إدارة التغيير لتحقيق التطوّر

التغيير – ما هو ؟

نسمع كثيراً عن القيام بعمليات تطوير و تجديد في مواقع العمل.. والتجديد تحديداً، يتطلًب تغييراً بالضرورة بينما العكس ليس صحيحاً، أيّ أنّ التغيير لا يقودنا دائماً نحو التحديث و التطوير. ووفقاً للفيلسوف پول ڤالتزافيتش Watzlawick فالتغيير نوعان ، تغيير من الدرجة الأولى و تغيير من الدرجة الثانية

يٌقصد بالتغيير من الدرجة الأولى “انتقال النظام الداخلي للعمل دون تغيير النظام بأكمله، بينما التغيير من الدرجة الثانية يحصل عندما يتمّ تغيير النظام بأكمله “، إذ يطرأ تغيّر نوعيّ على نمط التفكير والعمل التنظيمي حين ذاك. غالباً ، تتولّد مقاومة كبيرة ،من قبل البعض، إزاء كلّ قرار تغييريّ

لكن ، لماذا تنشأ لدى “هذا البعض” هذه المقاومة العنيفة ؟ والتي قد تتكرّر عدّة مرات أحياناً ، دون أن يُدرك الشخص المعنيّ سبب سلبيته تجاه التغيير ؟. في الحقيقة، بالنسبة للبعض، يلجأ البعض إلى المقاومة كآليّة دفاعية، فمن خلال موقفك السلبيّ تجاه التغيير، تقوم بحماية نفسك من أيّ خيبة أمل في حال لم تسر الأمور على النحو الذي تريده. بالنسبة للكثيرين، المقاومة ردّ فعل صرف ولا فكرة أو رأيّاً مدروساً، فأنا مُتيقّن ممّا أملك لا ممّا قد أحصل عليه. يمكن أن تتجلّى هذه المقاومة بعدّة طرق وبآليّات دفاع مختلفة

من أجل الوصول إلى التطوّر و التحديث المطلوبين ، علينا أن نبدأ بتغيير نمط تفكيرنا والنظام المُتّبع معاً.. و من أجل أن نحصد ثماراً سليمة من عمليّة التغيير و ننجح في سلوك طريق التغيّر الصحيح، علينا أن نعي سيكيولوجيّة التغيير عند الافراد و نفهم الأسس النفسيّة للتغيير .

عند حدوث أيّ تغيير ، يُبدي نحو ٢،٥٪؜ من الطاقم المعنيّ تأييده الكبير ومردّ ذلك أن فكرة التطوير و الإبداع تكون قد نشأت لديه أصلاً ، ومن ثمّ ، يتم تبنّيها من قبل ١٣،٥٪؜ من المقتنعين و الراغبين بالسير قُدماً .. هنا تبدأ عملية الحوار و التخطيط و الإقناع لبقيّة المعنيين ضمن منظومة العمل ، فيلتحق بمشروع التغيير مباشرة ، نحو ٣٤٪؜ لتبدأ عملية التغيير ، بينما تبقى هناك دائماً فئة ، تقارب نسبتها ال ٣٤٪؜ ، متأخرة على الالتحاق بركب التغيير ، و تُفضّل الانتظار لعدّة اسباب ، لكنها تلتحق بالنهاية ، ليتبقّى مانسبته ١٦٪؜ من مُقاومي و رافضي التغيير ، و هي النسبة التي علينا ألّا نبذل جهداً أكبر في محاولة جذبها و إقناعها ، وإنّما علينا صرف جلّ تركيزنا وجهدنا إلى المُلتحقين الجُدد ، و الثناء على إنجازاتهم و على عملية التغيير ..

علينا إذاً ، نحن من يقود عمليّة التطوير و يعمل في إدارة التنميّة ، إدراك طبيعيّة وحتميّة وقوع الغالبيّة في حالة النكران والاستنكار عند نشوء فكرة التغيير .. لتتحوّل حالة الإنكار هذه إلى غضب و رفض يتجلّى لاحقاً بالإحساس بالخوف و القلق.. في هذه المرحلة ، تكون المؤسّسة قد وصلت إلى ملامسة قاع الشعور بالرغبة بالتغيير ، الذي تتبعه، بعد محاولات الإقناع و المشاركة، مرحلة القبول و البدء بممارسة الأفكار الحديثة و تفعيّل النظام الجديد في العمل، بعدها يُشرق فجر يوم جميل على الجميع، و كأن هذا التغيير وليد منظومة راسخة تٌمارس بكل أريحيّة منذ زمن بعيد

لذلك ، و لأنّنا نُدرك تفاصيل ما ذكرناه أعلاه، علينا ألّا نتوقّف عن تحليل كل خطوة و مشاركة نتائجها مع الفريق الذي يعمل معنا على التغيير، وذلك من أجل تعديل الخطوات في الوقت المناسب، و بمشاركة الجميع. و لأنه ليس من السهل اختراق ثقافة عمل راسخة منذ زمن في منظومة ما.. لأنّ الثقافة القديمة عادة تلتهم كلّ جديد دون أن تمنحه فرصة ليُعطيّ أفضل مالديه، و لذلك فإنّ بناء ثقافة جديدة مُتطوّرة يحدث أثناء التغيير وبمشاركة الفريق في تصحيح المسار كما أشرنا في الفقرة السابقة

إضافة إلى ما أوردناه أعلاه، علينا أن نفهم و نتعلّم سيكيولوجيّة التغيير

يُوفّر علم سيكيولوجيا التغيير رؤًى حول كيفيّة تفاعل الناس مع عمليات التغيير. “كلما ازدادت معرفتنا بالمراحل المُختلفة لعلم سيكيولوجيا التغيير ، اكتسبنا أدوات تحليل جيدة لتوجيه عمليات التغيير صوب تحقيق الأهداف المُحدّدة”, يقول پيتر دراكر – أحد أوائل المُستشارين الإدارييّن ، حتى قبل اختراع مُصطلح المُستشار الإداريّ . كتب العديد من الكتب حول ثقافة الشركات والقيادة ، ويُطلق عليه أحياناً اسم والد إدارة الأعمال الحديثّة

عند كلّ تغيير علينا مراعاة ثلاثة تحدّيات

* سويّة الموظف (كيف يُدير الأفراد داخل المنظمة التغيير ، و ماهي إمكانيّاتهم الخاصّة)

* مستوى الفريق (تحديد المجموعات التي تحتاج إلى التغيير قبل غيرها، وتقديم الدعم لها أثناء العملية)

* المستوى التنظيميّ (نهج الشركة ككلّ، و تحديد القسم، ضمن المؤسّسة أو الشركة، الذي يجب بدء عملية التغيير انطلاقاً منه)

علم سيكيولوجيا التغيير ضروريّ لفهم سبب تصرّف بعض الأشخاص، بالطريقة التي يتصرّفون بها، فور سماعهم بقرار التغيير، يجب علينا فهم الأسس النفسيّة للتغيير أوّلاً. تشمل سيكيولوجيا التغيير معرفة السبب الذي يجعل الناس رافضين للتغيير، و ذلك بالاعتماد على آليّة ردّ فعل الفرد عبر ما يفعله أو مالا يفعله على صعيده شخصيّاً، وفي الموقف الذي يجد نفسه فيه. من الأمثلة على الظروف النابعة من إرادة الفرد والتي تُؤثّر على سلوكه : الشخصيّة ومفهوم الذات والثقة بالنفس والمواقف والقيّم والمعرفة والمهارات والاحتياجات والمشاعر، بينما يمكن ضرب أمثلة دالّة على ظروف خارجة عن إرادة الفرد و تُؤثّر في سلوك، كالقيادة والنظام ومجموعة العمل والمهام والعلاقات الشخصيّة والظروف الخاصّة الأخرى. يتأثّر الفرد بالموقف الذي يُوضع فيه، لكنّه بالمقابل، يُؤثّر في هذا الموقف عبر التجربة الذاتيّة. غالباً ما يتمّ الخلط بين مُصطلح “التعلّم” و بين الحصول على المعلومات، ومع ذلك، يتمكّن الفرد من استيعاب المعرفة الجديدة، عندما يستطيع نقلها إلى الآخرين فقط. لن يُسمح بالتغيير في المؤسّسة أو الشركة قبل أن يتمّ نقل المعرفة الجديدة إلى عدد من أفرادها، الذين يأخذون على عاتقهم مسؤوليّة تطبيق التغييرات والاستفادة من الخبرة المُكتسبة. التعلّم هو، إلى حدّ كبير، مسألة اتصال وتفاعل، أيّ بطريقة أخرى هو عمليّة تعلّم الفرد بمشاركة الآخرين

كما أشرنا سابقاً ، لفهم سبب اختلاف نتائج مشروع التغيير، يجب على المرء أن يفهم الآليات النفسيّة التي تظهر بمجرد أن تُعلن الإدارة أن التغييرات قد باتت وشيكة. ما الذي يحدث لمُتلقي هذه المعلومات سواء على الصعيد الشخص أو على صعيد المجموعة ، ولماذا يحدث ما يحدث في أغلب الأحيان

صورة من محاضرة حول علم التحسين و التطوير مع التغيير، إعداد المستشارة فاديا رستم ( اقتصاد و ادارة موارد بشرية) على قناة آينيسيس على اليوتوب قريباً

شاركونا تجاربكم حول التغيّرات في مجال عملكم ! هل وجدتم صعوبة بتقبّل التغيير ؟ و كيف استطعتم تجاوز الصعوبات ؟

بقلم المستشارة الاقتصادية: فاديا رستم

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

هل نمارس في سوريا السياحة البيئية المستدامة ؟

السياحة البيئية هي شكل من أشكال السياحة، والهدف منها حماية الطبيعة من خلال مراعاة القيود البيئية للوجهة السياحية. و تختلف عن السياحة العادية في أنها تتوجه الى الطبيعة الفائقة بتميّزها. تم استخدام كلمة السياحة البيئية منذ 1980 على الأقل وفي عام 1991 أنشأت الجمعية الدولية للسياحة البيئية تعريفاً للسياحة البيئية على الشكل التالي: هي سفر مسؤول في الطبيعة و البيئات الاولية البكر التي بقيت على حالها و لم تفسدها أنشطة البشر، فالسفر المسؤول يساعد على حماية البيئات الطبيعية و التعرّف عليها ودعم رفاهية السكان المحليين واستمرار بقائهم و بقاء تراثهم.

و قد أوجدت أنظمة تصنيف الجودة للسياحة البيئة ومنها التقليل من استخدام الموارد التي تحدث تأثيراً سلبياً على الطبيعة باستخدامها كالطيران او وسائل النقل التي تعتمد على الوقود الأحفوري في السياحة البيئية. و هنا يمكن اختيار الطيران مع شركات الطيران التي لديها سياسة بيئية واضحة او استخدام أفضل البدائل الممكنة وتشجيع النقل العام. كما أن استغلال السياحة للطبيعة البكر يجب أن لا يؤثّر سلبياً على ثقافة الشعوب الأصلية المختلفة.

مصطلح السياحة البيئية هو مصطلح حديث نسبياً..تعتمد السياحة البيئية، مثل السياحة العادية، على رغبة الناس في السفر إلى أماكن خارج مسقط رأسهم والإقامة فيها أو الاكتفاء بالقيام بأنشطة فيها خلال ساعات، مع التركيز على اهتمام الناس بالبيئة والاستعداد لإلحاق أقل ضرر ممكن بها. السياحة البيئية إذاً هي سياحة بيئية واقتصادية معاً. هذا يعني أن شكل السياحة يخلق بوعي طلباً على الأنشطة التي تفي بتعريف المصطلح. ترتبط الأنشطة عادةً بالطبيعة وتسعى لإحداث تأثير إيجابي على الظروف المعيشية للسكان المحليين ، ولكن يمكن أيضاً إجراء السياحة البيئية في المدن على شكل زيارات ثقافية، طالما أن الحدث يلبي أهداف السياحة البيئية.

