Category Archives: Okategoriserade

الطاقة الشمسية و الكهروضوئية


تُعدّ الطاقة الشمسية إحدى أنواع الطاقات المُنتجة لعصب الحياة (الكهرباء)، والتي شاعت تحت مُسمّى الطاقات البديلة لأشكال الطاقة التقليدية كالنفط والغاز، وفي بعض البلدان الطاقة النوويّة. لكن يختلف الأمر بالنسبة للبلدان النامية، حيث يصحّ تسمية هذه الأشكال الجديدة من الطاقة بالطاقة المُساعدة، ذلك أنّها غير قادرة بسبب الظروف الصعبة المحيطة، أن تكون بديلاً كاملاً عن النفط والغاز، على الأقل في المدى المنظور والمتوسط، هذا يُدلل على أهمية السير بهذا الطريق لخلق طاقات مُساعدة ومتنوّعة من أجل تقليص الاعتماد على مصادر لاتزال السبب في خوض حروب إقليميّة ودولية باهظة الكُلفة على مستهلك الطاقة الأخير، أي المواطن

عندما يتعلّق الأمر بالطاقة الشمسيّة، فإنّنا نرى توافر الفرص لأيّ دولة في ثلاثة مجالات رئيسيّة : حقول شمسيّة واسعة النطاق، تطبيق الطاقة الشمسيّة اللامركزيّة والعملاء من القطاع الخاص الذين يقومون بتركيب الألواح الشمسيّة على أسطح منازلهم. هناك طرقٌ مُختلفة لمساعدة المواطنين على هذا الانتقال إلى مشهد طاقة أكثر لامركزيّة و إتاحة الفرصة لإنتاج الكهرباء المُتجدّدة الخاصّة بهم

حقول شمسيّة واسعة النطاق

تتمثّل الفرصة الأولى في تطوير حقول كهروضوئيّة واسعة النطاق، خاصةً وأنّه يمكن الاستفادة من الوضع الحاليّ حيث تتوافر النيّة للقيام  بإعادة الإعمار، و تمكين البنيّة التحتيّة الحاليّة بما يتناسب و إيجاد  حقول كهروضوئيّة، من الأمثلة على ذلك حقول الطاقة الشمسيّة ٥ ميغا واط في مزرعة الرياح پارك ساينوغ في ويلز، والتي أصبحت  في عام 2017 جاهزة للعمل

مثال آخر هو تطوير حقول هارينغڤليت في هولندا، وهي حديقة هجينة للطاقة المُتجددة حيث يتّم تطوير ستة توربينات رياح وألواح شمسية وبطارية معاً، وربطها بالشبكة عبر نفس الوصلة، وقد تمّ تشغيل هذه الحقول المُختلطة للطاقة المُتجدّدة في عام 2020

مثال أخر من بولندا، حيث تمّ إنشاء طريق للدرّاجات الهوائيّة وغيرها، يعتمد على مبدأ تخزين الطاقة الشمسيّة وتحويلها لمصدر إنارة بلون أزرق ناعم خفيف وكافٍ لإنارة الطريق ل10 ساعات

إنتاج الطاقة اللامركزيّ

بالإضافة للاستثمار في الطاقة الشمسيّة على نطاق واسع، تستطيع الدول بمؤسساتها الخاصّة بإنتاج الطاقة، تسهيل إنتاج الطاقة اللامركزيّة على مستوى الاستهلاك للعملاء من الأفراد والشركات، الأمر الذي سيخلق خدمات طاقة جديدة حيث تُقدّم الدول حلولاً تلبي احتياجات العملاء وتُمكّنهم من إنتاج واستهلاك كهرباء عبر الخلايا الشمسية الخاصة بهم

العملاء ينتجون الكهرباء الخاصّة بهم

اعتماداً على الألواح المحليّة، ويمكن دمج أنظمة التخزين المنزليّة مع أنظمة الألواح الشمسيّة، الأمر الذي سيُقلّل من استخدام الكهرباء اعتماداً الشبكة بأكثر من 30٪ غالباً، ومن هنا أصبحت مؤسسات الدولة الخاصّة بإنتاج الطاقة في البلدان الأوربية لاعباً مُهمّاً في مجال مُساعدة عملائها المحلييّن على إنتاج الكهرباء المّتجدّدة الخاصّة بهم مباشرة من خلال أسطح منازلهم، وذلك عبر ارشادات و نصائح يتّبعونها لاختيار أنظمة الألواح الصحيحة

تنمية إنتاج الطاقة الشمسيّة

في عام 2017، تم تركيب ألواح تُنتج أكثر من 100 غيغا واط من الطاقة الشمسيّة حول العالم، حيث أصبح إنتاج الكهرباء يعتمد على  حصّة مُتزايدة من الطاقة الشمسيّة. و هذا أمر مُبَشِّر لإنّه يُشير إلى توافر خبرات و نتائج نستطيع الاستفادة منها عمليّاً لا نظريّاً فقط، وذلك عبر زيارات استطلاعيّة و بحثيّة لأماكن تواجد تلك التجارب مثلاً

كيف تُؤثر الطاقة الشمسيّة على البيئة ؟

ينشأ التأثير البيئي، بشكل أساسي، عند تصنيع الألواح الشمسيّة، فتشغيل محطات الطاقة الشمسيّة خالٍ من الانبعاثات، وبالتالي فإن إنتاج الألواح وزيادة الاعتماد على الطاقة المُتجدّدة سيؤدي إلى تأثير  أقل سلبيّة على البيئة، ولكن يوجد أيضاً استخدام للموارد أكثر كفاءة وعمليات إنتاج أكثر جودة، وكمثال على أسلوب و طريقة يعتمدها خبراء ناجحين في مجال إنتاج الطاقة الشمسية، قيامهم بدراسة وتحليل دورة الحياة، وذلك لمراقبة الجوانب والآثار البيئيّة للطاقة الشمسيّة، ما يمنحنا بيانات بيئيّة لكل من الأنظمة الكهروضوئيّة الحاليّة للاستخدام الخاص والمُتغيّرات واسعة النطاق

لذلك ينبغي على كلّ مؤسسة معنية بإنتاج الطاقة في أيّ دولة  أن تضع العديد من الشروط الصارمة لدى اختيار مُورّدي الألواح الشمسيّة والمُحوّلات. إن التشديد على المُطالبة بالجودة والديمومة هو أحد تلك الشروط، وينطبق الشيء نفسه على الظروف التجاريّة والقانونيّة. يجب على المُورّدين الامتثال لقواعد السلوك الأخلاقيّة الخاصّة والتي تضمنها الدولة لمواطنيها و شركاتها أيضاً

إنّ اعتماد الطاقة المُتجدّدة كمصدر لتوليد الطاقة على نطاق واسع، مطلوب لتحقيق هدف البيئة النظيفة، و تحقيقه يتطلب توافر مساحات واسعة، سواء على الأرض أو في البحر

تتناوب الألواح الشمسية وخطوط الزراعة – مثال من هولندا

– يتكوّن الحقل من صفوف من الألواح الشمسيّة تتخلّلها خطوط مزروعة بمحاصيل مختلفة ، تعتمد أسلوب الزراعة العضويّة، الأمر الذي يعني تركيب ألواح الشمسيّة بعدد أقل بكثير من المعتاد لكل هكتار ، كما تقول آن ماري شوتين ، رئيسة قسم تطوير الطاقة الشمسيّة في هولندا. نحن نستخدم الألواح الشمسيّة من كِلا الوجهين للتأكّد من الاستفادة الكاملة والكافية من مصدر الضوء . يلتقطون الضوء المُنعكس من التربة والمحاصيل والصفوف المُجاورة، ويستخدمونه لإنتاج الطاقة الشمسيّة، بالإضافة إلى ذلك، يتمّ تدوير الألواح بحيث تتبع أشعة الشمس، ما يؤدي إلى تعاظم الإنتاج. من المُتوقع أن تبلغ سعة الحقول 0.7 ميغا واط

