرعة القصوى…لم يكن هذا الحل سهل عليها لكنها افتدت به بعض المشاكل

 ..ذهبت وهي تقول لنفسها لابد لأحد منا أن يقدم من نفسه ليفتدي الجماعة..الطمع بطبع البشر عادة يصعب شفاءها إن وجدت والمحاكم ليست سهلة  ..وعلى مايبدوا لن يكون احد غيري في هذا الموقع ….عالجت الفكرة بألم وهي تمني نفسها بذكرى والدها وتحاكي روحا افتقدت حنانها…لن أزعج روح والدي مادمت قادرة على ذلك

بقلم المهندسة نيللي مرجانة

اللوحات للمهندسة و الفنانة نيللي مرجانة

القطاع الثالث أو القطاع غير الربحيّ

في ظلّ حرب السنوات العشر الأخيرة ، وضعف قدرة أجهزة الدولة على احتواء تداعياتها ، و التّخفيف من وطأتها على المواطن على خلفية العقوبات الاقتصاديّة المفروضة ، يزداد التّركيز اليوم على ما يمكن أن نُطلق عليه مجازاً تسمية “القطاع غير الربحيّ أو القطاع الثالث” ، وهو العنوان العريض الذي تنضوي تحته مختلف أشكال التّنظيمات و المبادرات الاجتماعيّة ، المدنيّة منها والأهليّة والخيريّة ، والتي تهدف إلى تحقيق هدف غايته خدمة المجتمع وبالتالي المواطن ، سواءً بصورة مباشرة أو غير مباشرة .  إن تسليط الضوء على عمل القطاع غير الربحيّ يُعتبر اليوم ضرورة لسببين ، أوّلهما : استنزاف إمكانيّات القطاع الحكوميّ المُتعلّقة بالخدمات الاجتماعيّة إضافة إلى ظروف الاستثمار الطّاردة للقطاع الخاصّ في هذا المجال . ثانيّهما : أنّ صعود القطاع غير الربحيّ بات ظاهرة عالمية سُمّيت في بداية القرن ثورة المتطوعين  

تلك الظاهرة التي لا يمكن غضّ النّظر عنها ، حيث أثبتت نجاعتها في كثير من البلدان المُتقدّمة حتى بات لها دور رياديّ في قيادة المُجتمع ، وكذلك في إعادة تشكيل الإدارة العامّة في القطاع الحكوميّ في كثير من الدول  

تُعدّ مُنظمات القطاع غير الربحيّ اليوم (جمعيّات ، روابط ، نقابات ، مُبادرات ، حركات ، هيئات … إلخ) الضّمانة الأقوى ، والأكثر فاعليّة والأقرب للمواطن ، لتحقيق خدمات اجتماعيّة فاعلة 

لا يخفى على الدّارسين والمُهتمّين أنّ دراسة ظاهرة القطاع غير الربحيّ ، في سوريا كما في دول أخرى ، على درجة عاليّة من الصّعوبة ما قد يمنع تحليلها بشكل دقيق ، فمن جهة ، تكاد تكون الإحصائيّات والأرقام المُتعلّقة بعدد الجهات الفاعلة أو الناشطة و رؤوس الأموال التي تتمّ إدارتها والجّهات المُموّلة ، و التي تُعدّ قاعدة أساسيّة لإنطلاق أيّ دراسة تجريبيّة ، غير مُتاحة ، ومن جهة أخرى ، فإن ارتباط عملها بالتعاون الوثيق مع الجّهات الحكوميّة و الانضواء تحت إشرافها التنفيذيّ والماليّ يُؤدي إلى إصابتها حُكماً بعدوى انعدام الشفافيّة التي تُسيطر اليوم على عمل تلك الجّهات

توصيّف مجال نطاق القطاع الثالث

ليس للقطاع الثالث تعريف مُشابه لما يُمثّله القطاع الحكوميّ والقطاع الخاصّ ، لكن يُمكن فهمه كنموذج إرشاديّ من خلال تحديد المنطقة الاجتماعيّة الخاصة به ، والتي تقع بين الدّولة باعتبارها رأس الهرم ، و بين السّوق من جهة والفرد أو العائلة من جهة أخرى ، باعتبارهما زاويتي قاعدة الهرم كما يُحددّ الشكل التالي

تتميز تنظيمات القطاع الثالث عن مثيلاتها في القطاع الحكوميّ ، بقدرٍ أقل من  الرسميّة ،  وعن شركات القطاع الخاصّ بابتعادها عن مبدأ مُراكمة الأرباح ، فهي تُقيّد نفسها بقيد اللاربحيّة

وهذا لا يعني ألّا تُحقّق المؤسسة أيّ ربح ، إنّما يعني ألّا يُصبّ الرّبح المُتراكم في رأس المال بهدف زيادته ، ولا يذهب لمصلحة الأعضاء أو العاملين فيها ، وإنّما يُعاد استثماره في المؤسّسة ذاتها ، وذلك لتغطية تكاليف الإدارة و لضمان استمراريّة تحقيق الهدف على المدى الطّويل

وتختلف مؤسّسات القطاع غير الربحيّ عن قطاع الأفراد (العائلة ، القبيلة ، العشيرة) بأنّ دافع العمل لأجل الأولى مبنيٌّ على قرار فرديّ يتّخذه المرء بمحض إرادته ، دون دفع من مُحيطه الخاصّ

قد يبدأ العمل في هذا القطاع ، في مجالات وعلى مستويات أهليّة ضيّقة (نوادٍ رياضيّة ، تجمع حضانات أطفال خاصّة بمنطقة أو مدينة مُعيّنة ،  معاهد موسيقيّة ، مراكزٍ ثقافيّة صغيرة ….) وتمتّد لتشمل المؤسّسات الخيريّة والمبادرات التي تهدف إلى حماية البيئة أو التّراث التّاريخيّ والدعم المُجتمعيّ ( مساعدة وتطوير الذّات والمجتمع) . ظهر أول تعريف أو توصيف للقطاع الثالث في سبعينيّات القرن الماضي على يد المُفكّر الاجتماعيّ الأميركيّ من أصل ألمانيّ – أماتاي إتسيوني 