مثال على هذه السياحة البيئية هو أنواع مختلفة من رحلات السفاري للحيوانات التي تفيد أيضاً السكان المحليين حيث يمكن توظيفهم، على سبيل المثال، المرشدين السياحيين والسائقين وموظفي الفنادق و المطاعم. يوفر هذا مصدر دخل للسكان المحليين ويزيد من احتمالية الحفاظ على الحيوانات. الغوريلا أيضاً مثال على الحيوانات التي استفادت من هذا النوع من السياحة البيئية. الحيتان من الحيوانات الأخرى الشائعة التي ينظم لها منظمو الرحلات في السياحة البيئية رحلات السفاري.

تأخذ السياحة البيئية في الأساس بالاعتبار – للطبيعة والسكان المحليين والمستقبل. إنها سياحة تأخذ نقطة انطلاقها في المشهد الطبيعي والثقافي المحلي ، بشعبها ، والحيوانات ، والنباتات ، والصناعات ، والمواسم ، والتقاليد . و ترتكز على المصطلحات التالية: الحفاظ على الطبيعة ، والوساطة التربوية والمجتمع المحلي. فالفكرة الأساسية هي أن الجذور المحلية للسياحة البيئية تجعل السياحة محركاً للتنمية في المنطقة. هذا يعني أن أولئك الذين يرغبون في الترويج للسياحة البيئية – ونأمل أن يقرأوا هذا الكلام- يريدون الوصول الى المنتجين المحليين للأسماك واللحوم والخضروات و يفضّلون المرشدين المحليين وأصحاب العقارات وقوارب التاكسي والمطاعم وما إلى ذلك. تساهم السياحة بعد ذلك في تنمية ريفية إيجابية في نفس الوقت الذي يحصل فيه السائح على جودة أعلى بكثير في متعته السياحية والمنتجات والخدمات التي يشتريها.

يقول بلال الشايب، و هو باحث بيئي من فلسطين يعمل في مجال الطاقة المتجددة والمياه وعضو في جمعية مركز الاعلام البيئي، في مجلة تسعة للبيئة 2015 :

السياحة بشكل عام هي تجربة فريدة للتعرف على مناطق جديدة وقضاء أوقات ممتعة وأما السياحة البيئية فهي تقتضي ان يتصالح الانسان مع الطبيعة ويصبح جزء من الجهود الرامية إلى الحفاظ عليها , ولتحقيق هذا الهدف لا بد أن تقوم السياحة البيئية على عدة مقومات أهمها. التنوع البيئي للمناطق السياحية من حيث الحياة البرية او التضاريس اوالمناخات للمناطق السياحية.

إمكانية اجتياز هذه المناطق والتجول فيها بطرق بدائية مثل المشي أو استعمال الدراجات الهوائية دون الحاجة إلى استخدام وسائل حماية متقدمة أووسائل تنقل الية مثل السيارات الملوثة للبيئة. القدرة على إنشاء بعض التجهيزات اللازمة لخدمة السائحين مع الحفاظ على التوازن البيئي وعدم التأثير على أي نظام بيئي قائم في المناطق السياحية.

رفع الوعي البيئي للسائح وكذلك جعله أكثر تفاعلا مع قضايا وهموم المناطق التي يزورها. احترام الثقافة المحلية للمناطق التي يتم زيارتها وعدم المساس بحقوق السكان أو بالمعايير والقوانين المتبعة في الدولة التي تقع المناطق السياحية ضمن حدودها.

النشاطات التي تندرج تحت مسمى السياحة البيئية

هناك عدة نشاطات استكشافية تندرج تحت السياحة البيئية بالإضافة الى بعض الأنشطة الأخرى التي يمكن تحويلها الى أنشطة بيئية برغم أنها لا تندرج تحت هذا التصنيف، ويمكن اعتبار النشاطات التالية تعبيرا صريحا عن السياحية البيئية.

تسلق الجبال : ففي العالم اليوم آلاف متسلقي الجبال المحترفين بالإضافة إلى مئات آلاف الهواة الذين جربوا خوض هذه المغامرة الشيقة لاعتلاء إحدى القمم الأشهر في العالم مثل قمم جبال همالايا او قمة جبل كلمنجارو او سلسلة جبال الألب وغيرها من السلاسل الجبلية والمرتفعات الشاهقة حول العالم, ويتم الوصول إلى تلك القمم بواسطة الطاقة الذاتية للمتسلق مما يعني عدم تلوثها.

الرحلات داخل الغابات الممطرة: مثل الغوص في أعماق غابات الأمازون الاستوائية التي تعد رئة العالم, وتشمل هذه الزيارات مراقبة الأنواع الفريدة من الكائنات الحية في تلك الغابات ولا يقتصر الأمر على غابات الأمازون فهناك العديد من الغابات التي يمكن استكشاف الحياة الطبيعية الرائعة فيها.

رحلات مراقبة الحياة البرية: من طيور ونباتات وحيوانات مهددة بالانقراض وتنظم هذه الرحلات في الغالب جمعيات الحياة البرية المتخصصة بحماية الأنواع المهددة بالانقراض وزيادة الوعي البيئي بأهمية كل نوع من أنواع الكائنات الحية.

الرحلات الصحراوية: التي تهدف الى الخروج الى الطبيعة دون قيود حضارية وإقامة الحفلات القائمة على وسائل بدائية لتقديم تجربة صفاء ذهني وروحي للسائح.

رحلات الصيد البري أو البحري: الموافقة للشروط القانونية والبيئية بما يضمن عدم الإخلال بالتوازن البيئي مع دم المساس بالأصناف المهددة بالانقراض.

رحلات تصوير الطبيعة: إذ تقوم الجمعيات البيئية بتنظيم رحلات لهواة التصوير وذلك لمنحهم فرصة للاقتراب من الطبيعة وتقديم أفضل الصور لها.

المشاركة في الفعاليات الدولية البيئية: او تلك الفعاليات المحلية الخاصة ببلد معين والتي تهدف الى تسليط الضوء على بعض القضايا البيئية مثل المشاركة في يوم الأرض العالمي او في ساعة الأرض او في أي مسيرة بيئية تهدف إلى مواجهة خطر معين يحيق بنوع من الأنواع أو بإحدى الغابات والمحميات الطبيعية او غيرها.

تساهم السياحة البيئية في تطور الاقتصاد الأخضر القائم على حماية البيئة واستدامة الموارد كما تزيد من فرص نمو التعليم البيئي في الدول النامية التي تعاني من معدلات عالية من التلوث نتيجة غياب تقنيات معالجة النفايات الصلبة والسائلة وعدم تطبيق قوانين صارمة للحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية, كما تساهم في الحفاظ على المناطق الأثرية من التدهور بفعل الممارسات الخاطئة لبعض السائحين والتي تؤدي الى حرمان العالم من موروث ثقافي مهم، وبالتالي فإن للسياحة البيئية فوائد جمة لا تقتصر على البيئة بل تتعداها الى الاقتصاد والثقافة وحقوق الإنسان وهو ما يزيد فرص نموها عام بعد عام.

في النهاية نود، نحن فريق آينيسيس، أن نؤكد أن السياحة البيئة هي مصدر بيئي للإلهام و مفهوم تجاري جديد و واحد من أسرع الصناعات نمواً. فالسياحة البيئة لا تختصر فقط على زيارة الأماكن الطبيعية في حالتها البدائية للاستمتاع بالبيئة والطبيعة ،كما شهدنا في بعض المبادرات في سوريا التي تحدث مرة في السنة، و لكنها يجب أن تقوم بدعم وتنمية المناطق الريفية بما يلائم بيئتها ودعم السياحة التجارية بطريقة مثمرة و مستدامة تراعي الاقتصادات التقليدية وثقافات السكان الأصليين و تخلق جواً من الاستمرارية المتكررة. و هنا يأتي دور وزارة السياحة في دعم كل هذا من خلال توفير وسائل النقل والطرقات السليمة و النظيفة و تسهيل الوصول لهذه المناطق و نشر الوعي البيئي عند الراغبين في السياحة. و إعطاء حق الآولوية للسكان المحليين على الاستثمار و منع المنشآت السياحية الضخمة من التواجد بحيث تُفسِد البيئة البكر. و يجب أن لا ننسى أن السياحة البيئية أنها تحمي القيم الطبيعية والثقافية الفريدة حول العالم، وتسبب أضراراً بيئية أقل من السياحة الأخرى.

هل بإمكانك أن تذكر إسم لجمعية سورية تدعم السياحة البيئة ؟

فريق آينيسيس تابع جمعية سنديان و جمعية حريرنا السوري و أكتشف ان أحد اهدافهم هو من نوع دعم السياحة البيئيةخ.. هل لديك معرفة لجمعيات أخرى؟ هل تشارك بنفسك بأنشطة تدعم السياحة البيئة، و هل بإمكانك أن تذكر لنا نوع الأنشطة؟ هل سمعت عن جمعية سورية تدعم السياحة البيئية و تنال دعم من وزارة السياحة أو وزارة أخرى؟

ثقافة الاستهلاك

الافتقار إلى القدرة الشرائيّة للكماليّات يُعدّ أولى المؤشرات على الأزمات الماليّة التي قد تعصف بالبلاد، أو تلك التي تترافق والحروب، وهو أمر مؤلم بالفعل، خاصّة إذا ما امتد الأمر ليشمل أطفال العائلة و احتياجاتهم التي لا يمكن غضّ النظر عنها كالملابس مثلاً ! لكن، لو ألقينا نظرة على مُحيطنا لرأينا شعوباً تعيش الرفاهيّة إلى حدّ ما، وتتوافر لديها القدرة الشرائيّة، لكنها، ولأسباب عدّة، اتجهت نحو التقليل من شراء الملابس، وذهبت أبعد من ذلك إلى حدّ الامتناع عنه. هل سمعتم عن الصيام عن شراء الكماليّات لمدّة سنة مثلا؟! ما هو السبب يا ترى !؟

مُؤخّراً، طرحت شركة الألبسة العملاقة هينّيس و موريتز لزبائنها،

أكياساً ورقيّة خاصّة لحمل مُشترياتهم من محالها، حيث ستُلاحظ مدى الذكاء الذي ينطوي عليه تصميم هذا الكيس، فهو يجذبك فوراً للبحث عن لغتك الأمّ بعد اكتشافك لوجود كتابات بلُغات مُختلفة. بعد البحث، ستجد تلك الجملة التي تقول : ارتد الملابس، و اعتني بها، ثمّ قمْ بإعادة تدويرها .

التوجّه الأن، وحتى في الدول الغنيّة، نحو التّقليل من الاستهلاك و ردع ثقافته التي تُفسد متعة التّواجد الذهني الآني في هذه الحياة، الأمر الذي يُعدّ مؤذياً للطبيعة و مناخ كوكب الأرض، وذلك بسبب ما تُنتجه هذه الصناعات من نفايات و غازات مُدمّرة لحياة الأرض.