تتبّع الشمس

خلال أربع سنوات من المشروع سيمبزون الهولندي المذكور اعلاه، تمّ تطوير خوارزميّة لتتبّع الطاقة الشمسيّة، وذلك من قبل منظمة الابتكار، والغرض من ذلك هو متابعة الإنتاج الزراعي وإنتاج الطاقة ودراسة تأثير خطوط الزراعة والتنبّؤات الجويّة ( التغيّرات المناخية ) وأسعار الطاقة وظروف التربة، وإذا أمكن، سيتمّ تحسين الخوارزميّات بالتعاون مع الشركة السويدية الوطنية لإنتاج الطاقة ڤاتينفال مع آيريس هوغيسكول 

بالإضافة إلى ذلك، تتمّ مراقبة تأثير نظام التتبّع الشمسيّ على المحاصيل والأمراض وقابلية استخدام المزارع من قبل آيريس هوغسكول، أكبر مزرعة عضويّة في هولندا، و هيموس، وهي مؤسّسة تعمل من أجل الانتقال إلى الزراعة التي تأخذ حماية البيئة في عين الاعتبار أكثر . يتمتّع الطرفان بخبرة واسعة، بالفعل، في مجال زراعة الخطوط

الطاقة الشمسيّة في مجال انتاج الوقود

حقّقت الصين ابتكاراً مُذهلاً وذلك بتحويل الطاقة الشمسيّة إلى وقود سائل، من خلال مشروع يُنتج منتجاً سائلًا يحتوي على 99.5٪ من الميثانول ، وفقًا للتلفزيون الصيني. النجاح،الذي تحقّق في يناير عام 2020 ، وحصل مُؤخرًا على تغطية الاعلامية، هو المحاولة الأولى، على النطاق العالمي،  للتجميع المباشر للوقود الشمسيّ. وقال التقرير، نقلاً عن خبراء، أنّ المشروع، إذا تمّ تشغيله بكامل طاقته، يُمكنه إنتاج 1500 طن من الميثانول سنويّاً، وأنّه يستهلك 2000 طن من ثاني أُكسيد الكربون ويُولّد 15 مليون كيلوواط / ساعي من الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسيّة

والجدير بالذكر أنّ الطاقة الإنتاجيّة السنويّة للميثانول ، تبلغ في الصين حوالي 80 مليون طن، وفي عام 2019، شكّلت انبعاثات ثاني أُكسيد الكربون من الصين  29 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية.  إذا تمّ استخدام الوقود الشمسيّ لتصنيع الميثانول، فيُمكن تقليل انبعاثات مئات الملايين من الأطنان من ثاني أكسيد الكربون كل عام

بعد هذه الجولة السريعة والبسيطة حول العالم، والتي تناولت مجال تطوير استخدام الطاقة الشمسيّة، يهمّنا كفريق آينيسيس أنّ نُشدّد على أهمية حوكمة الدولة لهذا القطاع، و تعاونها مع القطاع الخاص بحيث تُقدّم للمواطنين أفضل الأنظمة، و تمنع  توريد الألواح الرديئة

فعندما تحتكم الدولة إلى القانون في مجال إنتاج الطاقة، تستطيع  تقديم الخيارات الأفضل للسوق الوطنيّة، و تعطي الخيارات الصحيحة للمواطن،  مما يُعزّز الثقة بين الحكومة و المواطن، ويمنع السوق الفاسدة من خداع المواطن و هدرالمال العام،  بالإضافة لحماية المستهلك

هذا ويجب التنويه إلى أن الخبراء في مجال الطاقات المتجددة يتضاربون بآرائهم حول جدوى الإنتقال المباشر والسريع من استخدامات أنواع الطاقة التقليدية إلى الطاقات المتجددة على اعتبار أن الثانية تستخدم الأولى في دورتها الإنتاجية (تصنيع البطاريات، والألواح وغير ذلك من المواد التي يجب تصنيعها بالمعامل والتقنيات المعهودة). هذا يعني أن الجدوى البيئية قد تكون غير مثبتة بشكل كامل وعلى المدى الطويل

دمتم و دامت سوريا بكلّ خير

الفريق المُؤسّس لآينيسيس

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

ماذا عن المهارة السورية بالنفخ في الزجاج؟

قد انتابتني السعادة وغمرني شعور بالفخر كسورية عندما قرأت في عدة مجلات علمية خاصة بصناعة الزجاج السويدي، ذلك أن موطن حرفة صناعة الزجاج الأول هو سوريا. وهو ما شجعني للقيام برحلة سياحية لمنطقة مشهورة بمعامل صناعة الحرف اليدوية للزجاج على الطريقة السورية الأولى (النفخ في الزجاج)، في مقاطعة سمولاند. في سمولاند، المجتمع الذي بُنيت فيه هذه الحرفة و توسعت اكتسبت إسم مملكة الزجاج، فيها أقدم معمل لصناعة الزجاج في السويد “كوستابودا” ولا تزال تستخدم الطريقة الحرفية اليدوية الأولى. المنطقة واسعة تقع في جنوب وسط السويد غنية بالبحيرات و رمالها و غاباتها التي استغلت منذ القدم لصناعة الزجاج كما قام سكانها على استغلال الطبيعة و شلالات المياه فيها لتوليد الطاقة للمعامل فيها

فكرة بناء معمل صناعة الزجاج بالنفخ تبلورت في عام 1736.. بعد استكمال شروط البناء و الموافقات نشأ أول مصنع في السويد عام 1742.  تستمر هذه الصناعة حتى يومنا هذا بالتوسع  و يصل عدد زوارها الى مليون زائر سنوياً فقط في فصل الصيف. عند زيارتك للمنطقة التي يقع فيها المعمل تستطيع زيارة المعمل الأول وفيه قسم يعد كمتحف لاولي الادوات و المكاتب التي تم استخدامها و للزجاج المصنوع.  تستطيع زيارته دون آجر.ولمن يرغب من الزوار بمعرفة أعمق  يستطيع حجز موعد مخصص  لجولة معرفية حيّة داخل المعمل مقابل دفع أجر بسيط.  يرافقك في الجولة مرشد/ة سياحية تتلو عليك معلومات غنية عن تاريخ المعمل و طريقة عملهم، بينما أنت تستمتع أثناءها في مشاهدة حية لصنع قطعة زجاجية من بداية  مراحلها وحتى نهايتها ( انظر الى الصور المرفقة) .  في قسم أخر تستطيع أيضاً حجز موعد خاص لك مقابل أجر لتتعلّم قليلاً مبادئ الحرفة و تجرّب بنفسك يوماً أو يومين صنع الزجاج كنوع من الاستجمام و صناعة الفن و ربما تتشجع على دخول مدرسة مهنية لتتعلم الحرفة فعلاً.  و لمَ  لا؟!  ففي السويد يوجد ثانوية لتعليم حرفة صناعة الزجاج و فنّه.. تستطيع أيضاً حجز ساعة مقابل أجر لصنع قطعة زجاجية تحت إشراف و مساعدة أحد الحرفيين و تنفخ زجاجتك بنفسك و تشكل الشكل الذي يروق لك لتأخذ لاحقاً قطعتك الفنية التي صنعتها كذكرى من هذه الزيارة.. كنت ارى العائلات و الأطفال خاصة يستمتعون في هذه المشاركة وأعلم أن الأجور التي دفعوها تدعم الحرفة و نقابة الحرفيين و تسعد الزوار لتقرّبهم من منتجات بلدهم للحفاظ على إرثهم الوطني.. وإلى نفس المساحة الجغرافية في سمولاند  تستطيع الدخول دون أجر لمشاهدة غاليري يُقام فيها على الدوام عروض اعمال فنية لفناني الزجاج السويدين