»a third alternative, indeed sector (…) between the state and the market« 

يتبلّور العمل فيها بشكل فرديّ ، من خلال مُشاركة الفرد الفاعلة بصورة عمل طوعيّ أو حتّى على شكل انتسابٍ أيضاً ، ليتحوّل بذلك إلى جزء من منظومة اجتماعيّة مُتكاملة قادرة على أن تُشكّل حجر أساسٍ في بناء البُنيّة التّحتيّة لمُجتمع مدنيّ بوظائف اجتماعيّة قد تتحوّل ، مع توّفر البيئة المناسبة ، إلى قاعدة لمنظومة اجتماعيّة ديمقراطيّة مُستدامة . تزداد الحاجة إلى إبراز دور وأهميّة هذا القطاع بشكل مُطّرد مع ازدياد النقاش حول : ١. حاجة المواطن والمُجتمع إلى المشاركة المدنيّة  ٢. مفهوم المُجتمع المدنيّ ٣. الرأسمال الاجتماعيّ وهو ما بتنا نلمسه خلال السنوات الأخيرة في سوريا . يُميّز مؤسّسات القطاع غير الربحيّ ما يلي

الهيكل الشكليّ-

الاستقلاليّة التنظيميّة عن الدّولة-

غير هادفة لتحقيق الأرباح-

الإدارة الذاتيّة المُستقلّة-

النّشاط مبنيّ على مفهوم الطوعيّة بشكل أساسي-

وقد تشمل نشاطاتها مفاصل مختلفة تمسّ المجتمع مثل ما يلي

الثّقافة والتّراث-

التّعليم والأبحاث-

الصّحة والاستشفاء- 

الرّياضة والطفولة-

الخدمات الاجتماعيّة-

حماية البيئة و الطّبيعة-

الإسكان والتّشغيل (التّطوير الاقتصاديّ المحلّيّ) تمثيل مصالح المواطن والمُستهلِك-

الأوقاف- 

الروابط الاقتصاديّة و روابط العمل والنقابات العُمّاليّة والمهنيّة وأيّ هدف أو مجال آخر لا يتعارض مع الأعراف أو القوانين-

 أمثلة من ألمانيا ما بعد الحرب: لطالما تلازمت الفترات التي تلي الحروب الكُبرى مع نهضات ملحوظة في مجالات عدّة، كردّ فعل على الدّمار الذي لحق بالبلاد في كافّة الجوانب ، السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة ، ما تلبث أن تتطوّر إلى شكل من أشكال التّنظيم في ظلّ أحد عاملين ، إما بفعل التّعبئة البشريّة (رغبة الشعب في إحداث تغيير أو تحقيق تطوير) ، أو بسبب الحاجة الماسّة ، التي تفرِضُها الوقائع على الأرض ، لتغيير ما ينسجم مع حالة ما بعد الحرب مع عدم توفّر حلول بديلة ، كما في خُطط الطّوارئ للسّياسات الاقتصاديّة أو التّعليميّة أو تلك  المُتعلّقة  بالرعايّة أو الاستشفاء ، كذلك الأمر بالنسبة للعمل في المُنظّمات أو المبادرات اللاربحيّة ، وهو ما حدث فعليّاً بعد الحربين العالميّتين الأولى والثانيّة في معظم دول أوروبا . إذ أنّ إحساس الشعب بمسؤوليته عن انقاذ نفسه أو انقاذ ما تبقّى تعاظم إلى حدّ أخْذ زمام المبادرة بنفسه ، حيث تركّزت الأهداف على إعادة الإعمار التي بدأت بمبادرات أهليّة لتنظيم وتشغيل القادرين على العمل

  بعد موت قرابة ستّة ملايين مواطن ، جلّهم  من الرجال ، في الحرب العالميّة الثانيّة ، قامت النساء بتنظيم روابط حضانات الأطفال على نطاق محليّ ، بسبب اضطّرارهن للعمل لساعات مُتأخّرة ، بحيث تمّ تقسيم العمل بين مُربيّات للأطفال أو عاملات خارجيّات ، وبذلك ، تمّ بشكل تلقائيّ تقاسم الأجور الشّهريّة فيما بينهنّ (المثال ينطبق على معظم دول أوروبا بعد الحرب) ، وتمّت المُحافظة على الأنشطة التي كانت تُمارس قبل الحرب ، مثل المسرح والرّياضة والفّن إلى جانب حمايّة البيئة ، وانتشرت مُبادرات الحدائق والتي تقوم على شراء أراضٍ خضراء في مُحيط المدن لتحويلّها إلى حدائق صغيرة يُمكن للعائلات استخدامها ، مقابل مبالغ رمزيّة ،  لزراعة الخُضار المنزليّة ، وهو ما حققّ نوعاً من الاكتفاء  الذاتيّ الغذائي لدى الكثير من تلك العائلات تمّ تدعيم هذه المبادرات وغيرها بشكل تدريجيّ ، وذلك نتيجة لتأثيرها الإيجابيّ على المُجتمع والدولة في آن . و بعد أن أُُشبعت سبعينيّات و ثمانينيّات القرن الماضي بدراسات إداريّة واجتماعيّة وقانونيّة مُعمّقة ، فتحت الأفق واسعاً أمام تخلّي الدّولة عن بعض وظائفها و مجالات عملها لصالح جهات شبه حكوميّة مُستقلّة و لصالح الخصخصة غير الربحيّة ، تمّ تثبيت القوانين النّاظمة ، تلتها مرحلة هي مرحلة الإجابة عن الأسئلة التّالية : ما شكل المؤسّسات المطلوبة لهذه المهمّة ، كيف يتمّ تنظيمها إداريّاً وكيف يمكن تمكينُها من أداء مهامها بتكاليف أقل و فاعلية أكبر ؟. وهنا ، تمّ بالفعل تفعيل مبدأ القطاع الثالث كما عرّفه (أماتاي إتسيوني) أعلاه ، استناداً إلى قدرة مؤسّسات هذا القطاع ، في عملها ، على المواءمة بين الحكوميّ والخاصّ . تبلّور العمل فيها على شكل عمل طوعيّ الأمر الذي يُعتبر اليوم من البديهيّات التي يعيشها المواطن يومياً ، و يتركّز في معظمه ، بشكل أساسيّ ، على شكل خدمات تُقدّم في المناطق التي يعيش فيها مثل : الإطّفاء ، رياضة الأطفال والكبار ، دورات الفنون المتنوّعة، دعم حضانات و رياض ونشاط الأطفال ، كما تمتدّ إلى مجالات أوسع تشمل المجتمع عامّة كالتّعليم والاستشفاء والعمل والبيئة إلخ… . اليوم ، تُؤثّر هذه المُنظّمات بصورة مباشرة وبشكل كبير في عملية تخطيط سياسات الدولة المرتبطة بهذه القطاعات