الأيدلوجيا الخضراء :

وفقًا لمبدأ الأيديولوجيا الخضراء، يجب أن يتمّ دعم عملية تغيير سياسات المجتمع الاقتصاديّة بكافّة الأشكال، فالمجتمع الحالي الذي أدمن الاستهلاك، لا زال لا يأخذ بعين الاعتبار محدوديّة موارد الأرض، و التي باتت اليوم شبه مُهدّدة بالزوال. على سبيل المثال، غالباً ما يتمسّك مؤيدو الأيديولوجية الخضراء بالسلبيّة تجاه الاستخدام غير المُستدام للموارد الطبيعية، مثل إزالة الغابات أو صيد الأسماك بمعدّل أعلى من مُعدّل النمو الطبيعيّ لهذه الموارد، لذلك فإن أتباع الأيديولوجية الخضراء غالباً ما يُؤيدون القيود المفروضة على استخدام الموارد الطبيعية، فوفقاً للأيديولوجيا الخضراء، يجب السماح للطبيعة باستعادة مساحاتها التي سُلبت منها لحساب النشاطات البشريّة، ولذلك، على البشر التقليل من طمعهم بالطبيعة، الأمر الذي سيُساعد على الحدّ من آثار البشر السلبيّة على محيطهم البيئيّ بشكل جذريّ.

ما الذي يٌمكننا عمله كأفراد لأداء الأدوار المُناط بنا القيام بها من مواقعنا، دون انتظار إملاءات المسؤولين البيئيّين أو الاقتصاديّين، أو حتّى السياسيّين ( وهم غالباً آخر القوى الفاعلة التي تعكس في نهاية المطاف ردّ فعل المجتمع ) ؟.

ثقافة الاستهلاك :

تُمثّل صناعة الأزياء مصدر ما يصل إلى عشرة بالمئة من انبعاثات الغازات المُسببة للاحتباس الحراري العالمي ، وفقاً لـ forskning.se.

وقد صرحت أليسيا أغنيسون، مُمثّلة “الفايكنج” مُؤخّراً، بأنّها لم تشتر ملابس مُنتجة حديثاً خلال العامين الأخيرين، وأردفت أنّها تُريد المُضي قُدماً بالانسحاب من الموضة الاستهلاكيّة السريعة، وصولاً إلى الموضة المُستدامة. خزانة ملابس اليسيا أغنيسون مليئة بالملابس القديمة والمُستعملة ..

تأمل أليسيا أغنيسون الآن في أن تكون مصدر إلهام للآخرين، لإعادة التفكير في سياسة الاستهلاك عندما يتعلق الأمر بالملابس .

“أتلقّى العديد من الرسائل من أشخاص حول العالم، يخبروننّي فيها كيف بدأوا بإتباع سياسة استهلاكية بشكل أكثر استدامة .

إنّه لشعور رائع أن تكون قادراً على المساهمة في مثل هذا التغيير” .

تقول الخبيرة في صناعة الأزياء هيلينا واكر، الرئيس التنفيذي لشركة Trade Partners للأزياء في استوكهولم :

– لقد فعلت ذلك بالتأكيد، لطالما كانت اليد العاملة موجودة ، لكنّها اليوم أكثر من مُجرّد متاجر تقليديّة للأشياء المُستعملة .

وفقاً لـ واكر، يُمكنك العثور على أزياء مُستعملة في كلّ مكان، بدءاً من مجموعات الفيسبوك وبعض المتاجر – مثل فيليپا كي و نودي – وصولاً إلى خزانات الأصدقاء والأقارب .

ووفقاً لتقرير صادر عن موقع Thredup الأمريكي للأشياء المُستعملة ، واستناداً إلى أرقام صادرة من شركة التحليل Global Data، فقد نما سوق السلع المُستعملة بمُعدّل 21 مرة أسرع من نمو سوق متاجر الملابس العاديّة في السنوات الثلاث الماضية .

و تقول السويدية يوهانّا غوستافسون : “على مدار العام الماضي، طوّرت فكرة عمل، حيث أقوم بخياطة وبيع مآزر ملابس الأطفال المُلوًنة، وذلك بفضل منحة حصلت عليها من مركز الثقافة في مدينتي، وقد تمكّنت من بدء المشروع ، حيث يذهب نصف الدخل لصالح صندوق سرطان الطفولة. الفساتين التي أُُخيطها تخضع لمنهجيّة الاستدامة. والآن، بدأت في خياطة ملابس الخريف و الملابس الواقية من المطر، حيث يمكن قلبها

على وجهها الداخليّ لتبدو قطعة مختلفة، كما بالمقدور إطالة الأكمام بما يتناسب ونمو الأطفال. أريدها أن تتناسب مع أحجام عدّة، وأن تدوم لفترة أطول.

يُفضّل مُستهلك اليوم بوعيه الجودة على التصميم، إذا كان عليه الاختيار بينهما .. مقياس الجودة يرتبط غالباً بالاستدامة، أي أنً على المُنتَج أن يحتفظ بمواصفاته الأصليّة على المدى الطويل، فلا يحتاج المُستهلك إلى استبداله أو رميه بعد فترة قصيرة من الاستخدام.

ما أنتجتُه خلال السنوات العشرين الأخيرة ، مما يمكن تسميته ب fast fashion، لم يكن ُمتمتّعاً بصفة الاستدامة، فكان ُمنتجاً استهلاكيّاً جدّاً ، بحيث يتمّ رميه وشراء غيره بعد فترة وجيزة ، الأمر الذي أدّى إلى حدوث مُشكلة تراكم نفايات من الأقمشة المصنوعة من الألياف الصناعيّة غير القابلة للتّحلّل .. تنبّهت كُبرى شركات الملابس الاستهلاكيّة إلى هذه المُشكلة، و تبنّت توجُّهاً جديداً للعمل على تخفيف تراكم نفايات مُنتجاتها ، وذلك عن طريق استعادة ملابس ماركاتها التالفة من المُشتري، وإعادة تدويرها وتصنيعها بعد إتلافها… لكن هذا لم يكن كافياً للكثيرين، لضمان الجودة والاستدامة المطلوبتين، فماذا عن تدوير الملابس قبل إتلافها؟! ولا نقصد بذلك إعادة بيع الملابس المُستعملة فقط بل تغيير الملابس والأقمشة التي ما زالت مُحافظة على جودتها ، وتحويلّها إلى مُنتج جديد بالكامل .. هذا الاتجاه الجديد لاقى صدىً طيّباً خلال السنوات الأخيرة، وذلك على خلفية البحث الدائم عن الاستدامة وتخفيف خطر تلّوث المياه العذبة بالكيميائيّات التي تُستخدم في الصناعة، والمياه المالحة التي تنقل السفن بحمولتها الضخمة من أقاصي الأرض، حيث تتوافر اليد العاملة الرخيصة، إلى أسواق أوروبا وأميركا. إنّ عملية إعادة تدوير الملابس upcycling لا تتطلّب عملاً يدوياً حرفيّاً فقط، بل وجمالياً يتمّ تنفيذه غالباً في مشاغل محليّة تجمع ببن ظهرانيها عدداً من الخيّاطات والخيّاطين الذين يقومون بالعمل والإشراف على كلّ قطعة على حدى ، بدءاً من التصميم وحتى آخر درزة .. وبهذا، يضمن هذا النوع من الأعمال، لاحماية الأرض من تبعات الإنتاج المتعسف فقط، وإنّما الحفاظ على مهنة الخياطة ومُزاوليها المحليّين أيضاً، يُضاف إلى ذلك إنتاج قطع مُميّزة وفريدة لا تُشبه غيرها على الإطلاق …

إليكم بعض الأمثلة عن شركات اعتمدت هذا النوع من العمل ، وحققّت نجاحاً عالميّاً :

http://www.aluc.eu Aluc

Manomama http://www.manomama.de

SuperFashion Rainbow Camp superfashionrainbowcamp.de/

Water to Wine berliner-stadtmission.de/water-to-wine/

milch.tm/milch-boutique/ Milch

المطلوب توافر رؤية مُشتركَة ، إذا أردنا النجاح في تغيّير ثقافة الاستهلاك. يُمكننا الاجتماع معاً، لخلق ما يكفي من الحركة لتغيّير الطريقة التي نعيش وفقّها، إذا فهمنا فقط ما هو على المحكّ. الوعي آخذٌ بالازدياد، لكنّه غير كاف ِ دائماً. يبدو أنّ انعدام الأمن الاقتصاديّ، والخوف من البطالة والمشاكل الصحيّة يُهيمن على تفكيرنا، ويُثير مخاوفنا الآنيّة ، لذلك دعوّنا نختبر أنفسنا مع كلّ قرار نتّخذه عندما نشتري مُنتجاً! ولنسأل أنفسنا هل يُمكننا إعادة تدوير ما اعتدنا على شرائه ؟ هل يُمكننا البحث في السوق عن ما هو قديم ومناسب لفكرتنا الخاصّة بإعادة التدوير؟

بقلم الفريق المؤسس ل آينيسيس

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

ماذا عن المهارة السورية بالنفخ في الزجاج؟

قد انتابتني السعادة وغمرني شعور بالفخر كسورية عندما قرأت في عدة مجلات علمية خاصة بصناعة الزجاج السويدي، ذلك أن موطن حرفة صناعة الزجاج الأول هو سوريا. وهو ما شجعني للقيام برحلة سياحية لمنطقة مشهورة بمعامل صناعة الحرف اليدوية للزجاج على الطريقة السورية الأولى (النفخ في الزجاج)، في مقاطعة سمولاند. في سمولاند، المجتمع الذي بُنيت فيه هذه الحرفة و توسعت اكتسبت إسم مملكة الزجاج، فيها أقدم معمل لصناعة الزجاج في السويد “كوستابودا” ولا تزال تستخدم الطريقة الحرفية اليدوية الأولى. المنطقة واسعة تقع في جنوب وسط السويد غنية بالبحيرات و رمالها و غاباتها التي استغلت منذ القدم لصناعة الزجاج كما قام سكانها على استغلال الطبيعة و شلالات المياه فيها لتوليد الطاقة للمعامل فيها.