في نفس المنطقة و التي كانت مجتمع وقرية صغيرة و بسيطة تحوّلت الى اجمل مكان سياحي يكتظ بالأفكار الجميلة التي تستثمر المكان لدعم الحرفة. فهناك محلات لبيع الزجاج بأسعار منافسة  لباقي الأسواق في المدن السويدية وهناك سفاري بالقرب منها تقصده العائلات التي تود  ترفيه أطفالها و التعرّف على حيوانات الغابة عن قرب في نفس وقت زيارة معامل الزجاج و هناك هوتيل كل مافيه من الزجاج و كأنك تسكن في غرف زجاجية و إقامته مميزة و جميلة. إضافة إلى محلات أخرى افتتحت لتعرض منتجاتها بأرخص من باقي المدن، كعامل جذب للزوار الذين سيشترون منتج المنطقة بسعر أقل من بقية الأسواق مما يوفّر على الزائر و تمنحه مكسب أكبر من خلال زيارته للمعمل

تحدثنا المقالات المعرفية كما  شرحت أيضاً لنا المرشدة السياحية هناك، أنه أثناء الثورة الصناعية و دخول معامل اوتوماتيكية لصناعة الزجاج تراجعت الحرفة صناعة الزجاج، كما غيرها من الحرف التي تتطلب جهداً و وقتاً للصناعة. فكان الزجاج الصناعي أرخص. هذا دفع نقابة الحرفيين بالتعاون مع الدولة على ايجاد افكار ابتكارية لدعم الحرفة واستمرارها لتنافس الصناعي. فجلبوا فنانين مشهورين من بلدهم و أعطوهم مهمة خلق أساليب جديدة لتقوية هذه الحرفة فقام هؤلاء الفنانون بوضع رسمهم على الزجاج و توقيعهم وخلق أشكال و صناعات تدخل في منتجات جديدة مما ساعد على خلق لهفة عند الشعب لاقتناء هذه المنتجات و منها ما أصبح سعره مقبولاً لاقتنائه  في منزل سويدي بسيط 

طوال زيارتي هناك سكنني تساؤل تلقائي عن وضع هذه الحرفة في بلدي الأم  وكيفية انتشارها و الدعم القائم لها. خاصة ان ذاكرتي عنها لا تحمل الا صور الزجاج المنتشر في الأسواق من الصناعة المستوردة أو الخزفيات التي تُعرَض في اماكن الخمس نجوم التي يرتادها السياح، وقد يقتنون منها ربما قطعة زجاجية سورية للذكرى، فسارعت عند عودتي لقراءة و معرفة المزيد عن هذه الحرفة في سوريا! ا

صدمت  عندما علمت أنه لا توجد في سوريا الا عائلة واحد من ثلاث إخوة  تعمل في مشغلها القائم في أطراف دمشق الشرقية، في خان الزجاج. عائلة الحلاق هي العائلة الوحيدة التي بقيت تتوارث  هذه المهنة وهي  تصارع اليوم لبقائها بالرغم أن أطفالهم يرفضون تعلمها، فهي لم تعد مجدية مادياً

صحيح أن الحرب على سوريا دفعت هذه المهنة للتراجع لعدم توفّرالطلبات الكافية. و لكن الحقيقة ايضاً أن هذه الحرفة أُهملت تماما حتى قبل الحرب ولم تتلقِ الدعم الكافي الذي يضمن استمرارها او تنشيطها و توسعها.. هناك الكثير من التصريحات التي نقرأها في الصحف السورية المحلية أو من تصريحات المسؤولين في وزارة الصناعة خلال فترة الحرب واليوم تتحدث عن اهتمام  الحكومة بدعم الصناعة و الحرف اليدوية و لكن بالرغم من كل هذه التصريحات لم تلمس  صناعة الزجاج التقليدي أي دعم او تطوير ولا حتى الآلي الذي أصبح الآن  يطالب الوزارة في تسهيل عملية استيراد الزجاج للصناعة.. أتوقف هنا و أتساءل أين تذهب نفايات الزجاج إن لا تُستثمر في إعادة تدويرها و تساهم في صناعة الزجاج؟ و ماذا  ينقص بلد كسوريا لإحياء صناعة الزجاج الحرفية و استثمار الخبرات السورية لتزدهر هذه الحرفة و تنافس الزجاج العالمي مجدداً، و تنشط السياحة الداخلية والخارجية للقدوم الى ورشات الزجاج كما السويد؟

و عند سؤال السيد “طلال معلا”، وهو الفنان التشكيلي والباحث في الجماليات، اضافة الى نجاحه في تسجيل تراث مسرح الظل في منظمة اليونيسكو باسم سوريا بدعم من الأمانة السورية للتنمية، عن حال هذه الحرفة و كيفية توثيقها و الحفاظ عليها كما فعلو مع مسرح الظلّ، أضاف: حاولت كثيراً الالتفات لدعم صناعة الزجاج اليدوي بإعادة تشغيل أفران التكية السليمانية وتم وضع مخططات لمشروع متكامل للتشغيل لكامل المنطقة بما فيها الصناعات الزجاجية اليدوية لكن عوامل كثيرة حالت دون تحقيق المشروع ليست الحرب اولها ولا التشريعات آخرها.  لقد هجر المهنيون مواقعهم للعمل في لبنان (صيدا) ومواقع أخرى لعدم وجود سوق لبيع المنتجات في سوريا مع توقف الحركة السياحية وبفعل الحصار الاقتصادي … الخ

القصة تمتد لمحاولات إيجاد قوانين تحمي الحرفيين، وخاصة المهن التراثية والثقافية، وقد أنجزنا جزءاً هاماً  فيها لكنها لم تعتمد لعدم صدور قانون التراث الثقافي الجديد الذي عملنا عليه لسنوات

و لهذا تتراكب فان عوامل كثيرة في عمليات صون هذه المهن والحرف التقليدية وقد اشرت أنتِ الى ان الامر يحتاج الى توثيق و تسجيل الحرفة في اليونيسكو كما قمنا به في خيال الظل، فالعملية متكاملة لنقل المهنة من جيل الى جيل بأسلوب معاصر وضرورة دعم المتدربين لايجاد محترفاتهم من جهة، وتحقيق اسواق لمنتجاتهم التي لابد ان تأخذ لمسات عصرية