ما الذي يمنع هذا القطاع من الازدهار رغم توفّر الكثير من المقوّمات، في الوقت الذي تعيش فيه دول العالم المُتقدّمة حالةً فريدةً ومُتطوّرةً من البحبوحة، فيما يتعلق بالقطاع الثالث ، تبدو الإمكانيّات التي يُتيحها قانون الجمعيّات السّوريّ مُتواضعةً أمام التّطوّرات السّياسيّة والاجتماعيّة المُتسارعة على السّاحة

ففي الوقت الذي يتراجع فيه أداء الدولة في تقديم وإدارة الوظائف العامّة ، تُمارس القاعدة الشّعبيّة التي بدأ وعيها بالتبلّور – بشكل يُعتبر حتى اليوم غير مُنظّم- حول أهميّة دور مُؤسّسات المُجتمع المدنيّ ، دافعاً باتّجاه تفعيل عمل هذه المؤسّسات كرديف لمؤسّسات الدّولة ، قد يُشكّل بديلأً للخصخصة الكاملة إنّ تمهيد الواقع لتحقيق عمل فاعل لهذه المؤسّسات ، يجب أن يتمّ بناءاً على قاعدة علميّة تُحتّم وجود دراسات وأبحاث تخصصيّة نقديّة ، تكشف مواضع الضعف والقوّة لمُنطلق عمل هذه المؤسّسات على الجغرافيا السّياسيّة والاجتماعيّة السّوريّة . تُعتبر هذه المهمّة بمثابة تحدٍٍّ بالنسبة للجّهات الباحثة والمُهتمّة والعاملة أو الراغبة في العمل في هذا القطاع ، نظراً لظروف البحث ، غير المُشجّعة ، في هذا القطاع ، لكن ، قد تُشكّل الأسئلة التالية التي نطرحُها على ضوء الاستهداء بالدستور ، بمادّتيه العاشرة والخامسة والأربعين ، دليلاً توجيهيّاً يُحدّد النقاط المفصليّة التي يمكن العمل عليها

ما هو الدور الذي يُمكن لمنظمات المُجتمع المدنيّ أن تلعبه في ظلّ وجود إرث المُنظمات الشّعبيّة المعروفة (نقابات ، جمعيّات ، اتحادات ، مُنظّمات) وغياب ثقافة المُجتمع المدنيّ / الأهليّ؟

هل تُمنح الجمعيّات المدنيّة الاستقلاليّة التنظيميّة والإداريّة والمرونة اللازمة لممارسة نشاطها ؟

هل تعكس وتُغطّي الخدمات ، التي يُسمح للجمعيّات بتأديتها ، حاجات المُجتمع الحقيقيّة والمُتغيّرة بشكلٍ مُستمر دون التأثّر بسياسات مرسومة مُسبقاً ؟

هل تستطيع الجمعيّات الحفاظ على مستوى أداء ٍعالٍ  من ناحية الفاعليّة والمساحة ؟

هل تمتلك الجمعيّات والكوادر أدوات الإدارة الاستثنائيّة غير الربحيّة ، والتي لا تُشبه إدارة مؤسّسات القطاع العام ، كما لا تستهدف الاستثمار كما في القطاع الخاصّ؟

هل تتوافر في سوريا مُقوّمات الاستدامة لعمل مُنظمات القطاع غير الربحيّ مثل: الوعيّ العام لدور القطاع الثالث وللعمل المدنيّ ، حتّى لدى الكوادر العاملة ذاتها ، والدّعم المعنويّ والماديّ الحكوميّ والخاصّ ، البيئة التشريعيّة الحاضنة والحامية والمُرافقة … إلخ؟

مُؤشّرات جديّة : تمكّنت الجمعيّات الثقافيّة من كسر القيد و تمّ سنّ قانون جمعيّات خاصّ بها يتناسب مع واقعها . هل يتوجّب على بقيّة الجمعيّات محاولة كسر القيد ، قبل التّفكير في تطوير قانون الجمعيّات السّاريّ المفعول منذ تاريخ الوحدة مع مصر ؟

ماذا عن استعداد جميع الجّهات المعنيّة (الدّولة ومُنظّمات المُجتمع الأهليّ) لتطبيق وتعزيز مفهوم الحَوكمة والحُكم الرّشيد ؟

هل تملك الجّهات الراغبة بالتغيّير الدراسات والإحصائيّات اللازمة للنهوض بالقطاع الثالث والحفاظ عليه كقطاع رديف للقطاعيّن العامّ والخاصّ؟

قد لا تُشكّل الإجابات عن هذه الأسئلة حلّاً سحريّاً سريعاً للمُهتمّين و الراغبين برفع فاعليّة عمل تنظيمات هذا القطاع ، لكنّها ، بكل تأكيد ، ستُشكّل عتبة الإنطلاق في سباق الألف ميل …. والذي بدأناه لتوِّنا في شبكتنا

بقلم الاستاذة زينة ناصر

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

1المصدر

المصدر2

المصدر3

الطهوّ من أجل السلام

.كل الكائنات على وجه الأرض تأكل.. جميعها تحتاج إلى الطعام  لتنمو ، ولكن ، وحده الإنسان من يطهو طعامه

الطهوّ من أجل السلام ! يالها من  جملة ساحرة ، تضعك تلقائياً في موقع المسؤوليّة و المحبّة الخلّاقة ، هل توافقونني الرأي ؟

في آذار عام 2020 ، قدّمنا ، في مدينة فلورينس الإيطالية ، خلال مؤتمر حول “بناء السلام من خلال التراث”  ، نتيجة بحثنا الذي أجريناه في ألمانيا عن الطبخ السوريّ باعتباره نوعاً من أنواع التراث اللا مادّيّ