فكرة بناء معمل صناعة الزجاج بالنفخ تبلورت في عام 1736.. بعد استكمال شروط البناء و الموافقات نشأ أول مصنع في السويد عام 1742.  تستمر هذه الصناعة حتى يومنا هذا بالتوسع  و يصل عدد زوارها الى مليون زائر سنوياً فقط في فصل الصيف. عند زيارتك للمنطقة التي يقع فيها المعمل تستطيع زيارة المعمل الأول وفيه قسم يعد كمتحف لاولي الادوات و المكاتب التي تم استخدامها و للزجاج المصنوع.  تستطيع زيارته دون آجر.ولمن يرغب من الزوار بمعرفة أعمق  يستطيع حجز موعد مخصص  لجولة معرفية حيّة داخل المعمل مقابل دفع أجر بسيط.  يرافقك في الجولة مرشد/ة سياحية تتلو عليك معلومات غنية عن تاريخ المعمل و طريقة عملهم، بينما أنت تستمتع أثناءها في مشاهدة حية لصنع قطعة زجاجية من بداية  مراحلها وحتى نهايتها ( انظر الى الصور المرفقة) .  في قسم أخر تستطيع أيضاً حجز موعد خاص لك مقابل أجر لتتعلّم قليلاً مبادئ الحرفة و تجرّب بنفسك يوماً أو يومين صنع الزجاج كنوع من الاستجمام و صناعة الفن و ربما تتشجع على دخول مدرسة مهنية لتتعلم الحرفة فعلاً.  و لمَ  لا؟!  ففي السويد يوجد ثانوية لتعليم حرفة صناعة الزجاج و فنّه.. تستطيع أيضاً حجز ساعة مقابل أجر لصنع قطعة زجاجية تحت إشراف و مساعدة أحد الحرفيين و تنفخ زجاجتك بنفسك و تشكل الشكل الذي يروق لك لتأخذ لاحقاً قطعتك الفنية التي صنعتها كذكرى من هذه الزيارة.. كنت ارى العائلات و الأطفال خاصة يستمتعون في هذه المشاركة وأعلم أن الأجور التي دفعوها تدعم الحرفة و نقابة الحرفيين و تسعد الزوار لتقرّبهم من منتجات بلدهم للحفاظ على إرثهم الوطني.. وإلى نفس المساحة الجغرافية في سمولاند  تستطيع الدخول دون أجر لمشاهدة غاليري يُقام فيها على الدوام عروض اعمال فنية لفناني الزجاج السويدين

في نفس المنطقة و التي كانت مجتمع وقرية صغيرة و بسيطة تحوّلت الى اجمل مكان سياحي يكتظ بالأفكار الجميلة التي تستثمر المكان لدعم الحرفة. فهناك محلات لبيع الزجاج بأسعار منافسة  لباقي الأسواق في المدن السويدية وهناك سفاري بالقرب منها تقصده العائلات التي تود  ترفيه أطفالها و التعرّف على حيوانات الغابة عن قرب في نفس وقت زيارة معامل الزجاج و هناك هوتيل كل مافيه من الزجاج و كأنك تسكن في غرف زجاجية و إقامته مميزة و جميلة. إضافة إلى محلات أخرى افتتحت لتعرض منتجاتها بأرخص من باقي المدن، كعامل جذب للزوار الذين سيشترون منتج المنطقة بسعر أقل من بقية الأسواق مما يوفّر على الزائر و تمنحه مكسب أكبر من خلال زيارته للمعمل

تحدثنا المقالات المعرفية كما  شرحت أيضاً لنا المرشدة السياحية هناك، أنه أثناء الثورة الصناعية و دخول معامل اوتوماتيكية لصناعة الزجاج تراجعت الحرفة صناعة الزجاج، كما غيرها من الحرف التي تتطلب جهداً و وقتاً للصناعة. فكان الزجاج الصناعي أرخص. هذا دفع نقابة الحرفيين بالتعاون مع الدولة على ايجاد افكار ابتكارية لدعم الحرفة واستمرارها لتنافس الصناعي. فجلبوا فنانين مشهورين من بلدهم و أعطوهم مهمة خلق أساليب جديدة لتقوية هذه الحرفة فقام هؤلاء الفنانون بوضع رسمهم على الزجاج و توقيعهم وخلق أشكال و صناعات تدخل في منتجات جديدة مما ساعد على خلق لهفة عند الشعب لاقتناء هذه المنتجات و منها ما أصبح سعره مقبولاً لاقتنائه  في منزل سويدي بسيط 

طوال زيارتي هناك سكنني تساؤل تلقائي عن وضع هذه الحرفة في بلدي الأم  وكيفية انتشارها و الدعم القائم لها. خاصة ان ذاكرتي عنها لا تحمل الا صور الزجاج المنتشر في الأسواق من الصناعة المستوردة أو الخزفيات التي تُعرَض في اماكن الخمس نجوم التي يرتادها السياح، وقد يقتنون منها ربما قطعة زجاجية سورية للذكرى، فسارعت عند عودتي لقراءة و معرفة المزيد عن هذه الحرفة في سوريا! ا

صدمت  عندما علمت أنه لا توجد في سوريا الا عائلة واحد من ثلاث إخوة  تعمل في مشغلها القائم في أطراف دمشق الشرقية، في خان الزجاج. عائلة الحلاق هي العائلة الوحيدة التي بقيت تتوارث  هذه المهنة وهي  تصارع اليوم لبقائها بالرغم أن أطفالهم يرفضون تعلمها، فهي لم تعد مجدية مادياً

صحيح أن الحرب على سوريا دفعت هذه المهنة للتراجع لعدم توفّرالطلبات الكافية. و لكن الحقيقة ايضاً أن هذه الحرفة أُهملت تماما حتى قبل الحرب ولم تتلقِ الدعم الكافي الذي يضمن استمرارها او تنشيطها و توسعها.. هناك الكثير من التصريحات التي نقرأها في الصحف السورية المحلية أو من تصريحات المسؤولين في وزارة الصناعة خلال فترة الحرب واليوم تتحدث عن اهتمام  الحكومة بدعم الصناعة و الحرف اليدوية و لكن بالرغم من كل هذه التصريحات لم تلمس  صناعة الزجاج التقليدي أي دعم او تطوير ولا حتى الآلي الذي أصبح الآن  يطالب الوزارة في تسهيل عملية استيراد الزجاج للصناعة.. أتوقف هنا و أتساءل أين تذهب نفايات الزجاج إن لا تُستثمر في إعادة تدويرها و تساهم في صناعة الزجاج؟ و ماذا  ينقص بلد كسوريا لإحياء صناعة الزجاج الحرفية و استثمار الخبرات السورية لتزدهر هذه الحرفة و تنافس الزجاج العالمي مجدداً، و تنشط السياحة الداخلية والخارجية للقدوم الى ورشات الزجاج كما السويد؟

و عند سؤال السيد “طلال معلا”، وهو الفنان التشكيلي والباحث في الجماليات، اضافة الى نجاحه في تسجيل تراث مسرح الظل في منظمة اليونيسكو باسم سوريا بدعم من الأمانة السورية للتنمية، عن حال هذه الحرفة و كيفية توثيقها و الحفاظ عليها كما فعلو مع مسرح الظلّ، أضاف: حاولت كثيراً الالتفات لدعم صناعة الزجاج اليدوي بإعادة تشغيل أفران التكية السليمانية وتم وضع مخططات لمشروع متكامل للتشغيل لكامل المنطقة بما فيها الصناعات الزجاجية اليدوية لكن عوامل كثيرة حالت دون تحقيق المشروع ليست الحرب اولها ولا التشريعات آخرها.  لقد هجر المهنيون مواقعهم للعمل في لبنان (صيدا) ومواقع أخرى لعدم وجود سوق لبيع المنتجات في سوريا مع توقف الحركة السياحية وبفعل الحصار الاقتصادي … الخ

القصة تمتد لمحاولات إيجاد قوانين تحمي الحرفيين، وخاصة المهن التراثية والثقافية، وقد أنجزنا جزءاً هاماً  فيها لكنها لم تعتمد لعدم صدور قانون التراث الثقافي الجديد الذي عملنا عليه لسنوات

و لهذا تتراكب فان عوامل كثيرة في عمليات صون هذه المهن والحرف التقليدية وقد اشرت أنتِ الى ان الامر يحتاج الى توثيق و تسجيل الحرفة في اليونيسكو كما قمنا به في خيال الظل، فالعملية متكاملة لنقل المهنة من جيل الى جيل بأسلوب معاصر وضرورة دعم المتدربين لايجاد محترفاتهم من جهة، وتحقيق اسواق لمنتجاتهم التي لابد ان تأخذ لمسات عصرية

أن تنمية جزئية لموارد التراث الثقافي الوطني لاتكون ناجعة إلا في إطار سياسة ثقافية واضحة تركز على استثمار التراث الثقافي دون الإخلال بأصالته وقيمته الإنسانية والمجتمعية، فحرفة الزجاج اليدوي مرتبطة بمجاوراتها من الحرف والمهن الثقافية واذا كان قد تم تحويل اساليب استثمار الزجاج اليدوي من مكمل جمالي وثقافي واجتماعي الى كماليات تزيينية، فإن ذلك يقتضي التعمق في دراسة الموقع التنموي الذي يمكن ان تشغله هذه الحرفة على المستوى الإبداعي وضرورة الربط بينها وبين مهن صاعدة ومؤثرة كالتصميم الفني والمعماري وسواهما من مجالات استخدام المتج وابتكار أسواق معاصرة داخل البلاد وخارجها.. كما ان الربط بينها وبين حرف تزيينية أخرى يجري استخدامها في الديكورات كالعجمي والتصديف والمحفورات الخشبية وسواها من الحرف التراثية التي تعاني هي الأخرى من الهجرة والنزوح، ستشكل النظرة الرشيدة للسياسة الثقافية التي يمكن أن  توليها وزارة الثقافة طريقاً مهماً لاقتراح صون هذه المهن التراثية وطنياً قبل وصولها الى الصون العاجل في اليونسكو أو سواها

أصل صناعة الزجاج

في البداية تم استخدامه للزخرفة و للأعمال الفنية. و وفقاً لما دوّنه المؤرخ الروماني القديم، بليني الأكبر، فإن التجار الفينيقيين إكتشفوا مرّة عندما رست سفينة لهم محملة بالنيتروم على الشاطئ السوري وقاموا باستخدام كتل النيتروم لدعم أواني الطعام أثناء طهي طعامهم و إشعال النار من تحتها. دمجت النار النيتروم بالرمال و تدفق سائل شفاف تحوّل الى زجاج عندما برد

تقول مصادر أخرى أن مصر آيضاً دولة أخرى اشتهرت فيها صناعة الزجاج في وقت مبكر، يُعتقد أنّ أقدم جسم زجاجي تمّ إنشاؤه حوالي (3500) قبل الميلاد في مصر وشرق بلاد ما بين النهرين، أقدم عينات الزجاج من مصر وتعود إلى (2000) قبل الميلاد، في عام 1500 قبل الميلاد، كانت الصناعة راسخة في مصر، بعد 1200 قبل الميلاد تعلّم المصريون ضغط الزجاج في قوالب.

في القرن الأول الميلادي اكتشف السوريون أن الزجاج يمكن تشكيله بالنفخ في أنبوب نفخ زجاجي مجوف. مما ينتج عنه بهذه الطريقة كميات كبيرة من الزجاج الشفاف

 بما أن سوريا كانت تنتمي آنذاك إلى الإمبراطورية الرومانية،  انتشر فن نفخ الزجاج أيضاً من خلالها في أوروبا.  تم استخدام الزجاج في أهم المباني في روما وفي الفيلات الفاخرة في بومبي.  حتى العصور الوسطى، كان الزجاج يستخدم بشكل رئيسي في الكنائس والقصور.  في وقت لاحق ، تم استخدام النوافذ الزجاجية أيضًا في المباني العامة والنزل والمنازل التابعة للمواطنين الأثرياء

بقلم السيدة: فاديا رستم

تدقيق لغوي: أميمة ابراهيم

التنمّر

التنمّر.. لماذا الآن؟

التنمر! قد يبدو مصطلحاً جديداً بدأ يظهر في السنوات الأخيرة وخصوصاُ في وسائل التواصل الإجتماعي، هذا صحيح نسبيّاً، فالظهور الأول له وبالعربية خارج النطاقات الاكاديمية والعلمية تأخر حتى سنوات قليلة مضت، ما عدا بعض الاستشهادات الأدبيّة في روايات وقصص مختلفة

إلا أنّ أفعال التنمر والممارسات التي تصنّف ضمنه اليوم ليست بجديدة أبداً، على العكس في كثير من الأحيان يتم التعامل معها كنتاج ثقافي شعبي متراكم وكإرث يجب تناقله. قد نجد مفاجأة غير سارّة لنا بأنّ كثير من الأمثال الشعبية والحكايات القصيرة التي نمارس بها التربية والتثقيف أحياناً ونتداولها كخلاصات لأحاديثنا اليومية تندرج بشكل رئيسي تحت تصنيفات التنمر اللفظي، والأخطر أنها لاتكتفي بذلك بل تذهب لتنمّر ثقافي ينشأ من تشكّل الصور النمطية حيث يضع جماعات أو شرائح من المواطنين ضمن قوالب نمطيّة مفترضة سيصعب تغييرها في المستقبل بالنسبة لمن تلقوها في الصغر لسنينٍ طويلة وبدت وكأنها تجارب ثمينة لاينبغي نقاشها أو تضييعها