أن تنمية جزئية لموارد التراث الثقافي الوطني لاتكون ناجعة إلا في إطار سياسة ثقافية واضحة تركز على استثمار التراث الثقافي دون الإخلال بأصالته وقيمته الإنسانية والمجتمعية، فحرفة الزجاج اليدوي مرتبطة بمجاوراتها من الحرف والمهن الثقافية واذا كان قد تم تحويل اساليب استثمار الزجاج اليدوي من مكمل جمالي وثقافي واجتماعي الى كماليات تزيينية، فإن ذلك يقتضي التعمق في دراسة الموقع التنموي الذي يمكن ان تشغله هذه الحرفة على المستوى الإبداعي وضرورة الربط بينها وبين مهن صاعدة ومؤثرة كالتصميم الفني والمعماري وسواهما من مجالات استخدام المتج وابتكار أسواق معاصرة داخل البلاد وخارجها.. كما ان الربط بينها وبين حرف تزيينية أخرى يجري استخدامها في الديكورات كالعجمي والتصديف والمحفورات الخشبية وسواها من الحرف التراثية التي تعاني هي الأخرى من الهجرة والنزوح، ستشكل النظرة الرشيدة للسياسة الثقافية التي يمكن أن  توليها وزارة الثقافة طريقاً مهماً لاقتراح صون هذه المهن التراثية وطنياً قبل وصولها الى الصون العاجل في اليونسكو أو سواها

أصل صناعة الزجاج

في البداية تم استخدامه للزخرفة و للأعمال الفنية. و وفقاً لما دوّنه المؤرخ الروماني القديم، بليني الأكبر، فإن التجار الفينيقيين إكتشفوا مرّة عندما رست سفينة لهم محملة بالنيتروم على الشاطئ السوري وقاموا باستخدام كتل النيتروم لدعم أواني الطعام أثناء طهي طعامهم و إشعال النار من تحتها. دمجت النار النيتروم بالرمال و تدفق سائل شفاف تحوّل الى زجاج عندما برد

تقول مصادر أخرى أن مصر آيضاً دولة أخرى اشتهرت فيها صناعة الزجاج في وقت مبكر، يُعتقد أنّ أقدم جسم زجاجي تمّ إنشاؤه حوالي (3500) قبل الميلاد في مصر وشرق بلاد ما بين النهرين، أقدم عينات الزجاج من مصر وتعود إلى (2000) قبل الميلاد، في عام 1500 قبل الميلاد، كانت الصناعة راسخة في مصر، بعد 1200 قبل الميلاد تعلّم المصريون ضغط الزجاج في قوالب.

في القرن الأول الميلادي اكتشف السوريون أن الزجاج يمكن تشكيله بالنفخ في أنبوب نفخ زجاجي مجوف. مما ينتج عنه بهذه الطريقة كميات كبيرة من الزجاج الشفاف

 بما أن سوريا كانت تنتمي آنذاك إلى الإمبراطورية الرومانية،  انتشر فن نفخ الزجاج أيضاً من خلالها في أوروبا.  تم استخدام الزجاج في أهم المباني في روما وفي الفيلات الفاخرة في بومبي.  حتى العصور الوسطى، كان الزجاج يستخدم بشكل رئيسي في الكنائس والقصور.  في وقت لاحق ، تم استخدام النوافذ الزجاجية أيضًا في المباني العامة والنزل والمنازل التابعة للمواطنين الأثرياء

بقلم السيدة: فاديا رستم

تدقيق لغوي: أميمة ابراهيم

التواصل اللاعنفي

التواصل اللاعنفي، لغة تساعدنا على الاتصال بأنفسنا وبالآخرين لفهم كل منا الآخر، ونكتشف الطرق التي نستطيع بطبيعية وبطيب خاطر أن نساهم بها برفاه كل واحد منا

يرتكز التواصل اللاعنفي على عدة ركائز ومنه

 ٠ كل الناس يرغبون بالحصول على إشباع لحاجاتهم

٠ البشر يلبون الاحتياجات من خلال العلاقات المتبادلة، نحن نبني علاقات طيبة عندما نحقق هذه الحاجات من خلال التعاون وليس من خلال السلوك العدواني

٠ كل إنسان لديه موارد جديرة بالتقدير (قدرات، كفاءات)، تتجلى لنا عندما نتواصل معها من خلال التعاطف

٠ وراء كل سلوك حاجة وجميع الإجراءات هي محاولات لتلبية الاحتياجات

٠ كل حاجة تفيد الحياه

٠ لا توجد حاجات سلبية

٠ كل البشر لديهم القدرة على التعاطف

٠ البشر يتمتعون بالعطاء

٠ البشر يتغيرون

٠ الاختيار داخلي

٠ الطريق الأكثر مباشرة إلى السلام هو من خلال التواصل مع الذات

يهدف التواصل اللاعنفي إلى

١- بناء علاقات مشبعة (باعثة على الرضا) والحفاظ عليها

٢- إشباع حاجاتنا من دون إلحاق الأذى

٣- تغيير التواصل المؤلم وقلب الصراعات

يعتمد هذا المنهج ننعلى مكونات أربعة

الملاحظة: في البداية نحن نلاحظ ما يحدث فعلياً في الموقف: ما يحدث في داخلنا/ما نقوله أو نفعله/ ما يقوله أو يفعله الآخرون

الشعور أو الإحساس: نميز هنا بين المشاعر والأحاسيس من جهة والأفكار أو المعتقدات من جهة أخرى. الشعور أو الاحساس بالوقت الراهن، الخطوة الثانية نحن نعبر عن ماذا أشعر أو ماذا أحس في الوقت الراهن وليست أفكار

الحاجات: تتوضح أهمية الحاجات انطلاقاُ من ركائز أساسية في التواصل اللاعنفي مثل

الطلب: إن أهم ما يساعدنا على التمييز بين الطلب والتطلب، هو انفتاحنا على سماع ال “لا” على ما نطلبه، عندما تأتي “اللا” منالطرف الاخر وتكون انفعالاتنا عالية جداً بعد سماعها، هذا يعني أن هذا تطلب وليس طلب انساني

يوظف التواصل اللاعنفي في ثلاثة مناحي، هي التعبير عن الذات، الإصغاء التعاطفي، والتعاطف مع الذات. في سعي لإحياء ما فينا، وإثراء الحياة

بقلم الدكتور: سليمان كاسوحة

التنمّر

التنمّر.. لماذا الآن؟

التنمر! قد يبدو مصطلحاً جديداً بدأ يظهر في السنوات الأخيرة وخصوصاُ في وسائل التواصل الإجتماعي، هذا صحيح نسبيّاً، فالظهور الأول له وبالعربية خارج النطاقات الاكاديمية والعلمية تأخر حتى سنوات قليلة مضت، ما عدا بعض الاستشهادات الأدبيّة في روايات وقصص مختلفة

إلا أنّ أفعال التنمر والممارسات التي تصنّف ضمنه اليوم ليست بجديدة أبداً، على العكس في كثير من الأحيان يتم التعامل معها كنتاج ثقافي شعبي متراكم وكإرث يجب تناقله. قد نجد مفاجأة غير سارّة لنا بأنّ كثير من الأمثال الشعبية والحكايات القصيرة التي نمارس بها التربية والتثقيف أحياناً ونتداولها كخلاصات لأحاديثنا اليومية تندرج بشكل رئيسي تحت تصنيفات التنمر اللفظي، والأخطر أنها لاتكتفي بذلك بل تذهب لتنمّر ثقافي ينشأ من تشكّل الصور النمطية حيث يضع جماعات أو شرائح من المواطنين ضمن قوالب نمطيّة مفترضة سيصعب تغييرها في المستقبل بالنسبة لمن تلقوها في الصغر لسنينٍ طويلة وبدت وكأنها تجارب ثمينة لاينبغي نقاشها أو تضييعها