لقد أكّدنا في بحثنا ، على إمكانية بناء جسور السلام بين الشعوب ، من خلال قيم الانفتاح وكرم الضّيافة ، وأن الاجتماع حول المائدة وطهو المأكولات التراثية أو التقليدية ،  عوامل إلزامية يتوجب على المعنيين بالمشاريع ذات الطابع الثقافيّ أخذها بعين الاعتبار ، وذلك عند التعامل مع الآتين من مجتمعات من خارج البلاد ، فهي نهج حميميٍّ ينطوي على القبول والتقدير ، وفيه دعوة للتقارب والانفتاح على بعضنا البعض ، وخلق الظروف المساعدة على بناء حياة اجتماعية ، واقتراح  صداقات متينة ، ( فك شيفرة الوجبة,ماري دوغلاس 1972) .  تُعتبر وجهة نظر دوغلاس هذه عن الطعام ، في صميم هذه الدراسة التي قمنا بها ( يارا معلا و غايلي ماك بيرسون ) ، حيث أن ممارسة الطهوِّ  والانخراط في مثل هذه التجربة الثقافية ، يربط المجتمعات معاً ويُعيد تشكيل الهويّات في المغتربات ، وفقاً  لمشارك سوريٍّ في مبادرة الطهوّ التراثيّ التي نظمتها منظمة ” أوبر دن تيليراند” في برلين ألمانيا -2019 – 2016

 اعتُبِر مشروع أوبر دن تيليراند للاندماج كبنية اجتماعية وتحوّل مفتوح ، يأخذ بالاعتبار كلّاً من السوريين وأهل برلين الذين يعملون بالتزامن وكلاء للتغيير والاستمرارية،  كما يقومون بإعادة بناء الهويّات الاجتماعية ، ومن خلال تحليل ذلك باستخدام نظريات جوزيف ناي قادنا التحليل إلى معاينة النجاحات الرئيسية لهذا المشروع والنتائج المستمدة منه

 الالتفاف حول مائدة العشاء ، زاد من احتمال استعداد الناس للمشاركة  والتعاون ، وتبادل الكثير من الثقافات والمأكولات بين أشخاص من مختلف أنحاء العالم. إنّ اللقاء حول مائدة الطعام يخلق جوّاً من الألفة وقوّة التأثير بما يكفي لدفع المشاركين فيه إلى مشاركة بعضهم بعضاً بالقصص والقيم  والأفكار ، والبوح ببعض المكنونات الحميمة ، حيث يستعدّ اللاجئون السوريون الذين يحضرون جلسات الطهوّ تلك ، للاستماع إلى ماسيقوله السكّان المحلّيون حول القيم والأفكار الألمانية . توفّر هذه العملية ذات الاتجاهين ،  قناة للمناقشة وتبادل المعلومات حول أنماط الحياة والمعايير المختلفة ، كما تتيح تفاهماً متبادلاً وفائدة تنسحب على مختلف القضايا خارج إطار تبادل مهارات الطهوّ ورواية القصص

.يُشكّل الطهوّ تراثاً لا ماديّاً و بنية ثقافية بالنسبة للسّورييّن

تعتمد الأساليب المستخدمة لإدراج الطهوّ على قائمة التراث اللامادّيّ ، بوصفه شكلاً من أشكاله ، على التنقّل بين الأدبيات الأكاديميّة متعدّدة التّخصّصات ،  وتناقش قوّة تأثيره أثناء تطبيق نظرية التغيير . إنّ الدراسة التي قدّمناها في مقاطعة أوبر دن تيليراند ، كانت عبارة عن بحث في مدى مساهمة الطعام والطهوّ في عملية التكامل . تم إجراء سلسلة من المقابلات شبه المُنظّمة مع موظفين من أوبر دن تيلراند ، بالإضافة  إلى سورييّن وأبناء برلين المشاركين في تنظيم هذه المبادرة ،كان الطرح أثناء المقابلات مُعمّقاً ومفتوحاً ، وناقش نظرية التغيير ، حيث من شأن تجربة ثقافية مُستدامة  الإسهام في بناء التفاهم والثقة والقبول والاحترام المتبادل . تمّ تحليل البيانات عبر استخدام الإطار الفوقي ، وذلك أثناء استخدام مفاهيم من قبيل القوّة الناعمة والدبلوماسية الثقافيّة لدعم العمل الميدانيّ . تُقدّم الدراسة أدلة على إسهام التراث غير المادّيّ في التعبئة أيضاً ، من خلال نقاشٍ  قائمٍ على التخاطب والمشاركة ، ذلك التراث الذي غالباً ما يتمّ تجاهله لصالح التراث المادّيّ ، لصالح سياسات ثقافيّة دوليّة أكثر فاعليّة لمواجهة المشكلات الاجتماعيّة الكبيرة الحاليّة لضمان اندماج ناجح للاجئين في أوروبا . وتُخلص الدراسة إلى أنّ تطوير هذه المهارات الرمزيّة يمكن أنّ يؤدّي إلى المشاركة الاجتماعيّة والثقافيّة والشراكة كشرطٍ مُسبق للتكّامل

تُزوّد الثقافة الناس بأدوات اجتماعيّة لفهم تصرفات الآخرين ودوافعهم ، و الاندماج في التجربة الثقافيّة والفنيّة كما تزيد من فهم الناس لمعنى الهوية وعوامل تشكّلها والجماعة ، كما يمكن أنّ تؤدّي إلى زيادة الوعيّ بالرؤى المُشتركة للناس ، ومجموعة القيم والمواقف والمعاني والمخاوف والآمال , مع إمكانيّة إحداث تحوّل في طريقة تفكير المجتمعات ومواقفها تجاه التكامل والتراث

لتسهيل ودعم عملية الاندماج ، يجب الوصول إلى نتائج شاملة حول تأثير التراث الثقافيّ ودوره في معالجة التحدّيات الاجتماعيّة الأخيرة ،كالهجرة واللاجئين في أوروبا ، واقتراح تدابير مُغايرة تُحقّق الاندماج، وتتجاوز الإجراءات الحاليّة التي تنحصر في تعلّم اللغة وسوق العمل

انطلاقاً من هذه النتائج التي خلُصت إليها الدراسة أعلاه ، نستنتج إمكانية تطبيق المشروع في مجتمعات متنوعة ضمن بلد واحد ، وسوريا مثالاً ، بل نجد أن الحاجة إلى تطبيقه الآن باتت أكثر إلحاحاً ، سيّما وأن ماشهدته سوريا خلال الحرب أوجد هجرات داخلية أيضاً ، وانتقالات بين المدن والقرى ، حيث حمل المهاجرون داخلياً معهم  تراثهم المحلّي ومأكولاتهم التراثيّة إلى مكان استقرارهم الذي يتميّز بالضرورة بتراث محلّي ، ونحن نعلم مدى التنوّع واختلاف الذائقة من منطقة لأخرى ، لذلك فإن الشروع بتطبيق هكذا مشروع سيضمن حفظ هذا التراث من الضياع عبر نقله وتوثيق أنشطة إحيائه عبر الطهوّ وتشجيعها ، كما سيُعيد تعريف السوريين ببعضهم البعض ، عبر تبادل خبرات الطهوّ والتعرّف على التراث الغذائي لبعضهم البعض ، كما سيخلق جوّاً من الألفة ويُقرّب المسافات ، و ينشر ثقافة قبول الآخر وتفهّمه