جاءت وسائل التواصل الإجتماعي بكل المميزات التي أعطتنا إياها بفضيحة كبيرة لثقافاتنا المتراكمة لتضعنا أمام الجميع وتضع الجميع أمامنا، نتواصل مع الآلاف، نبدي إعجاباً أو استهزاءاً بهم وبأفكارهم، لباسهم، طريقة عيشهم وكلامهم وفهمهم للأمور، ولمّا ترافق هذا الانفتاح وهذه الفرص مع الإضطرابات المختلفة التي تحيط بنا، فإنه وبدلاً من استثمار هذه الوسائل لنقترب ونتعرّف ونفهم بعضنا البعض فإننا استخدمناها – في كثير من الأحيان – لنؤكد الهويات الفرعيّة ونكرّس الفوارق الإجتماعية والطبقية

لم نكتفي بذلك, بل خلقنا طبقات جديدة لنحدد بها أنفسنا، وخلقنا مجتمعات افتراضية مليئة بالإلغاء والإستقطاب والتقوقع، فبدت حساباتنا مزخرفة جميلة نضع عليها أفضلصورنا الشخصية وأحلاها ونترك العنان لأفكارنا ورواسبنا المليئة بالإلغائية والتنمّر والاستهزاء لتكون منشوارت وصفحات تصل للملايين اليوم، وفي كلّ يوم تزداد حجماً ونزداد كمستخدمين تعوّداً عليها، وبالطبع لانعمم هُنا

في بدايات دخولنا لوسائل التواصل الإجتماعي في سورية اصطدمنا بصفحات سمّيت كمجّلات تنشر صوراً لأشخاص من فئات إجتماعية سوريّة مختلفة، وتعلّق على تسريحات شعرهم وألوان ملابسهم المتنوعة، كما لاتمتنع عن التعليق على وضعيات التصوير التي أخذوها وهم بالمناسبة لم يسمحوا لأحد بمشاركتها أصلاً، انتشرت هذه الصفحاتو تحوّلت إلى موجة ضمّت عشرات الصفحات التي بدأت بنشر صور من حفلات زفاف خاصّة مثلاً وقامت بتطبيق بعض مقاطع الفيديو مع أغاني محليّة بقصد الإستهزاء

في ذلك الوقت وقبل 10 سنوات تقريباً لم يكن من الممكن استخدام الأدوات التي بين أيدينا اليوم، ولم يكن لدينا الوعي الكافي ربّما لتصنيف هذه الممارسات أو على الأقل تسميتها باسمها كظاهرة يجب إنهائها، كان مدى التفاعل يقتصر على مستخدمي وسائل التواصل القلّة، في سنوات لاحقة أصبح أغلب الناس ضحايا وفي نفس الوقت مرتكبين لهذه الأفعال بقصد وبلا قصد.

وهذا ما يجيب عن سؤالنا لماذا الآن؟

اليوم وأكثر من أيّ وقت مضى نتورط بشكل تلقائي في أفعال وتعليقات وممارسات يتمّ تصنيفها تنمّراً، على تنوّع خلفياتنا الثقافيّة و طبقاتنا الإجتماعية وتقدمنا الدراسي، نحن ضحايا ومرتكبين، فنحن ننجرُّ كثيراً مع الموجات على وسائل التواصل الإجتماعي، وما أكثرها

على الأكيد أنّ كثير مننا يمارس المراقبة الذاتية لتحركاته في وسائل التواصل ويحاول ضبطها، لكننا في كثير من الأحيان نقع في أفخاخ متعددة تبدأ بابتسامة وقد لاتنتهي بشائعات تُشعل حروباً افتراضيّة وتوقظ فتناً كبيرة، في حين أنّ الآلاف ممن تستهدفهم هذه الممارسات قد لاينامون بالفعل إلا وعيونهم تدمع وثقتهم بأنفسهم تهتز، كيف لايحدث ذلك والملايين وفي لحظة مزاح يتحولون لمتنمّرين بضغطة زرّ واحدة؟

تتزايد أعداد ضحايا التنمّر في مجتمعاتنا يوماً بعد الآخر، ولا أسهل على أي مننا من تعداد شخصيات اشتُهرت أسبوعيّاً على وسائل التواصل الإجتماعي فكانت حديث الناس وموضع استهزائهم وطرائفهم الغير لطيفة والتي تُبكي فعلاً ولا تُضحكُ إلا المتنمّرين فقط

يسعى كتيّب “هل تعرّضت للتنمّر؟” ليكون محاولة فهم وهي بالتأكيد غير مكتملة، مراجعة ذاتيّة قبل أن تكون عامّة، نجرّب فيها التعرّف أكثر على التنمّر وتحديد أشكاله وتبيين البيئات التي ينتشر فيها، نتشارك بعض آليات التعامل مع المتنمّرين وأفعالهم ونجرّب تبيين الفرق بينه وبين الممارسات المشابهة كما نذهب إلى القانون السوري ونجرّب المرور على بعض النصوص القانونية التي تجرّم هذه الأفعال، كما نقترح بعض التحركات المفيدة للمهتمين بتخفيف هذه الظاهرة وإنهائها وفق أدوار متعددة مقترحة

و هذا العمل هو عمل مفتوح للتطوير دوماً، ولهذا تركنا عدّة صفحات فارغة في نهايته لتسجّلوا فيها خبراتكم وملاحظاتكم في مواجهة موضوعات التنمّر فلا تبخلوا بتدويناتكم وإضافاتكم والتي يمكن مشاركتها مع فريق “البعبع” في أي وقت و بشكل مستمر، فهذا العمل لن ينتهي بصفحات وإنهاء هذه الظاهرة مسؤوليّتنا جميعاً

بقلم السيد: وسيم السخلة

مقدمة كُتيّب: هل تعرّضت للتنمّر؟

.يمكن تحميله من الرابط أدناه

https://drive.google.com/file/d/1DZTy74TUnv1r3yaAP2tUxfUWh42zs5_p/view?usp=sharing

عبور في غير زمانه

امرأة قبل سن الزواج…
جميلة ..رشيقة ..كبر جسدها بسرعة وباتت تبدو أكبر من عمرها ..بدأ الجميع يمتعون مسامعها بجمالها ..حتى باتت تشعر بما يثيره جمالها في داخلهم
صارت تتقن التفنن في اللباس ولعل بعض الماكياج يشعل جمالها أكثر … كلما حاولت ان تبرز مفاتنها بادرتها والدتها بالنصح هذا اللباس لايليق بعمرك ..بدأت تتأفف من تلك النصائح وأصبحت تطمح بالخروج من دائرة الوالدة وتدّخلها بمسيرتها وكان الحل بحسب تفكيرها هوالزواج
لم تعارض فكرة الزواج رغم صغرها ..تقدم شاب لخطبتها فرفضته لأنه فقير والثاني تركته بعد أن لبست خاتم الخطبة بسبب قلة جاذبيته ولم يعطها الحب الذي تنتظره ..هكذا عندما تقدم رجل ثري في عقده الثالث لخطبتها ..وافق الأهل وشجعوها لأنهم كانوا قد أدركوا عدم رغبتها بالدراسة
تزوجت بحفل لم يرقى لطموحها وهي التي تقايض عمرها ببعض المغريات
أنجبت ..فلم تدرك كنه الأمومة لأنها حقيقة لم تكن أكثر من طفلة تجرب الهروب من المسؤوليات
كبرت ابنتها فاختلطت مشاعرها تجاهها ..تريدها أن تكون متميزة لكن ليس لديها القدرة على
نربيتها وتأهيلها للتميز ..حين كانت ابنتها تلعب كانت هي تنام لتشبع رغبات عمر المراهقة ..وحين بدأت ابنتها تحتاج لوقت أكبر للاهتمام بدراستها ..كانت هي تريد أن تملئ الجانب الفارغ في حياتها وراحت تكمل الدراسة التي فاتتها في الوقت الذي كانت تحتاج الابنة رعاية أمها . . كانت الطفلة ذكية اعتمدت على نفسها في دراستها وصار الابن الأصغر يقضي وقته في بيت الجدة .. استمر الأمر على هذه الحال ..لا الابنة أخذت حقها من الأمومة ولا الابن كان يعرف الفرق بين الجدة والأم ..ولا الرجل نال حقه منها كزوجة يحتاج إلى دفئها وحرارة لقاءها أو حتى اهتمامها
لم تكن مستعدة لتدفع من ذاتها إلا ضمن بعض المقايضات …لم تكمل الأم تعليمها لأنها ملت الدخول بمنافسات ..لكنها وجدت نفسها تتخبط ..فلا الابنة تسمح لها بدور النصح لأنها لم تكن حاضرة في يومياتها حين عاشت طفولتها بلا أم تشاركها ألعابها أو دروسها ..ولا الابن يستشيرها ..لأنها لم تجس حرارته حين كان يريد ان يرى رفاقه أمه الجميلة قربه بينما هو يقضي وقته برفقة جدته المتعبة من أثقال الحياة
أرادت أن تفرح بهم لكن لم يكن حضورها مهم في يومياتهم التي عاشوها دون رصيد لها …أرادت أن تتباهى بنجاح ابنتها وابنها الذي كبر دون أن تلحظ التغييرات التي عبر بها فوجدته فجأة شاب وسيم تحلم به أغلب الفتيات ..أرادت أن ترافقه هي التي لم تأخذ فرصتها بالأحلام أو بالمراهقة أو الدراسة ..أن يصبح رفيقها ..لكنها أدركت عدم رغبته بحضورها الآن بحياته ..بعد أن اعتاد أن تكون جدته هي مخبأ أسراره ومنطلق أحلامه.
استعجلت العبور بين المراحل ففقدت متعة العيش بملذات كل مرحلة …شعرت بوحدة قاتلة تلفها ..لاشيء يجعلها تغرف من السعادة وتستقي بمايرويها ..ذهبت إلى حضن أمها يوما ..وأفضت لها بمخزون سنين من الضياع
كان البكاء صراخا يعاتب السنين بحرقة تشابه الرغبة بالخروج من العاصفة

بقلم المهندسة و الفنانة نيللي مرجانة

التماثيل منحوتات من أعمال الفنانة نيللي مرجانة

إنتِ من وين؟؟

مع كل مرة كُنت أُسأل هذا السؤال اتذكر سكيتش غنائي لفيروز في مسرحية جبل الصوان تقول فيه فيروز

بيضلوا يسألوك إنت شو إسمك؟

بتقلن إسمي فلان

ما فيك تكون بلا إسم

بيضلوا يسألوك إنت منين؟

بدك تقول منين

ما فيك تكون مش من مطرح

كانت هذه الأغنية تراودني و أبتسم مفاخرة بالجواب

!أنا من سوريا

بتُّ أدرك تماماً ما يرمون إليه عبر سؤالهم هذا، وأتقصّد من خلال جوابي، لفت انتباههم و إمهالهم، لبرهة من الوقت، ليفكروا بما أقول

نعم من سوريا! فلست أنتمي لقرية، قبيلة، أو مدينة، ولا حتى مدينة أبي، لأنّ لي أمّاً أفتخر بوجودها ككيان هام و أصيل ساهم مع أبي في تكويني، بل ربما لها الفضل الأكبر في ذلك، فأنا أنثى مثلها