جاءت وسائل التواصل الإجتماعي بكل المميزات التي أعطتنا إياها بفضيحة كبيرة لثقافاتنا المتراكمة لتضعنا أمام الجميع وتضع الجميع أمامنا، نتواصل مع الآلاف، نبدي إعجاباً أو استهزاءاً بهم وبأفكارهم، لباسهم، طريقة عيشهم وكلامهم وفهمهم للأمور، ولمّا ترافق هذا الانفتاح وهذه الفرص مع الإضطرابات المختلفة التي تحيط بنا، فإنه وبدلاً من استثمار هذه الوسائل لنقترب ونتعرّف ونفهم بعضنا البعض فإننا استخدمناها – في كثير من الأحيان – لنؤكد الهويات الفرعيّة ونكرّس الفوارق الإجتماعية والطبقية

لم نكتفي بذلك, بل خلقنا طبقات جديدة لنحدد بها أنفسنا، وخلقنا مجتمعات افتراضية مليئة بالإلغاء والإستقطاب والتقوقع، فبدت حساباتنا مزخرفة جميلة نضع عليها أفضلصورنا الشخصية وأحلاها ونترك العنان لأفكارنا ورواسبنا المليئة بالإلغائية والتنمّر والاستهزاء لتكون منشوارت وصفحات تصل للملايين اليوم، وفي كلّ يوم تزداد حجماً ونزداد كمستخدمين تعوّداً عليها، وبالطبع لانعمم هُنا

في بدايات دخولنا لوسائل التواصل الإجتماعي في سورية اصطدمنا بصفحات سمّيت كمجّلات تنشر صوراً لأشخاص من فئات إجتماعية سوريّة مختلفة، وتعلّق على تسريحات شعرهم وألوان ملابسهم المتنوعة، كما لاتمتنع عن التعليق على وضعيات التصوير التي أخذوها وهم بالمناسبة لم يسمحوا لأحد بمشاركتها أصلاً، انتشرت هذه الصفحاتو تحوّلت إلى موجة ضمّت عشرات الصفحات التي بدأت بنشر صور من حفلات زفاف خاصّة مثلاً وقامت بتطبيق بعض مقاطع الفيديو مع أغاني محليّة بقصد الإستهزاء

في ذلك الوقت وقبل 10 سنوات تقريباً لم يكن من الممكن استخدام الأدوات التي بين أيدينا اليوم، ولم يكن لدينا الوعي الكافي ربّما لتصنيف هذه الممارسات أو على الأقل تسميتها باسمها كظاهرة يجب إنهائها، كان مدى التفاعل يقتصر على مستخدمي وسائل التواصل القلّة، في سنوات لاحقة أصبح أغلب الناس ضحايا وفي نفس الوقت مرتكبين لهذه الأفعال بقصد وبلا قصد.

وهذا ما يجيب عن سؤالنا لماذا الآن؟

اليوم وأكثر من أيّ وقت مضى نتورط بشكل تلقائي في أفعال وتعليقات وممارسات يتمّ تصنيفها تنمّراً، على تنوّع خلفياتنا الثقافيّة و طبقاتنا الإجتماعية وتقدمنا الدراسي، نحن ضحايا ومرتكبين، فنحن ننجرُّ كثيراً مع الموجات على وسائل التواصل الإجتماعي، وما أكثرها

على الأكيد أنّ كثير مننا يمارس المراقبة الذاتية لتحركاته في وسائل التواصل ويحاول ضبطها، لكننا في كثير من الأحيان نقع في أفخاخ متعددة تبدأ بابتسامة وقد لاتنتهي بشائعات تُشعل حروباً افتراضيّة وتوقظ فتناً كبيرة، في حين أنّ الآلاف ممن تستهدفهم هذه الممارسات قد لاينامون بالفعل إلا وعيونهم تدمع وثقتهم بأنفسهم تهتز، كيف لايحدث ذلك والملايين وفي لحظة مزاح يتحولون لمتنمّرين بضغطة زرّ واحدة؟

تتزايد أعداد ضحايا التنمّر في مجتمعاتنا يوماً بعد الآخر، ولا أسهل على أي مننا من تعداد شخصيات اشتُهرت أسبوعيّاً على وسائل التواصل الإجتماعي فكانت حديث الناس وموضع استهزائهم وطرائفهم الغير لطيفة والتي تُبكي فعلاً ولا تُضحكُ إلا المتنمّرين فقط

يسعى كتيّب “هل تعرّضت للتنمّر؟” ليكون محاولة فهم وهي بالتأكيد غير مكتملة، مراجعة ذاتيّة قبل أن تكون عامّة، نجرّب فيها التعرّف أكثر على التنمّر وتحديد أشكاله وتبيين البيئات التي ينتشر فيها، نتشارك بعض آليات التعامل مع المتنمّرين وأفعالهم ونجرّب تبيين الفرق بينه وبين الممارسات المشابهة كما نذهب إلى القانون السوري ونجرّب المرور على بعض النصوص القانونية التي تجرّم هذه الأفعال، كما نقترح بعض التحركات المفيدة للمهتمين بتخفيف هذه الظاهرة وإنهائها وفق أدوار متعددة مقترحة

و هذا العمل هو عمل مفتوح للتطوير دوماً، ولهذا تركنا عدّة صفحات فارغة في نهايته لتسجّلوا فيها خبراتكم وملاحظاتكم في مواجهة موضوعات التنمّر فلا تبخلوا بتدويناتكم وإضافاتكم والتي يمكن مشاركتها مع فريق “البعبع” في أي وقت و بشكل مستمر، فهذا العمل لن ينتهي بصفحات وإنهاء هذه الظاهرة مسؤوليّتنا جميعاً

بقلم السيد: وسيم السخلة

مقدمة كُتيّب: هل تعرّضت للتنمّر؟

.يمكن تحميله من الرابط أدناه

https://drive.google.com/file/d/1DZTy74TUnv1r3yaAP2tUxfUWh42zs5_p/view?usp=sharing

إنتِ من وين؟؟

مع كل مرة كُنت أُسأل هذا السؤال اتذكر سكيتش غنائي لفيروز في مسرحية جبل الصوان تقول فيه فيروز

بيضلوا يسألوك إنت شو إسمك؟

بتقلن إسمي فلان

ما فيك تكون بلا إسم

بيضلوا يسألوك إنت منين؟

بدك تقول منين

ما فيك تكون مش من مطرح

كانت هذه الأغنية تراودني و أبتسم مفاخرة بالجواب

!أنا من سوريا

بتُّ أدرك تماماً ما يرمون إليه عبر سؤالهم هذا، وأتقصّد من خلال جوابي، لفت انتباههم و إمهالهم، لبرهة من الوقت، ليفكروا بما أقول

نعم من سوريا! فلست أنتمي لقرية، قبيلة، أو مدينة، ولا حتى مدينة أبي، لأنّ لي أمّاً أفتخر بوجودها ككيان هام و أصيل ساهم مع أبي في تكويني، بل ربما لها الفضل الأكبر في ذلك، فأنا أنثى مثلها

فما الذي يدعوني للتعصّب لنسب أبي وطرح نسبها جانباً ؟ و لماذا أتعصّب لانتماء والديَّ و تأثير المدارس و المدن التي عشت فيها عليّ، كان أعظم من تأثير أهلي ؟