بقلم : الدكتورة يارا معلا
تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

نظام الضرائب كطوق نجاة – التجربة السويدية-الجزء الثاني

في الجزء الأول من هذا المقال ، استعرضنا بإيجاز سريع ، تاريخ نظام الضرائب في السويد و تطوره أثناء الحربين العالميتين و الإنهيار الإقتصادي آنذاك .. وقد ذكرنا الأساس الذي يعتمد عليه النظام الضريبي ألا وهو احتساب عدد ساعات العمل لكل مواطن ، و اقتطاع ضريبة بناء على هذا العدد ، يُضاف إلى ذلك أن ثلثي الضرائب في السويد تتألف من ضرائب الدخل و الضرائب على رأس المال . إن ضريبة الدخل في السويد تصاعدية ، مما يعني أنه كلما زاد الدخل زادت نسبة الضريبة ، بينما يتم دفع ضريبة رأس المال بشكل رئيسي من قبل أصحاب الدخل المرتفع أساساً 

أما الخدمات التي يتلقاها المواطن لقاء هذه الضرائب فهي عامّة ، و تُوزّع  وفقاً لمبدأ الحاجة. لكل مواطن حصته من الخدمات بغض النظر عن نسبة دخله، و يُعفى العامل من الضريبة إذا كان عدد ساعات عمله لا يتجاوز الحدّ الأدنى الذي يضمن الحياة الكريمة في السويد 

ذكرنا أيضاً أن المواطن في السويد تعلم ثقافة تقديم ، مرة كل سنة ، كشف عن دخله السنوي كاملاً ، وذلك عن السنة التي سبقت زمن التصريح ، مرة كل سنة ، و فيه يعلن عن تكاليف تنقّلاته من وإلى عمله ذهاباً إياباً ، و ديونه الغير معروفة للدولة . بعدها ، تقوم دائرة الضرائب بدورها بحسم التكاليف الزائدة ، و تخفيف ما يتوجّب عليه من ضرائب ، فإذا كان خلال راتبه الشهري، المقتطع منه نسبة الضريبة ، أكثر ما يجب أن يدفعه حسب الحسابات الأخيرة، تُعيد له الدولة الفارق المالي

اليوم ، تطوّرت العملية أعلاه و أصبح التصريح يتم الكترونياً بسهولة وسلاسة ، حيث تقدّم دائرة الضرائب  لكل مواطن كشفاً كاملاً لكل ديونه و ممتلكاته و دخله و حجم الضرائب التي دفعها مسبقاً إضافة إلى تلك التي يتوجّب عليه دفعها ،  ويبقى على المواطن أن يُصادّق على الكشف و يُتمّه بتسجيل تكاليف تنقله من وإلى العمل

هل تُؤثر الضرائب العالية سلباً على النمو الاقتصادي والاستثمار ؟

إن  النظرية الاقتصادية القائلة بأن السوق المستقر يتّسم بالكفاءة والفعالية  في استخدام الموارد (لا يمكن لأحدهم التمتع باقتصاد جيد إلا على حساب تردي الوضع الاقتصادي لآخر )  وأنه إذا تم كسر روتين السوق و تحريكه ستزداد البطالة . فعلاً ، هناك بعض الفرضيات في علم الاقتصاد ، التي تعتبر أن البطالة بمجملها طوعية ، بحيث تنخفض إيرادات الضرائب الفعلية عندما يتم رفع نسبة الضريبة ، و يزداد الكل فقراً ،

ففي السويد ، يدفع أصحاب الدخل المرتفع للدولة  بالإضافة إلى ضريبة البلدية ، التي تُشكّل ثلاثين بالمئة من قيمة الضريبة  تقريباً ، ضريبة دخل تبلغ نسبتها 25 في المئة على الإيرادات التي تتجاوز حدّاً مُعيّناً في سلم الكفاف  ( ضريبة هامشية )  أيضا

إن الفكرة الأساسية البسيطة التي تقف خلف الإدعاء بأن الإيرادات الضريبية يمكن أن تنخفض بالفعل عند رفع المستوى ، هي أن زيادة  الضريبة الهامشية ، تستوجب بذل جهد أقل من أصحاب الدخل المرتفع  حيث يُخفّضون ساعات عملهم عمداً . لكن ، و وفقاً للبحث العلمي الذي قدّمه الخبيران الاقتصاديان هوكان سيلين و سبنسر باستاني عام 2015 يرد أنه إذا تصرّف الموظفون وفقاً للفرضية فهذا يستوجب أن يصبح  الكثير من الموظفين، دون المستوى الذي يتم عنده رفع الضريبة الهامشية، لكن في الواقع لا وجود لهكذا تهرّب من أصحاب الدخل المرتفع ، ولا حتى تغيّر في سلوكهم . يقول باستاني و سيلين أن تغيّر السلوك (المرونة) يُلحظ لدى الموظفين

كتب پول كروغمان الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد ، في صحيفة نيويورك تايمز،2010-07-15

، أن تجربة الولايات المتحدة لا تُقدّم أيّ دعم للفكر القائلة بأن التخفيضات الضريبية تُموّل نفسها بنفسها على العكس من ذلك ، يعتقد كروغمان أن قيام رونالد ريغان بفرض تخفيضات ضريبية كبرى ،  أدّى فقط إلى حدوث فجوات كبيرة في ميزانية الدولة و عجز حادّ – على الرغم من الوعود البرّاقة بالتمويل الذاتي . عندما كرّر جورج دبليو بوش حيلة رونالد ريغان ، وزعم مرة أخرى أن التخفيضات الضريبية تُموّل نفسها.