فما الذي يدعوني للتعصّب لنسب أبي وطرح نسبها جانباً ؟ و لماذا أتعصّب لانتماء والديَّ و تأثير المدارس و المدن التي عشت فيها عليّ، كان أعظم من تأثير أهلي ؟

لم أتعمق يوماً ولم يشغلني هاجس السؤال الذي دأب السويديّون على طرحه عليّ، منذ بدأت غربتي بعمر صغير (١٩ عام) : من أين أنتِ؟ فالجواب كان سهلاً جداً وبديهياً إنّني من سوريا.. و هل هناك أجمل من جواب ينطلق تلقائياً بكل سلاسة دون حاجة للتفكير فيه، أنا لست من السويد إنّما أنا من سوريا

 بعد إنقضاء بضع سنوات في الغربة، بدأ بعض شعور بالغرابة بالتسلّل إلى نفسي خلال زياراتي للوطن، بدأت ألحظ استغراب البعض من بساطة واختلاف ملبسي، أو من سذاجة أسئلتي -حسب رأيهم- ، حين يبادرني سائلاً : من وين إنتِ؟ 

و كأنّها محاولة لتنبيهي إلى أنّني لا أنتمي إلى هنا …أيّا كان ما يقصده ب “هنا”، فكان الأمر يلتبس عليّ وأبدأ بالتشكّك… ؟ 

هل بت ّلا أنتمي لسوريا حقّاً ؟ 

وهل بدأ أثر البلد الآخر بالظهور عليّ، بشكل  أشدّ  وضوحاً، من أثر سوريتي! ؟ 

عندما كنت أسأل أصدقائي في السويد ذات السؤال، كانت الإجابة تأتي، غالباً، ذاكرة المدينة التي وُلِدوا أو تلك التي عاشوا فيها طفولتهم.. حتى ولو كان أهلهم موُلِدين في مدينة غيرها

عندما انتقلت مع طفلتي الأولى الى مدينة أخرى، وذلك لمباشرة العمل بأولى وظائفي الثابتة، كان زملاء طفلتي الجدد في المدرسة، يتعرفون على بعضهم البعض و يسأل كلٌّ منهم الآخر من أين أنت ؟ كان كل طفل يذكر اسم مدينته التي وُلِد فيها، و يتمازحون قائلين ( واضح من اللهجة ) مُلقين الدعابات حول لهجات بعضهم.. لم يسألها طفل من أين أنتِ أصلاً، بسبب لونها أو شكلها الذي يشي بأنّها ليست سويدية، لم يسألها أحد أو يهتمّ بأصل أبويها، لم يهتموا لنسبها لأنهم أبرياء التفكير و السريرة، و هذا ما يعمل الأهل على الحفاظ عليه تحديداً، وذلك منعاً من خلق حالة تفكّك في المجتمع. فالصديقة الجديدة هي كما هي إنسانة لها هويتها الخاصّة، و ستنضمّ إلى ذات المدرسة و تأخذ نفس الدروس، و هذا مايهمّهم .

توارت آثار السؤال الغريب إيّاه مع استقراري في المكان، وازدياد الوعيّ المدعوم بالتقدم في السّن … واستمر ذلك  لفترة طويلة، ولم أكد أرفل في نعيم الاعتقاد بأنّ المراحل الهادئة للتأمّل و التعمّق في الحياة قد حانت، حتي بدأت الحرب في سوريا، وحَملت إليّنا فيما حَملَت، صغائر لم يكن في الحسبان أنّها جديرة بالتعمّق بالتفكير، خاصّة بظروف الحرب العصيبة من تدمير وتشرّد وتيه وضياع انتماء

وعاد ذاك السؤال ليُطرح عليّ من جديد، لكن هذه المرّة، كان مطروحاً من السوريّين أنفسهم

 من وين إنتِ ؟ و كنت أجيبهم كالعادة، أنا من سوريا، وفي خضمّ إعادتهم لطرح السؤال، مع إصرارهم على استحصال بعض التفاصيل أو الكثير منها، عبر عبارات من نوع : منعرف إنّك من سوريا قصدي أبوكي من وين ؟ أصلك أصلك من وين؟ شو خايفة ندبحك إذا عرفنا إنتِ من وين؟ ماحدا رح يوصلّك إنتِ بالسويد ؟ جزعتُ

فقد تكشّف لي أنّ الكثير من الخوف، بات يُسيطرعلى حياة أبناء بلدي حتى وهم خارج حدوده، وأنّ ما عانوه في هذه الحرب البغيضة، التي ارتدت أثواب كل الحروب التي خيضت على مرّ التاريخ، قد لا يزول بسهولة، ولست أُنكر أنّ التاريخ قد حمّل هذه المنطقة ما لا تُطيق من بطش الحروب وصنٌاعها.. فكانت ذاكرة التاريخ الأسود تُعيد نقل ذات المشاهد في كل حرب، ناشرة الخوف ذاته 

ومع تيقُّني وعلمي بكل هذا… إلّا أنّني، وفي لحظة إجابتي عن السؤال حول انتمائي، كنت أطرد عتمة التاريخ من رأسي و أُجيب بما يتماشى مع قناعاتي و مبادئي، وقد يكون مردّ ذلك محاولتي الحثيثة دعوة السائل للتفكير خارج الصندوق .. إيّاكم والانصياع لضيق الأفق، الذي حُمِلتُم عليه بحكم كل ما يُحيط بتلك البقعة، ودعوا الإرث الأسود ليندثر.. تعلّموا الانفتاح على الحياة والمستقبل جميعاً، وتشبّثوا بما يُغني عقولكم وأرواحكم

تعلّمت، في سنيّ غربتي، كيف أصنع نفسي وأُعيد صياغة هويتي …. من   دراستي، إلى المجتمعات المختلفة التي عِشت فيها فأثّرت بي وأثّرت بها كذلك، فقراءاتي و اختلاطي بجنسيات وقوميات عديدة ومختلفة، وصولاً إلى عملي و خبراتي، تربيتي لأطفالي ….إلخ

هويتي أنا من يصنعُها، و ثقافتي هي هويتي

لا أعلم أين ومتى تحديداً، بدأت بعض الثقافات بربط هوية الطفل وتقيّيدها بهوية الأب

هويتي مطبوعة بأثر ذاكرتي وذكرياتها التي لا تُمحى، تلك التي أحملها معي أيّنما ذهبت وحيثما أقمت … فأنا أنتمي لمكان ولادتي و للنسيم المُحمّل بعبق الياسمين الدمشقيّ الذي تنشقته في بيتنا الشاميّ العتيق ؟ 

و أنتمي إلى حلب القلب التي نشأت و ترعرعت فيها، وكان لها الأثر الأكبر في تكوين شخصيتي حيث المجتمع الذي احتضن نشأتي، إذ غالبا ما يكون لذلك المجتمع الأثر الأكبر على الإنسان و تكوين هويته، وفقاً لعلماء الاجتماع

كلّنا يعلم أنّ لكلّ مدينة سوريّة خصائصها التي تسم بها أولادها بالإضافة إلى اللهجة

أنا لا لهجة محدّدة لي، أنا مزيج  سوريّ بامتياز .. والدي -الذي أُقدّس-حملت طباعه الكثير من طباع أبناء ساحلنا، وعاش، بحكم عمله ، مُتنقّلاً بين مختلف مدن سوريا، حيث اكتسب من خصال أهلها ما أحبّ وترك ما لم يتوافق وهواه، و أُميّ المولودة في زحلة، و التي عاشت بين حمص و حلب، ثمّ تنقّلت مع أبي وحلّت حيثما حلّ ..  ذلك التنوّع كان ما يُوجّهني منذ البداية، ومنه بدأت أتعلّم كيف يمكن للإنسان  أن يصنع هويته الخاصّة به دون الإلتصاق بجغرافيا منطقة مُعيّنة. فالإنسان نتاج مراحل عدّة و يحمل الوفاء و الإخلاص لكلّ بقعة عاش فيها، يُشبه في ذلك الأُمّ التي تُكِنّ الحبّ لجميع أطفالها بالتساوي غير قادرة على  تفضيل أحدهم على الآخر، فكلّهم أجزاء منها و تنتمي لهم مجتمعين، نضجت معهم وأصبحت  ماهي عليه بفضلهم جميعاً،  في سرّها فقط،  تعي حقيقة أن أحدهم يًشبهها إلى حدٍّ كبير، فلا تجعله الأثير عندها وإنّما تفخر بهذا التقارب والشبه … كما أفخر أنا، في جهري و في سرّي، بأنّ حلب هي طفلي الذي يُشبهني 

هويّتي هو ما حملته معي من عطرٍ سوريٍّ مُكثّف من كلّ مدينةٍ أحببتُها، و مزجّته بالمجتمع الجميل الذي كبرت فيه و اكتسبت أجمل خِصاله ..وما زلت اكتسب العطر وأنثره في محيطي يوماً إثر يوم ….! أليس أجمل جواب يُمكن أن يُقال بعد كل هذا الشرح أنّني ..من بلد الشبابيك المزروعة بالحبّ المفتوحة عالصدفة، من بلد الحكايات المحكيّة عالمجد المبنيّة عالإلفة ..بأنغام الرحابنة و شدوِّ فيروز ؟

هذه هي هويّتي

بقلم فاديا رستم

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

اللوحات المرفقة ادناه للفنانة و المعلمة سلام برهوم

كهوف معلولا- شنا، هل سنفقدها؟

سوريا استعادت معلولا لكنها قد تفقد كهوفها الأثرية

مُقدّمة قانونية
يُقرّ قانون الآثار رقم ٢٢٢ بوجوب حماية الآثار الموجودة في كافة أرجاء الجمهوريّة العربيّة السوريّة المنقولة منها والثابتة ، الآثار المنقولة هي تلك التي صُنعت لتكون بطبيعتها منفصلة عن الأرض أو المباني ، والثابتة هي تلك المُتّصلة بالأرض كالكهوف الطبيعيّة أو المحفورة التي كانت مخصّصة لحاجات الإنسان القديم ، والصخور التي رسم أو حفر عليها الإنسان القديم صوراً أو نقوشاً أو كتابات.
وتُعتبر الآثار ، بموجب هذا القانون ، من الأملاك العامّة للدولة ، وواجب الدولة صوّنها والحفاظ عليها بما يتفق والمواد ٥ و٦ و٧ من القانون ، إذ يحقّ للدولة بموجبها إخلاء المناطق الأثرية لقاء دفع تعويض لأصحاب الارض ، وهي تمنع على المالك حق التّصرّف والتنقيب فيها ، بل وتحظر عليه إتلافها أو إلحاق الضّرر بها بأيّ شكلٍ من الأشكال

إضافة إلى ذلك ، ينصّ القانون في مواده ٩ و ١٠ و١١ على ضرورة تحديد المواقع الأثرية بغرض مراعاة حقوق الارتفاق المُتعلّقة بها ، والمنصوص عليها صراحةً في المادّتين ١٣ و١٤ ، وذلك بغرض منع البناء والترميم العشوائيّ فيها

نعلم جميعاً بأن سوريتنا الحديثة ماهي إلا امتدادٌ لحضاراتٍ مُتعدّدة ومُتجذّرة في عُمق التاريخ ، حالفنا الحظُّ باكتشاف بعض معالمها ، وبقي الكثير مدفوناً في باطن الأرض كسرٍّ لم يحن أوان كشفه بعد ، لكن ، هناك مدينة ، لطالما أدهشتنا كأعجوبة سماوية ، تجهر صخورها بكل أسرارها دونما وجلٌ من الزمان ، هناك (الحجر بيحكي ) كما كان يقول أجدادنا ، وهناك تعلّمت أن الزمن يفقد معناه أمام عظمة صخور المكان .. هناك فقط ، يمكنك أن تشهد إلتقاء السرمدي بالأبدي .. هي معلولا ، مدينة معلولا