لم أتعمق يوماً ولم يشغلني هاجس السؤال الذي دأب السويديّون على طرحه عليّ، منذ بدأت غربتي بعمر صغير (١٩ عام) : من أين أنتِ؟ فالجواب كان سهلاً جداً وبديهياً إنّني من سوريا.. و هل هناك أجمل من جواب ينطلق تلقائياً بكل سلاسة دون حاجة للتفكير فيه، أنا لست من السويد إنّما أنا من سوريا

 بعد إنقضاء بضع سنوات في الغربة، بدأ بعض شعور بالغرابة بالتسلّل إلى نفسي خلال زياراتي للوطن، بدأت ألحظ استغراب البعض من بساطة واختلاف ملبسي، أو من سذاجة أسئلتي -حسب رأيهم- ، حين يبادرني سائلاً : من وين إنتِ؟ 

و كأنّها محاولة لتنبيهي إلى أنّني لا أنتمي إلى هنا …أيّا كان ما يقصده ب “هنا”، فكان الأمر يلتبس عليّ وأبدأ بالتشكّك… ؟ 

هل بت ّلا أنتمي لسوريا حقّاً ؟ 

وهل بدأ أثر البلد الآخر بالظهور عليّ، بشكل  أشدّ  وضوحاً، من أثر سوريتي! ؟ 

عندما كنت أسأل أصدقائي في السويد ذات السؤال، كانت الإجابة تأتي، غالباً، ذاكرة المدينة التي وُلِدوا أو تلك التي عاشوا فيها طفولتهم.. حتى ولو كان أهلهم موُلِدين في مدينة غيرها

عندما انتقلت مع طفلتي الأولى الى مدينة أخرى، وذلك لمباشرة العمل بأولى وظائفي الثابتة، كان زملاء طفلتي الجدد في المدرسة، يتعرفون على بعضهم البعض و يسأل كلٌّ منهم الآخر من أين أنت ؟ كان كل طفل يذكر اسم مدينته التي وُلِد فيها، و يتمازحون قائلين ( واضح من اللهجة ) مُلقين الدعابات حول لهجات بعضهم.. لم يسألها طفل من أين أنتِ أصلاً، بسبب لونها أو شكلها الذي يشي بأنّها ليست سويدية، لم يسألها أحد أو يهتمّ بأصل أبويها، لم يهتموا لنسبها لأنهم أبرياء التفكير و السريرة، و هذا ما يعمل الأهل على الحفاظ عليه تحديداً، وذلك منعاً من خلق حالة تفكّك في المجتمع. فالصديقة الجديدة هي كما هي إنسانة لها هويتها الخاصّة، و ستنضمّ إلى ذات المدرسة و تأخذ نفس الدروس، و هذا مايهمّهم .

توارت آثار السؤال الغريب إيّاه مع استقراري في المكان، وازدياد الوعيّ المدعوم بالتقدم في السّن … واستمر ذلك  لفترة طويلة، ولم أكد أرفل في نعيم الاعتقاد بأنّ المراحل الهادئة للتأمّل و التعمّق في الحياة قد حانت، حتي بدأت الحرب في سوريا، وحَملت إليّنا فيما حَملَت، صغائر لم يكن في الحسبان أنّها جديرة بالتعمّق بالتفكير، خاصّة بظروف الحرب العصيبة من تدمير وتشرّد وتيه وضياع انتماء

وعاد ذاك السؤال ليُطرح عليّ من جديد، لكن هذه المرّة، كان مطروحاً من السوريّين أنفسهم

 من وين إنتِ ؟ و كنت أجيبهم كالعادة، أنا من سوريا، وفي خضمّ إعادتهم لطرح السؤال، مع إصرارهم على استحصال بعض التفاصيل أو الكثير منها، عبر عبارات من نوع : منعرف إنّك من سوريا قصدي أبوكي من وين ؟ أصلك أصلك من وين؟ شو خايفة ندبحك إذا عرفنا إنتِ من وين؟ ماحدا رح يوصلّك إنتِ بالسويد ؟ جزعتُ

فقد تكشّف لي أنّ الكثير من الخوف، بات يُسيطرعلى حياة أبناء بلدي حتى وهم خارج حدوده، وأنّ ما عانوه في هذه الحرب البغيضة، التي ارتدت أثواب كل الحروب التي خيضت على مرّ التاريخ، قد لا يزول بسهولة، ولست أُنكر أنّ التاريخ قد حمّل هذه المنطقة ما لا تُطيق من بطش الحروب وصنٌاعها.. فكانت ذاكرة التاريخ الأسود تُعيد نقل ذات المشاهد في كل حرب، ناشرة الخوف ذاته 

ومع تيقُّني وعلمي بكل هذا… إلّا أنّني، وفي لحظة إجابتي عن السؤال حول انتمائي، كنت أطرد عتمة التاريخ من رأسي و أُجيب بما يتماشى مع قناعاتي و مبادئي، وقد يكون مردّ ذلك محاولتي الحثيثة دعوة السائل للتفكير خارج الصندوق .. إيّاكم والانصياع لضيق الأفق، الذي حُمِلتُم عليه بحكم كل ما يُحيط بتلك البقعة، ودعوا الإرث الأسود ليندثر.. تعلّموا الانفتاح على الحياة والمستقبل جميعاً، وتشبّثوا بما يُغني عقولكم وأرواحكم

تعلّمت، في سنيّ غربتي، كيف أصنع نفسي وأُعيد صياغة هويتي …. من   دراستي، إلى المجتمعات المختلفة التي عِشت فيها فأثّرت بي وأثّرت بها كذلك، فقراءاتي و اختلاطي بجنسيات وقوميات عديدة ومختلفة، وصولاً إلى عملي و خبراتي، تربيتي لأطفالي ….إلخ

هويتي أنا من يصنعُها، و ثقافتي هي هويتي

لا أعلم أين ومتى تحديداً، بدأت بعض الثقافات بربط هوية الطفل وتقيّيدها بهوية الأب

هويتي مطبوعة بأثر ذاكرتي وذكرياتها التي لا تُمحى، تلك التي أحملها معي أيّنما ذهبت وحيثما أقمت … فأنا أنتمي لمكان ولادتي و للنسيم المُحمّل بعبق الياسمين الدمشقيّ الذي تنشقته في بيتنا الشاميّ العتيق ؟ 

و أنتمي إلى حلب القلب التي نشأت و ترعرعت فيها، وكان لها الأثر الأكبر في تكوين شخصيتي حيث المجتمع الذي احتضن نشأتي، إذ غالبا ما يكون لذلك المجتمع الأثر الأكبر على الإنسان و تكوين هويته، وفقاً لعلماء الاجتماع

كلّنا يعلم أنّ لكلّ مدينة سوريّة خصائصها التي تسم بها أولادها بالإضافة إلى اللهجة

أنا لا لهجة محدّدة لي، أنا مزيج  سوريّ بامتياز .. والدي -الذي أُقدّس-حملت طباعه الكثير من طباع أبناء ساحلنا، وعاش، بحكم عمله ، مُتنقّلاً بين مختلف مدن سوريا، حيث اكتسب من خصال أهلها ما أحبّ وترك ما لم يتوافق وهواه، و أُميّ المولودة في زحلة، و التي عاشت بين حمص و حلب، ثمّ تنقّلت مع أبي وحلّت حيثما حلّ ..  ذلك التنوّع كان ما يُوجّهني منذ البداية، ومنه بدأت أتعلّم كيف يمكن للإنسان  أن يصنع هويته الخاصّة به دون الإلتصاق بجغرافيا منطقة مُعيّنة. فالإنسان نتاج مراحل عدّة و يحمل الوفاء و الإخلاص لكلّ بقعة عاش فيها، يُشبه في ذلك الأُمّ التي تُكِنّ الحبّ لجميع أطفالها بالتساوي غير قادرة على  تفضيل أحدهم على الآخر، فكلّهم أجزاء منها و تنتمي لهم مجتمعين، نضجت معهم وأصبحت  ماهي عليه بفضلهم جميعاً،  في سرّها فقط،  تعي حقيقة أن أحدهم يًشبهها إلى حدٍّ كبير، فلا تجعله الأثير عندها وإنّما تفخر بهذا التقارب والشبه … كما أفخر أنا، في جهري و في سرّي، بأنّ حلب هي طفلي الذي يُشبهني 