من الواشنطن بوست بتاريخ 2006-05-15 Sebastian Mallaby صرّح سيباستيان مالابي   .وتحت عنوان “عودة اقتصاد الشعوذة” ، قائلا بأنه لا يوجد شخص جادّ بعمله يمكنه أن يؤمن بهذا

علاوة على ذلك ، كتب أحد عشر شخصاً من الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد ومعهم الرئيسة السابقة لبنك الاحتياطي الفيدرا , جانيت يلين, Janet Yellen

، رسالة مفتوحة إلى دبليو بوش موضحين من خلالها أن تخفيض الضرائب لن يؤدي إلا إلى زيادة ضخمة في العجز  و صعوبة في تمويل الخدمات العامة الضرورية فحسب بل لن  يؤدي إلى خلق المزيد من الوظائف أو إلى زيادة النمو في البلاد أيضاً

إذا كانت النظرية القائلة بأن الضرائب تقلل من كفاءة الاقتصاد صحيحة ، فيجب أن يكون هناك ارتباط بين مستويات النمو والضرائب في مختلف دول العالم ، وبالتالي يجب أن نلاحظ ارتفاعا بالنمو في الدول ذات الضرائب المنخفضة ، وهذا عكس مايحدث واقعاً إذ لا وجود لمثل هذا الترابط حسب الأبحاث و التجارب ، إنما هناك علاقة مستقرة بين مستويات الضرائب المرتفعة والعدالة في توزيع الدخل ، لذلك نرى أن نموذج الضرائب  الاسكندنافية المرتفعة هو حصيلة جيدة لتحقيق المساواة والعدالة ، ليس لها جانب سلبي يتمثّل بإفقار الشعب

التخفيضات الضريبية ليست مجانية ومع ذلك ، هناك مشكلة بشكل عام تتعلق بـ

؟ “What-the-hell-do-I-get-the-money”

كما ذكرنا سابقاً ، يتم رفع مستوى الضريبة مقابل اختفاء تكاليف بعض الخدمات الشخصية التي تقتطعها الأسرة من ميزانيتها ، مثل وجبات الغداء لطلاب المدارس بما يضمن وصول الغذاء الصحي الكامل ، وجبة  لكل أطفال البلد ، على الأقل ، يحصلون جميعاً على الغذاء ذاته عبر الوجبة ، بغض النظر عن الوضع المادي لأهلهم . مثال آخر هو الدواء حيث يدفع المواطن  ٥ -١٠ بالمئة من سعره الحقيقي ففط ، لتُكمٍل الدولة بقية التكلفة يُضاف إلى ذلك أنّ المواطن  يدفع لفترة محدّدة مبلغاً سنوياً ، ثم يصبح الدواء كامل الدعم ، و كذلك الأمر في المشافي و المستوصفات ، و حتى عند مراجعته للأطباء الذين يعملون في العيادات الخاصة يدفع نفس قيمة الكشف لدى طبيب في القطاع العام ، و تتكفّل  الدولة بدفع باقي تكاليف الزيارة

لهذا نقول أنه إذا بدأ المواطنون بدفع سعر مرتفع للغاية لقاء تلقّي الخدمات العامة ، فيجب أن تكون هذه الخدمات عالية الجودة ، فإذا ساءت الخدمة ، سيمتنع المواطنون عن استخدامها وبالتالي يجري الانتقال بشكل فردي إلى نموذج السوق الحر “الخاص” ، و يواجه النظام بالتالي مشكلة قانونية خطيرة

!مثال صغير عن التأثير الإيجابي للضرائب المرتفعة

وفقاً لدراسة صادرة عن معهد دراسات سياسات النمو في السويد ، فإن دخول المرأة إلى سوق العمل قد وفرّ إضافة كبيرة و دفعة واحدة ، من حيث ساعات العمل و مكاسب إنتاجية كبيرة عندما انتقلت وظيفة رعاية الأطفال ( الروضة)  من المنزل إلى سوق العمل ، إن دخول المرأة مجال العمل بهذا الشكل ، أعطى لعملية الإنتاج هامش ربح إضافي، مما أتاح تأمين مورد لتحديث النظام التعليمي منذ الستينات ، كما يوفر الإنتاج الممول من القطاع العام الشروط الموضوعية لإحتراف الموظفين عملهم والحصول ، بالتالي ،  على جودة أعلى ، فمعلمو مرحلة ما قبل المدرسة ( الروضة ) اليوم ، هم خريجو كلية أكاديمية في السويد

إن النموذج الاسكندنافي الذي يتميز بمستوىً ضريبيٍّ مرتفعٍ نسبياً ، مع التزام عام كبير تزيد فيه فرصة مشاركة النساء  في سوق العمل نظرياً ، يوفر توزيعاً أكثر توازناً للدخل 

!مثال آخر عن الاستثمار الذي قد يشجعه النظام الضريبي المرتفع

بعد الزيادة الضريبية بين عامي 1995- 1999 في السويد ، بسبب الكساد العالمي في أوائل العام 1990 ، والتي لم تستطع الحكومة  تخفيضها وأصبحت  دائمة ، لكن تحت مُسمّى آخر.. عندما جاءت حكومة جديدة لم تستطع إلغاء هذه الضريبة المُستجِدّة خوفاً من أن يحاسبها الشعب باعتبارها تدعم الأغنياء ، فشرّعوا قانوناً جديداً ألا و هو تخفيض ضريبة خدمات المنزل ، فكان لكلّ مواطن يطلب خدمة لمنزله كخدمات التنظيف أو البناء ، الحقُّ في عرض فاتورة الخدمة على دائرة الضرائب ، وذلك لتخفض الدولة  نسبة ضريبته ، النتيجة كانت جيدة بالنسبة للاقتصاد ، فازداد عدد الشركات التي تُقدّم هذه الخدمات ، و بالتالي ، ازداد عدد العاملين في قطاع الخدمات المنزلية و استفاد الأثرياء من هذا التخفيض الضريبي غير المباشر

هل تستطيع سوريا اعتماد هذا النموذج من النظام الضريبي؟ 

هل تستطيع سوريا أن تلغي الضرائب المفروضة  على أصحاب الدخل المحدود و تعوضها عبر رفع نسبة الضرائب على أصحاب الدخل المرتفع و الأثرياء ؟ 

هل ستستطيع سوريا فرض قانون جديد يُلزم الأغنياء بالكشف عن حجم أموالهم في البنوك ، و فرض ضرائب مُطّردة على الإرث و الممتلكات التي تتجاوز الحد الأدنى وفق سُلِّم يتناسب مع متطلبات المعيشة في سوريا ؟ 

هل ستفرض سوريا على الأثرياء تغيير سلوكهم ؟ 

ربما ، حين يدفع الأثرياء  ضريبة أكبر سيجعلهم ذلك أكثر خوفاً على الوطن و تماسكاً لأجله . الباحثون بالاقتصاد الوطني يعلمون جيداً أن محاولة تغيير السلوك ، تُعدّ من أصعب المحاولات ، لكنها ممكنة ، و يجب أن تسبق أيّ قرار سياسيّ جديد دوماً