تقبع معلولا على صخور جبال القلمون كأسطورة محفورة صامدة في وجه الزمن ، وتقع في شمال شرقيّ مدينة دمشق ، وتبعد عنها مسافة ٥٦ كم
في الآرامية تعني كلمة معلولا المدخل أو المعبر ، ويتوافق هذا الاسم وأسلوب الدخول إليها عبر فالق صخريّ ضيق ، يُطلق عليه اسم الفجّ الصخريّ ، ما أن تعبر هذا الفالق حتى ينفتح أمامك عالمٌ من السحر يعبق بالأساطير –عيسى مهنا

بيوتها البسيطة المطليّة بالكلس الأزرق تتعانق وتتراكب بتداخل شديد ، يتوه المُتأمّل لناظر إليها بين تركيبة تلك البيوت والدروب المُفضية إليها ، فالبيت الواحد ليس سوى طبقة واحدة ، وفناؤه ليس إلا سطح بيتٍ ثانّ ، كما أن سطحه معبرٌ لبيت ثالث .. ليس غريباً أن تدخل بيتاً من هذه البيوت و تسند ظهرك إلى جدارٍ صخري في إحدى غرفه ، أو أن تكتشف أن البيت بأكمله عبارة عن كهف محفور في الصخر !! الدروب مُتداخلةٌ ومُتشعّبة تنساب تحت البيوت المُعلّقة على الصخور ، وفوق الكهوف الّتي حفرها قُدامى المعلوليّون واتخذوها مساكن لهم – عيسى مهنّا

بين حنايا الصخرات الثلاث ، المُحيطات بمعلولا إحاطة السوار بالمعصم ، و المُسمّيات محليّاً ” شنا ” ،  وفي تلك الكهوف تحديداً يقبع جزءٌ هامٌّ من تاريخ البشرية والإنسانية ، حيث تتفاعل الطبيعة بجبالها وكهوفها وسهولها ، مع ما تمّ اكتشافه من آثار ثابتة وأحجار وكتابات و رسومات على الجدران وغيرها 
وفقاً للدراسات تمّ العثور في كهوف معلولا على أدلّة تُشير إلى أن المنطقة تُعدّ من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في الشرق الأوسط ، في فترة تُقدّر ما بين٥٠ إلى ٦٠ ألف سنة خلت ، حيث سكنها إنسان كرومانيون منذ حوالى ٣٠ ألف سنة على وجه التأكيد وترك لنا شواهد دلّتنا على ذلك ، ومنذذلك الحين ، والتواجد البشريّ فيها لم ينقطع في مختلف العصور الّتي توالت ، حيث واكبت وتأثّرت بمختلف الثقافات الّتي مرّت على المنطقة، من الآكادييّن إلى العمورييّن فالآرامييّن وصولاً إلى الإغريق والرومان فالحضارة العربيّة


في كهوف معلولا حكايات الأولين

بمُجرّد رؤيتك لكهوف معلولا المُعلّقة بالسماء ومغاورها المنحوتّة بروح الإنسان السّوريّ القديم وصبره وعنايته ، تقف خاشعاً أمام عظمة ذلك الإرث الإنسانيّ الذي لامثيل له
معلولا باسمها وصخورها وكهوفها تُمثّل كنز بلدنا النفيس وهديّة للإنسانيّة قاطبة
إن أكثر مايدعونا إلى الحزن هو تعرّض الآثار الّتي تحتضنها تلك الكهوف للخراب ، ونأمل أن نلفت النظر إليها للاهتمام بها وحفظها ، ولعل أهمّها معبد إله الشمس الذي يدلّ عليه عمل نحتيّ على جدار إحدى المغاور ، وهو نقش نصف دائريّ مُنجزٍ بدقّة وإتقان ، إضافة إلى نحت بديع ونادر للعُقاب السوريّ ، مُنفّذٍ بطريقة النفر ، والذي اتخذته الجمهوريّة العربيّة السوريّة شعارً لها ، كما تحتوي هذي الكهوف والمغاور على كتابات مسيحيّة يعود تاريخها إلى عام ١٧٩ ميلادي ، حيث يُرجح أن يكون المكان من أقدم أماكن العبادة المسيحيّة في العالم ، وذلك قبل صدور المرسوم الامبراطوريّ الذي سمح بالحريّة الدّينيّة عام ٣٢٣ ميلاديّ ، كما يضم المكان نقشاً للسيدة مريم العذراء تحمل الطّفل ، حُفر بطريقة النفر أيضاً ، والذي يُعتبر مثالاً حيّاً على تطوّر فن الأيقونات السوريّ عبر التاريخ

تُرى ، أنستطيع إعادة بث الحياة بتلك الكهوف ؟ والاهتمام بها لتبقى كنزاً تملكه الإنسانية عامة وسوريا على وجه الخصوص ، نفتخر بوجوده على أرضنا ، ونستقطب الزائرين والسيّاح من مختلف أنحاء العالم ، ليكونوا شاهدين على هذا المكان المعجزة

هامش

قصة النسر السوري الذي بقي منه أعداداً قليلة في الجبال المحيطة بمدينة تدمر وهو حالياً شعاراً الجمهورية العربية السورية

دمتم و دامت سوريا بخير

بقلم الفريق المؤسس لشبكة أينيسيس

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

پينوكيو 140 عام وتستمر الحكاية


دخل  كارلو لورينزيني المشهور ب كارلو كولودي عالم الكتابة كمراسل في البداية ثم قام بتأسيس صحيفة ساخرة 
Le Lampion 

نشرت الصحيفة مائتين واثنين وعشرين عددًا لكنها اضطرت للتوقف بعد تسعة أشهر ، عندما تمت الإطاحة بحكومة فرانشيسكو دومينيكو غيرازي 

في 11 أبريل 1849 انتقل بعدها للمسرح الذي كان شغفه منذ البداية 

أسلوبه  المباشر والساخر  كان خطوة نحو حداثة اللغة الإيطالية.  أشاد به النقاد  باعتباره أحد أهم الأقلام التي  رفعت الكتابة الصحفية إلى مرتبة الفن.  لكن نشاطه السياسي أخصعه لرقابة السلطة مما دفعه للكتابة باسم مستعار فاختار، كولودي وهو اسم القرية التي أمضى فيها طفولته

، ينضم كارلو لورينزيني إلى جمعية تشجيع المسرح.  في عام 1864 تمت ترقيته إلى سكرتير من الدرجة الثانية لإدارة مقاطعة فلورنسا

في عام 1868 ، عينه وزير التعليم العام ، إميل بروجليو ، عضوًا استثنائيًا في “مجلس جمع المفردات المستخدمة في فلورنسا ” ، وهو تعهد كان من المقرر أن ينتج عنه قاموس للغة التوسكانية

في عام 1870 ، انتفض في الصحافة ضد الزيادة في الضريبة وأصابه اليأس وهو  المشروع السياسي لشبابه وقد تحول إلى فضائح مالية ومشاحنات شخصية وقوانين عبثية

ولادة پينوكيو

في الخمسينات من عمره  كتب كارلو الفصول الثلاثة الأولى عن ماريونيت خشبية في الحقيقة عودته للكتابة حينها كانت لأسباب مالية ” إدمانه للكحول والقمار ” وهذا مايفسر قتله لبطل القصة حيث ينتهي الفصل 15  بانتحار پينوكيو الذي صدم القراء فليس من عادة الكتاب وخاصة القصص الموجهة للأطفال أن ينهوا حبكتهم بقتل البطل

إلا أنه لم يكن يتوقع هذا النجاح لروايته فاضطر لإحيائها من جديد ومواصلة المغامرات من شباط 1882 وحتى يناير 1883 ليكون الفصل 36 هو الفصل الأخير بعد ان جمعها كارلو في مجلد واحد مع رسوم للشاب انريكو مازانتي*

ترجمت هذه الرواية إلى أكثر من 240 لغة وتجاوزت مبيعاتها 10 ملايين نسخة لتصبح ثاني أكثر الكتب مبيعاً في إيطاليا بعد الكوميديا الإلهية لدانتي

ما الذي قدمته هذه الرواية  و لِمَ هذا الاسم ؟ 

أراد كارلو كولودي ترسيخ الفضائل والقيم الأخلاقية لإيطاليا الريفية

….. ( الأسرة ، التعليم ، العمل ، مساعدة الآخر )

جاء اسم پينوكيو من

pignon في لغة توسكان*  pinolo  

في اللغة الإيطالية وتعني بذرة الصنوبر وهي الشجرة التي أخذ منها الجذع الذي صنع به النجار الدمية  پينوكيو

أولى القيم التي قدمتها الرواية هي احترام الوالدين حيث يوبخ جيپيتو النجار ” ابنه” پينوكيو حين سخر منه – لم أكد أنته من صنعك بعد وها أنت تهزأ بي هذا سيء يابني فعل سيء

القيمة الثانية أهمية التعليم وضرورة المدرسة مهما كانت الصعوبات فقد باع الأب معطفه الوحيد ليشتري لابنه كتاب الأبجدية في المقابل نرى الطفل المشاكس الفوضوي يرفض الذهاب للمدرسة مفضلاً الانطلاق برحلة ممتعة نحو مسرح العرائس وخلال هذه الرحلة سيتعلم بينوكيو ألا يثق بالغرباء وأن الصحة شيء مقدس لا يجوز التهاون به ثم تأتي القيمة الأشهر في الرواية (( لا تكذب )) فعندما تكذب سيطول أنفك – بني الأكاذيب تظهر على الفور

في كل مغامرة كان يتعلم شيئاً جديداً وإن كان الدرس قاسياً كما حدث عندما سرق عنقود العنب فأدرك بعدها أن الأمانة ضرورة والسرقة فعل مشين ومع كل تجربة كان هذا الصبي الخشبي ينضج قليلاً – أفضل شيء تقدمه للموتى هو أن تدعهم يرقدون بسلام

تتبلور هذه الشخصية وتظهر شجاعة ومسؤولية عند غرق الأب – إنه أبي علي أن أنقذ أبي 

ثم تأتي قيمة العمل وهي الرسالة التي كررها كارلو في أكثر من فصل خاصة في الأجزاء 24/26 – الفقراء يحتاجون للمساعدة الفقراء الحقيقيون هم فقط العجزة والمرضى الذين لا يستطيعون خدمة أنفسهم هؤلاء فقط هم الفقراء وعلينا أن نساعدهم أما الآخرون كلهم عليهم أن يعملوا

قدم پينوكيو المساعدة أيضاً للجنية والتي كافأت أعماله بتحويله إلى صبي حقيقي في آخر الرواية – پينوكيو لقلبك الطيب أسامحك على كل أخطائك السابقة الأطفال الذين يعطفون على آبائهم ويعاملوهم بشكل جيد يستحقون دائما التمجيد