هويّتي هو ما حملته معي من عطرٍ سوريٍّ مُكثّف من كلّ مدينةٍ أحببتُها، و مزجّته بالمجتمع الجميل الذي كبرت فيه و اكتسبت أجمل خِصاله ..وما زلت اكتسب العطر وأنثره في محيطي يوماً إثر يوم ….! أليس أجمل جواب يُمكن أن يُقال بعد كل هذا الشرح أنّني ..من بلد الشبابيك المزروعة بالحبّ المفتوحة عالصدفة، من بلد الحكايات المحكيّة عالمجد المبنيّة عالإلفة ..بأنغام الرحابنة و شدوِّ فيروز ؟

هذه هي هويّتي

بقلم فاديا رستم

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

اللوحات المرفقة ادناه للفنانة و المعلمة سلام برهوم

ظاهرة مانديلا


.تأثير  ظاهرة مانديلا  تجعلنا نتساءل حتى عن أكثر الذكريات دنيوية من الماضي 

في يونيو 2019، جُعِلَ من ظاهرة مانديلا موضوعَ لغزِ الكلمات المتقاطعة الشهير في نيويورك تايمز وعُرِّفَت على أنها “تحسين حديث

 للذاكرة الخاطئة التي تشير عادةً إلى ثقافة البوب (ثقافة البوب لا تعني هنا الثقافة الشعبيّة، إنما نقصد  المواد الترفيهيّة التي تحظى بشعبيّة عالميّة)  أو مراجع الأحداث الحالية”. تم تسميت الظاهرة هذه من قبل الباحثة فيونا بروم وهي تتذكر شيئاً لا يتطابق مع السجلات التاريخية

“Febreeze” على سبيل المثال، الأشياء التي تستخدمها لجعل رائحة منزلك منعشة ليست

 أحبت بروم فكرة أن تأثير ظاهرة مانديلا، أو حتى  الآخرين الذين يزعمون أنهم يتذكرون بوضوح أحداثاً أو تفاصيل مختلفة، يمكن أن تكون دليلًا على أننا موجودون في حقائق بديلة. لسنا متأكدين تماماً من أن هذه هي الحقيقة، لكن هذه المقارنات بين الاعتقاد السائد والواقع قد تجعل فكوكنا تصطدم بالأرض أثناء الكتابة. هناك ٤٠ مثالاً مشهوراَ على هذه الظاهرة تستطيع الإطلاع عليهم هنا 

من أين أتت تسمية هذه الظاهرة؟ 

توفي نيلسون مانديلا، الذي سميت هذه النظرية باسمه، في 2013

ومع ذلك، يتذكر عدد لا يحصى من الناس بوضوح وفاته في السجن في الثمانينيات. لكن موته ليس المثال الوحيد لتأثير مانديلا. لقد كنا مخطئين بشأن الكثير من التواريخ والتفاصيل والمزيد استمر في اللحظات الأكثر شيوعاً في التاريخ

‎الحياة مثل علبة من الشوكولا

‎ليس ما قاله فورست غامب (الذي لعب دوره الممثل توم هانكس المذهل) بعيداً عن هذه الظاهرةً في الواقع

 “إذا استمعت عن كثب لجملته سوف تسمعه يقول، “كانت الحياة مثل علبة شوكولاته

بينما الجميع يتذكر و يردد قوله كالتالي : الحياة علبة شوكولاته

الذاكرة المخزّنة تخدعك 

 يمكنك استرجاع ذكرى من دماغك، لكن الوقت والتذكر غير المتكرر يمكن أن يجعلك تعيد الذكريات معًا بطريقة مختلفة قليلاً حيث لا يكون تذكرك لحدث ما تصويراً دقيقاً

 كيف يمكنك التعرف على ذكرى زائفة؟

 لن نكذب – من الصعب حقاً التعرف على ذكرى زائفة.  عادةً ما تكون الطريقة الوحيدة لمعرفة أن ذاكرتك خاطئة أو حقيقية هي دعم قصتكبأشخاص آخرين أو بأبحاث

 إذا كنت تتذكر قولاً معيناً، فيمكنك البحث عنه من موقع أو مواقع موثوقة، أو محاولة تأكيده مع الآخرين

أيضاً، قد تؤثر قدرات الأشخاص عبر الإنترنت على تغيير الصور والشعارات والأقوال على استرجاعك للعنصر الأصلي

 إحدى مشاكل إثبات قصة ما مع الآخرين هي أن الناس يميلون إلى تأكيد ما يعتقده الآخرون أنه صحيح

تجميع الذكريات الزائفة

هناك أمثلة لعدة أشخاص مختلفين يتشاركون ذات الذاكرة غير الصحيحة. تمت تسمية هذا التأثير كما ذكرنا أعلاه مِن قبل فيونا بروم، حيثوصفت بالتفصيل كيف تذكرت وفاة نيلسون مانديلا في السجن في الثمانينيات، قبل فترة طويلة من انتخابه رئيساً لجنوب إفريقيا في عام1994. قالت إنها تتذكر كيف انتهت الوفاة في وسائل الإعلام وكيف ألقت أرملته ويني مانديلا خطاباً فيما يتعلق بجنازته. الشيء الفريد هو أن الأشخاص الآخرين الذين سمعوا عن نسخة بروم وافقوا وقالوا إنهم تذكروا نفس الشيء بالضبط

‎الكون البديل

  بعض المجموعات  والتي لديها ميل للتصوف وتصديق الظواهر الخارقة،فسّـرت  هذه الذكريات ايضا وفق هذه النظرية حيث لا يمكن

 .أن تكون مصادفة

  إن تأثير مانديلا ماهو في الحقيقة الا بسبب وجودِ أكوانٍ موازية مختلفة حيث مات مانديلا بالفعل في السجن، و أنه كان للقرد نيك (لقباً) كيوريوس في الواقع ذيل وما إلى ذلك، وأن الحقائق من هذه الأكوان أحياناً “تتسرب” إلى وعينا

‎على ماذا تعتمد؟

. ‎الخطأ ويمكن تفسيره بسهولة تامة بظواهر مثل الذكريات المكبوتة والتشاؤم ‎الحقيقة أكثر واقعية، أي أن الناس غالباً ما يتذكرون 

 لكن لماذا يتشارك الكثير من الناس ذكريات خاطئة متطابقة؟ إذا تجاهلنا حقيقة أن الذكريات ليست “متطابقة” كما يُزعم،   فيمكن للمرء أن يجد أسباباً طبيعية للارتباك إذا نظر المرء إلى كل حالة على حدة

 توفي مقاتل من أجل الحرية من جنوب إفريقيا يُدعى ستيف بيكو في حجز الشرطة عام 1977

 .وربما خلطه الكثيرون مع مانديلا ، الذي جعل بيكو نموذجاً يحتذى به

‎هذه التفسيرات أكثر عقلانية بكثير مما نحصل عليه من نبضات الذاكرة من الأكوان المتوازية على الرغم من أنها ليست خيالية ومذهلة للتفكير