ربما سيعترض أحدهم هنا قائلاً ، أن الأغنياء يعتبرون غناهم حصيلة جهدهم وحقّهم الخاص ، فما الذي سيدفعهم لمشاركته مع باقي أبناء وطنهم ؟ ، ليس ذنبهم كما ليس من واجبهم إعالة الفقراء عبر الضرائب المرتفعة التي ستُفرض عليهم ، لذلك نرى أنه من دون نشر الوعي و ثقافة التكافل الاجتماعي بين أبناء الوطن الواحد ، سيكون من الصعب على الدولة أن تقنع الأغنياء بالتصريح طواعيةً عن مداخيلهم و أموالهم.. وحده القانون يستطيع فعل ذلك

بقلم : المستشارة الإقتصادية فاديا رستم
تدقيق لغوي : الاستاذة أميمة ابراهيم

نظام الضرائب كطوق نجاة – التجربة السويدية نموذجاً

الحالة المعيشية في سوريا تزداد سوءاً، و الأسعار تُحَلِّق في تصاعد مستمر دون أن يستطيع الاقتصاديون في البلد ضبطها. و بالرغم من محاولات  المصرف المركزي تعديل و ضبط سعر صرف الدولار، واتخاذ إجراءات مختلفة لمنع انخفاض الليرة السورية إلا أن الوضع الاقتصادي مستمر بالتراجع.. حتى أن محاولة الدولة زيادة رواتب موظفيها , كإجراء إسعافي , لم تؤدِّ إلى تخفيف صعوبات المعيشة على المواطن، لأن الأسعار كانت ترتفع عند كل زيادة للرواتب دون أن يلمس المواطن أي تغير أو تحسُّن في معيشته.. الأثرياء الكُثر في البلد، و الذي ازداد عددهم بعد دخول الأثرياء الجُدد الى طبقة مستهلكي الرفاهية، يحول دون امكانية  تحقيق  تحسن  أو انخفاض في أسعار السوق، خاصةَ و أن طبيعة حياتهم المرفّهة تتطلب شراء السلع  باهظة الثمن مهما كان سعرها، إضافة إلى أنهم يطلبون الماركات الأغلى دائماً، ويزداد طلبهم عليها في السوق بشكلِ مستمر. هذا أحد العوامل التي تؤدي إلى بقاء الأسعار مرتفعة، وغير قابلة للانخفاض مادام هناك طلب كبير و متزايد عليها

 فهل هناك حلّ آخر؟ هل تعديل قانون الضرائب يمكن أن يساعد في تحسين سعر السوق؟ دعونا نستعرض تجربة السويد خلال الحربين العالميتين الأولى و الثانية، و ماذا فعلت  لتنهض البلاد وتتجاوز عقبتي الفقر و الاقتصاد المنهار آنذاك. وهي صورة مشابهة لما حصل في باقي دول غرب أوروبا، وإن كانت لم تقع حرب فعلية على أرضها كما باقي الدول

 لقد كان للحرب العالمية الأولى تداعيات كبيرة في مجال الضرائب، ففي الفترة السابقة للحرب كانت الضرائب التي تجبيها الدولة عبارة عن جمارك و رسوم الإنتاج فقط . ذلك لأن أغلبية الشعب ان ذاك  كان يعمل  في الزراعة ويعيش على إنتاج أرضه. و من مبدأ أن إنتاج الأرض الزراعية من الطبيعة فإن الدولة لا يمكن أن تجبي ضرائب من الفلاحين. الضرائب كانت تستخدم معظمها لتمويل جيش البلاد وحماية الوطن. ثم جاءت الحرب و قرر السياسيون آنذاك أن على الجميع ان يساعد في حماية البلاد فازدادت الضرائب لتمويل الجيش. و قرر السياسيون،آنذاك، أن تكون الضرائب تصاعدية ( حسب دخل المواطن)، و مؤقتة بسبب الحرب، و لذلك كانت تسمى بضرائب “الدفاع عن الوطن”

بعد الحرب حان الوقت لإصلاحٍ ضريبي جديد. فتم وضع نظامٍ ضريبي جديد على الدخل و لكن مَرِن،استطاع أن يقدم إعفاءات أساسية سخية نسبياً، تعتمد على حالة الأسرة وتكلفة المعيشة في المنطقة التي يعيش فيها المواطن . فإن كان الشخص متزوجاً ولديه الأطفال يدفع ضريبة أقل، و إن كان يعيش في منطقة بعيدة تحتاج منتجاتها تكاليف أعلى فإن ذلك يخفف من دفعه الضرائب المتوجبة عليه

 ثم جاءت الحرب العالمية الثانية و جلبت معها تغييرات جديدة على نظام الضرائب، و كانت كلها تتمحور حول ضرائب الدخل. مثلاً  تم تخفيض حصة الثروة التي كانت تُضاف على الدخل، و ازدادت قيمة الضرائب على الميراث  والعقارات

 بعد الحرب بدأ قانون “الكشف الذاتي” عن الدخل (التصريح عن الدخل) دون تدخل موظفي الجباية و الضرائب. حيث يقوم كل مواطن سنوياً بملء استمارة تتضمن تصريحاً عن دخله خلال السنة وما دفعه من الضرائب، وبالتالي يضمن أنه مُسجّل عند الدولة في التأمين العام كالطبابة ، التقاعد ، فقدان العمل،المرض والإصابة …… الخ

هذه الشفافية في الكشف الطوعي عن الدخل , ساعدت الدولة و المواطن بشكل كبير في الاتجاه نحو بداية نظام ضريبي عادل. ففي عام 1947 قُدِّمَ أيضاً مايسمى بنظام “الضريبة المقتطعة” ، الذي يعني أن صاحب العمل أصبح مضطراً لخصم الضريبة (الأولية) مباشرة من دخول العمال. ثم يدفع صاحب العمل هذه الضريبة إلى سلطات الضرائب . بينما كان الأمر في السابق يعتمد على العمال أنفسهم، حيث يقومون  بدفع الضرائب بأنفسهم، مما يؤدي، في الكثير من الأحيان إلى تأخر في الدفع يتراكم لاحقاً كدَينٍ للدولة, وينقص المال المتوفر في خزينة الدولة