بالتأكيد هذه الرواية تعليمية وترفيهية إلا انها لم تكن فقط للأطفال كارلو كان متأثراً بالأحداث التي مرت بها إيطاليا والحركة اللاسلطوية فقام بإظهار النقاط الإيجابية والسلبية لها من خلال شخصية پينوكيو المتمردة الفوضوية والتي لايتم تهذيبها حتى أواخر الرواية وبعد العديد من التجارب والصدمات تماما كبذرة الصنوبر التي لا نحصل عليها حتى نكسر قشرتها بدأت الرواية بالسلوك السلبي الذي قام به پينوكيو من سخرية واستهزاء بوالده ثم بعنف موجه ضد الصرصار”غريلون پارلانت” الناطق والهروب من المدرسة رفضه للعمل الكذب والسرقة بعدها نرى نتائج هذه التصرفات التي صقلت هذا الصبي وحولته إلى صبي لطيف محب وملتزم يساعد ويطيع وهي بالضبط صورة للمواطن المثالي 

الرواية مقسمة إلى 36 جزء خصص الأول منها للأب جيپيتّو والذي يرمز بشكل ما للمجتمع ثم يختفي بعدها ليظهر في الفصول الأخيرة من جهة أخرى لدينا الجنية ذات الشعر الأزرق وهي العنصر الأنثوي الوحيد في الرواية والتي ترمز للأم الأم التي تنصح وتهذب وتعالج وبين هاتين الشخصيتين ومعهما صوت الصرصار ” صوت الضمير ” يتم تهذيب پينوكيو وتحويله إلى الصبي الجيد

هكذا كانت رحلة پينوكيو التي أدت إلى ولادته من جديد دون أي ذكر للدين في هذه الرواية

لذا أصبحت پينوكيو أيقونة في عالم الأدب الموجه للأطفال وتم تبنيها في المسرح والسينما وإعادة إصدارها بحلل جديدة غيرت أحياناً في أحداث القصة ومجرياتها إلا أن پينوكيو بقي خالداً على مدى 140عام سواء كشخصية روائية أم سينمائية بل حتى في الطوابع البريدية والموروث الشعبي العالمي 

《أنفك سيطول عندما تكذب 》 

《 إن كنت كسولاً في المدرسة ستطول أذناك كالحمار 》

و من خلال موقع أينسيس أدعوكم اليوم لإعادة قراءة هذه الأيقونة فهناك الكثير بعد للحديث عنه ، وربما تكون دعوة لإعادة النظر فيما نقدمه لأطفالنا في سوريا خاصة وأن لدى جداتنا الكثير بعد من الحكايا التي مازال صداها يتردد في ذاكراتنا فلم لا نجمع تلك الحكايا الشعبية السورية الأصل ونوثقها من يدري قد نجد بينوكيو آخر في كهوفنا وإن لم نجد فلنخترع

بقلم: روكسانا سيمونيه

هوامش

1-

توسكانا : toscana

(في الإيطالية: Granducato di Toscana) هي مقاطعة مستقلة  كانت موجودة بين عامي 1569 و 1801 ثم بين عامي 1815 و 1859 في إقليم يقابل تقريبًا المنطقة الإيطالية الحالية التي تحمل الاسم نفسه

2-

إنريكو مازانتي (فلورنسا ، 5 أبريل 1850-3 سبتمبر 1910) هو مهندس ورسام كان أول رسام لپينوكيو. 

3- 

الأناركية ( اللاسلطوية )   تيار فلسفي /سياسي  ظهرت في القرن التاسع عشر  قائم على مجموعة من النظريات والممارسات المناهضة للسلطوية والداعمة للديمقراطية المباشرة والحرية الفردية كقيمة أساسية. لا تدافع عن غياب القانون ، لكنها تناضل بحيث تنبع صياغتها مباشرة من الشعب (المبادرة الشعبية) ، بحيث يتم التصويت عليها وإقرارها من قبل الشعب

الطهوّ من أجل السلام

.كل الكائنات على وجه الأرض تأكل.. جميعها تحتاج إلى الطعام  لتنمو ، ولكن ، وحده الإنسان من يطهو طعامه

الطهوّ من أجل السلام ! يالها من  جملة ساحرة ، تضعك تلقائياً في موقع المسؤوليّة و المحبّة الخلّاقة ، هل توافقونني الرأي ؟

في آذار عام 2020 ، قدّمنا ، في مدينة فلورينس الإيطالية ، خلال مؤتمر حول “بناء السلام من خلال التراث”  ، نتيجة بحثنا الذي أجريناه في ألمانيا عن الطبخ السوريّ باعتباره نوعاً من أنواع التراث اللا مادّيّ

لقد أكّدنا في بحثنا ، على إمكانية بناء جسور السلام بين الشعوب ، من خلال قيم الانفتاح وكرم الضّيافة ، وأن الاجتماع حول المائدة وطهو المأكولات التراثية أو التقليدية ،  عوامل إلزامية يتوجب على المعنيين بالمشاريع ذات الطابع الثقافيّ أخذها بعين الاعتبار ، وذلك عند التعامل مع الآتين من مجتمعات من خارج البلاد ، فهي نهج حميميٍّ ينطوي على القبول والتقدير ، وفيه دعوة للتقارب والانفتاح على بعضنا البعض ، وخلق الظروف المساعدة على بناء حياة اجتماعية ، واقتراح  صداقات متينة ، ( فك شيفرة الوجبة,ماري دوغلاس 1972) .  تُعتبر وجهة نظر دوغلاس هذه عن الطعام ، في صميم هذه الدراسة التي قمنا بها ( يارا معلا و غايلي ماك بيرسون ) ، حيث أن ممارسة الطهوِّ  والانخراط في مثل هذه التجربة الثقافية ، يربط المجتمعات معاً ويُعيد تشكيل الهويّات في المغتربات ، وفقاً  لمشارك سوريٍّ في مبادرة الطهوّ التراثيّ التي نظمتها منظمة ” أوبر دن تيليراند” في برلين ألمانيا -2019 – 2016

 اعتُبِر مشروع أوبر دن تيليراند للاندماج كبنية اجتماعية وتحوّل مفتوح ، يأخذ بالاعتبار كلّاً من السوريين وأهل برلين الذين يعملون بالتزامن وكلاء للتغيير والاستمرارية،  كما يقومون بإعادة بناء الهويّات الاجتماعية ، ومن خلال تحليل ذلك باستخدام نظريات جوزيف ناي قادنا التحليل إلى معاينة النجاحات الرئيسية لهذا المشروع والنتائج المستمدة منه

 الالتفاف حول مائدة العشاء ، زاد من احتمال استعداد الناس للمشاركة  والتعاون ، وتبادل الكثير من الثقافات والمأكولات بين أشخاص من مختلف أنحاء العالم. إنّ اللقاء حول مائدة الطعام يخلق جوّاً من الألفة وقوّة التأثير بما يكفي لدفع المشاركين فيه إلى مشاركة بعضهم بعضاً بالقصص والقيم  والأفكار ، والبوح ببعض المكنونات الحميمة ، حيث يستعدّ اللاجئون السوريون الذين يحضرون جلسات الطهوّ تلك ، للاستماع إلى ماسيقوله السكّان المحلّيون حول القيم والأفكار الألمانية . توفّر هذه العملية ذات الاتجاهين ،  قناة للمناقشة وتبادل المعلومات حول أنماط الحياة والمعايير المختلفة ، كما تتيح تفاهماً متبادلاً وفائدة تنسحب على مختلف القضايا خارج إطار تبادل مهارات الطهوّ ورواية القصص

.يُشكّل الطهوّ تراثاً لا ماديّاً و بنية ثقافية بالنسبة للسّورييّن

تعتمد الأساليب المستخدمة لإدراج الطهوّ على قائمة التراث اللامادّيّ ، بوصفه شكلاً من أشكاله ، على التنقّل بين الأدبيات الأكاديميّة متعدّدة التّخصّصات ،  وتناقش قوّة تأثيره أثناء تطبيق نظرية التغيير . إنّ الدراسة التي قدّمناها في مقاطعة أوبر دن تيليراند ، كانت عبارة عن بحث في مدى مساهمة الطعام والطهوّ في عملية التكامل . تم إجراء سلسلة من المقابلات شبه المُنظّمة مع موظفين من أوبر دن تيلراند ، بالإضافة  إلى سورييّن وأبناء برلين المشاركين في تنظيم هذه المبادرة ،كان الطرح أثناء المقابلات مُعمّقاً ومفتوحاً ، وناقش نظرية التغيير ، حيث من شأن تجربة ثقافية مُستدامة  الإسهام في بناء التفاهم والثقة والقبول والاحترام المتبادل . تمّ تحليل البيانات عبر استخدام الإطار الفوقي ، وذلك أثناء استخدام مفاهيم من قبيل القوّة الناعمة والدبلوماسية الثقافيّة لدعم العمل الميدانيّ . تُقدّم الدراسة أدلة على إسهام التراث غير المادّيّ في التعبئة أيضاً ، من خلال نقاشٍ  قائمٍ على التخاطب والمشاركة ، ذلك التراث الذي غالباً ما يتمّ تجاهله لصالح التراث المادّيّ ، لصالح سياسات ثقافيّة دوليّة أكثر فاعليّة لمواجهة المشكلات الاجتماعيّة الكبيرة الحاليّة لضمان اندماج ناجح للاجئين في أوروبا . وتُخلص الدراسة إلى أنّ تطوير هذه المهارات الرمزيّة يمكن أنّ يؤدّي إلى المشاركة الاجتماعيّة والثقافيّة والشراكة كشرطٍ مُسبق للتكّامل

تُزوّد الثقافة الناس بأدوات اجتماعيّة لفهم تصرفات الآخرين ودوافعهم ، و الاندماج في التجربة الثقافيّة والفنيّة كما تزيد من فهم الناس لمعنى الهوية وعوامل تشكّلها والجماعة ، كما يمكن أنّ تؤدّي إلى زيادة الوعيّ بالرؤى المُشتركة للناس ، ومجموعة القيم والمواقف والمعاني والمخاوف والآمال , مع إمكانيّة إحداث تحوّل في طريقة تفكير المجتمعات ومواقفها تجاه التكامل والتراث

لتسهيل ودعم عملية الاندماج ، يجب الوصول إلى نتائج شاملة حول تأثير التراث الثقافيّ ودوره في معالجة التحدّيات الاجتماعيّة الأخيرة ،كالهجرة واللاجئين في أوروبا ، واقتراح تدابير مُغايرة تُحقّق الاندماج، وتتجاوز الإجراءات الحاليّة التي تنحصر في تعلّم اللغة وسوق العمل

انطلاقاً من هذه النتائج التي خلُصت إليها الدراسة أعلاه ، نستنتج إمكانية تطبيق المشروع في مجتمعات متنوعة ضمن بلد واحد ، وسوريا مثالاً ، بل نجد أن الحاجة إلى تطبيقه الآن باتت أكثر إلحاحاً ، سيّما وأن ماشهدته سوريا خلال الحرب أوجد هجرات داخلية أيضاً ، وانتقالات بين المدن والقرى ، حيث حمل المهاجرون داخلياً معهم  تراثهم المحلّي ومأكولاتهم التراثيّة إلى مكان استقرارهم الذي يتميّز بالضرورة بتراث محلّي ، ونحن نعلم مدى التنوّع واختلاف الذائقة من منطقة لأخرى ، لذلك فإن الشروع بتطبيق هكذا مشروع سيضمن حفظ هذا التراث من الضياع عبر نقله وتوثيق أنشطة إحيائه عبر الطهوّ وتشجيعها ، كما سيُعيد تعريف السوريين ببعضهم البعض ، عبر تبادل خبرات الطهوّ والتعرّف على التراث الغذائي لبعضهم البعض ، كما سيخلق جوّاً من الألفة ويُقرّب المسافات ، و ينشر ثقافة قبول الآخر وتفهّمه

بقلم : الدكتورة يارا معلا
تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

Website Built with WordPress.com.

Up ↑