يختلف نظام الضريبة المقتطعة هنا عما هو الحال في سوريا، حيث لا يدخل اشتراك النقابة ضمن الشرائح التي تخضع للضريبة المقتطعة ،إذ يتم دفعه في السويد على حدى و بشكل فردي ، الأمر الذي يُحفز النقابة على العمل بجدية كبيرة لكسب الأعضاء من خلال أنشطتها المختلفة والدفاع عن حقوق أعضائها أمام أصحاب العمل

 على عكس الفترة التي سبقت الحرب العالمية ، اتسمت فترة ما بعد الحرب بالتضخم الاقتصادي المستمر. تسبب التضخم الاقتصادي في الضغط على دافعي الضرائب ذوي الدخول المنخفضة. و لم تكن للزيادات الضريبية التي سببها التضخم خلال فترة ما بعد الحرب أن تمر دون أن يلاحظها أحد سلبياً، لذلك قام السياسيون وقتها بخفض ضرائب الدخل ، خاصة لأصحاب الدخل المنخفض

 من ناحية أخرى، شهد أصحاب الدخل المرتفع ضرائب هامشية متزايدة . ومع ذلك ، استمرت زيادة التضخم خلال السبعينيات . ازدياد التضخم أدى إلى مطالب بزيادات عالية في الأجور ، مما ساهم في زيادة الحد الأدنى للأجور، و اقتربت وقتها الفئات في المجتمع من بعضها في الدخل المعيشي، و هذا ما ساعد في بدء تبلور مرحلة تحقيق مسيرة العدالة الاجتماعية

 كما رأينا أعلاه لقد لَعِبَت الجوانب السياسية والأيديولوجية جنبًا إلى جنب مع زيادة الديموقراطية في المجتمع دوراً في كيفية تغيير النظام الاقتصادي والسير باتجاه المساواة و العدالة. إن إدخال نظام ضريبة الدخل التصاعدية ( كلما ازداد الدخل ازدادت الضريبة مع تحديد سقف معين لذلك طبعاً) و “سلّم الكفاف” للمواطن السوري لمعيشته الذي يعتمد على سعر الليرة، و سعر المنتجات التي تضمن له كرامة العيش، و إعفائه من دفع الضرائب إن لم يتوفر له الدخل الذي يحتاجه للمعيشة، قد يكون هو المدخل الموضوعي لتحسين الوضع الاقتصادي،والنهوض بالاقتصاد

 ما الذي جعل المواطن السويدي …يثق بنظام الضريبي و يراه نظاماَ عادلاَ ومفيداَ لمصلحته كفرد؟ 

عندما يثبت النظام الضريبي للمواطن أنه من خلال التزامه و تصريحه عن الدخل الذي يحصل عليه شهرياً سيحصل على مبلغ مناسب لكل ولد من أبنائه ورعاية لهم في الحضانات والروضات  والمدارس ..الخ ، وانه سينال في نهاية المطاف مبلغاً تقاعدياً شهرياً و رعايةً صحيةً مضمونة مع تقدمه في السن، سينخرط المواطن طوعاَ بالنظام الضريبي وهذا ما حصل في السويد 

الحصول على الدخل عبر الحساب البنكي يساعد بالطبع في تسهيل العملية، ويجعلها أكثر دقة وموثوقية، وتحت المراقبة المشددة لمنع أصحاب العمل من التلاعب بالأموال و الفساد

 النظام الضريبي كان موحّداً و عادلاً تجاه كل اصحاب الدخل سواء كانوا في القطاع العام او الخاص، سواء كانوا تجّاراً وأصحاب شركات، أو كانوا أصحاب أعمال حرّة، فالجميع يضمن أن مستقبله تحميه الدولة لا الجمعيات الخيرية او الدينية، ولا يتكّل على وجود أبناء له،أو يربط مستقبله بوجود أبناء يرعونه في مرحلة عجزه

 هل من الممكن الاستفادة من التجربة السويدية ؟ إن تجديد تصميم النظام الضريبي ضروري لزيادة إمكانية الخروج من الفقر، وتوليد عائدات ضريبية يمكن استخدامها لسد الفجوات بين الطبقات و الفئات الاجتماعية، وأيضًا وسيلة فعالة للحد من الآثار البيئية والمناخية

 الهدف من النظام الضريبي هو ضمان تمويل القطاع العام والمساهمة في مجتمع يعمل بشكل جيد و عادل لكافة الناس و لكل الشركات والمؤسسات ، إضافة الى مكافحة الجرائم

 يجب أن تخلق السياسة الضريبية أيضًا الشروط لـ: التنمية المستدامة والعمالة المتزايدة، توزيع الثروة بالتساوي، مجتمع مستدام بيئياَ واجتماعياَ من أجل التمكُّن من دعم السياسة الاقتصادية بشكل فعال

 :يجب تصميم السياسة الضريبية وفقًا لأربعة مبادئ توجيهية

نظام ضريبي مشروع وعادل: يجب أن يتمتع المواطنون والشركات بمستوى عالٍ من الثقة في النظام الضريبي، و يجب فرض الضرائب بطريقة آمنة قانونياَ

قواعد عامة وواضحة متاحة للجميع: يجب أن تكون القواعد الضريبية عامة و واضحة ، مع قواعد ضريبية واسعة، و معدلات ضريبية متوازنة بشكل جيد مع أهداف السياسة الاقتصادية. هذا يساهم في نظام ضريبي شرعي وعادل. ويجب أن لا ننسى نشر التوعية و الثقافة الضريبية كشرط أساسي لنجاح النظام الضريبي، و هذا يتطلب البدء به في المراحل الأولى من الدراسة الابتدائية بالتعريف عن أهمية جمع الضرائب و عدالتها

الضرائب على علاقة وثيقة مع ساعات الدخل: يجب أن يتم فرض الضرائب ، قدر الإمكان ، فيما يتعلق بساعات العمل الفعلي. يؤمن انخفاض وجود الإعفاءات الضريبية في استثناءات محددة مثال عدد الساعات التي لا تتعدى ١٢٠ ساعة سنوياً 

:في الجزء الثاني من المقالة سنتناول الأسئلة التالية

١-هل الضرائب و تزايد نسبتها يضرّ الإنتاج و الاستثمار؟ 

٢- ما هو الأكثر إفادة لي كفرد في المجتمع، ضرائب خفيفة أو ضرائب عالية؟ 

بقلم المستشارة الإقتصادية فاديا رستم 

« Older Entries Recent Entries »