ونحن في مجتمعاتنا العربية قد مرّت ذاكرتنا حتماً بهذا النوع من المغالطات الناتجة عن تأثير مانديلا دون أن نعيَ ذلك،   او لم نضع يوما ما اعتقدناه حقيقة خالصة موضع تساؤل او شك.  وقد آثرنا في شبكتنا عدم تعداد أمثلة خشية أن نحرف المقال في اتجاه واحد فقط لكن وببعضٍ من التفكير سيظهر لكل منا مغالطة معينة تنبه لها الآن فقط. لا نستطيع اكتشاف ذلك إلا إذا تساءلنا وسألنا من حولنا عن أصل مانعتقد أنه حقيقة. فشاركونا اعتقاداتكم ومعرفتكم علنا نتوصل معاً إلى امثلة مشتركة

إعداد و ترجمة فريق آينيسيس
تدقيق لغوي روكسانا سيمونيه

مبادىء وأدوات التطوير الإبتكاري والإبداع الموجه – الجزء الأول

أعلى مراتب النشاط الفكري للإنسان في حياته اليومية هي الإبداع والإبتكار. في الماضي كانت هذه المرتبة حكراً على المواهب والعباقرة الذين دخلوا التاريخ بتميزهم. في أيامنا هذه أصبحت العملية الإبتكارية والإبداعية بمتناول اليد (في بعض الحالات تحتكرها الشركات) بفضل بروز منهجيات متخصصة يتم التدريب عليها وممارستها المنظمة من قبل موظفين اعتياديين، قيمة عملهم ما ينتجونه من قيم ابداعية وحلول مبتكرة للعملاء، وموهبتهم ما يبذلونه من جهد في تعلم وتطبيق أساليب ومبادىء العمل الإبتكاري التي استخرجت في القرن الماضي وتدرجت من منهجيات تطوير تقليدية إلى طرق ومنهجيات تطوير ابتكارية

المنهجيّات المتوافرة حالياً في عمليات تحديث الإنتاج الفكري والمادي، غنيّة بطرق جمع المُعطيات وتحليلها وتقديم الأفكار والحلول. على الأطراف المعنيّة بتجاوز العقبات والمشاكل على أنواعها أن تهتم بهذا النوع المعرفي فتستخدم الأفضل والأنسب ضمن عملية التطوير اليوميّة في مختلف المجالات. تتنوّع هذه المنهجيات و تتعدد خصائصها، سنستعرض بشكل سريع بعضاً منها لندخل إلى تفاصيل العمل بأهمها، المبادىء والأدوات التي يتم تداولها بشكل مُكثّف في عصرنا هذا

التراكم المعرفي والممارسة والخبرة الانتاجيّة والإداريّة  في مناح متنوعة، تقنيّة، تكنولوجية، إدارة الموارد، إضافة إلى تفكيك وحل المُعضلات التي تواكب باستمرار تقدم الحضارة الإنسانية، أدّى إلى تشكيل عدد من منهجيات التطوير

Lean Manufacturing

تم تأسيسها في شركة تويوتا، وانتشرت بشكل واسع، وتعددت أسماء مشتقاتها في العديد من الدول والشركات. كانت الغاية الأساسية من استخدامها التخلّص من العيوب التي تؤدّي إلى هدر للموارد خلال العمليات الإنتاجية في المعامل والشركات التي تنظم عملياتها الإنتاجية والإدارية المتسمة بدوريّة وتعدّد مراحلها ومستوياتها. تتألّف هذه المنهجيّة من أدوات حساب وتقييم العيوب وأنوع الهدر ثم تقوم بقياس وتقييم القرارات والحلول التي يتم تنفيذها. هناك غايات أخرى موازية، مثلا تحقيق ظروف إنتاجية آمنة ونظيفة. يمكن للمهتمين التوسع بالقراءة بخصوص بهذا الموضوع

Six Sigma 

تتخصص بتحسين نوعية إدارة الأعمال، والتخلص من المشاكل والعيوب عبر طرق إحصائية تراقب وتحدد التشوه والإنحراف الكميّ عن المعايير المطلوبة. تم تأسيسها من قبل شركة موتورولا، ثم تم اعتماد استراتيجيتها لاحقاً من قبل  شركة جنرال إلكتريك ، وبعدها نالت انتشاراًً واسعاً. كأي منهجية أخرى تقسم عملها لمراحل وأدوات، يمكن التعرف عليها أيضاً بشكل مفصّل في مصادر عدة على الشبكة

وهناك منهجيات من نوع آخر، ترتبط بشكل مباشر بالإنتاج الفكري المتميز (الإبتكاري والمبدع)، حيث انتقل مركز ثقلها من نطاق شخصيات موهوبة وعبقرية إلى مجموعات خبيرة ضمن شركات أو هيئات تنظم وتدير هذه العملية عبر استخدام مبادىء وأدوات تحليل العيوب والمسائل، ومن ثم حلها بطرق غير تقليدية. لعلّ أبرز هذه المنهجيات من حيث الشمولية والنوعية والكم المعرفي التي تتطلبها هي منهجية التريز

 TRIZ

التي استُخلصت ومورست لسنوات طويلة في الإتحاد السوفييتي، ثم انتقلت في العقود الثلاث الأخيرة إلى العالم الغربي وانتشرت بشكل واسع في معظم الشركات العملاقة في جميع القارات. يجدر الذكر أن هناك طرق منهجية أخرى اشتقت منها وأيضاً تعددت مسمياتها لخدمة أهداف ومجالات استخدام مختلفة. سندخل بتفاصيل أكبرعنها نظراً لأهمية دورها وطاقاتها الكامنة للمختصين المحليين في سوريا

منهجية التريز هي نظام معرفي نظري وتطبيقي لحل المسائل المعقدة والإبتكارية والتي يصعُب تحقيقها من خلال الأدوات والطرق التقليديّة المتاحة. طبعاً مسألة التعرف على ماهية المسائل والمشاكل الإبتكارية هو أمر في غاية الأهمية قبل الإنخراط في أي عملية تحليل ودراسة بواسطة منهجية التريز، لهذا يجب تصنيف أي مسألة ثم إعادة صياغتها بما يتناسب مع استخدام هذه الأداة أو تلك. باعتبار أن أدوات التحليل في منهجية التريز تكوّنت من خلال تدارس عدد هائل من براءات الإختراع لاستخراج قوانين معرفية عن طرق تفكير المبتكر أو المبدع خلال تجاوزه للمعضلات، فإن اتباع خوارزميات العمل الفكري يمكن لها أن تتيح عملية الإبداع الموجه لأكبر عدد من الناس، دون انتظار لحصول معجزات ما أو انتظار لإلهام أو قدرات ذهنية خارقة. وهذا يعني بأنّه يكفي للمتدرب على هذه الأدوات أن يتقن بعض المبادىء والأدوات المعرفية التي ستجد تفاصيلها في هذا المقال، حتى يتوصل لنتائج مشابهة ومنافسة لما يقوم بها المخترع أو العبقري الموهوب. هذه الخصوصية يمكن لمسها من خلال تنفيذ المشاريع الإبتكارية والتي سنتحدث عنها لاحقاً أيضاً. لكن لنبدأ أولاً بالحديث عن ثلاث مبادىء أساسية تعد قواسماً مشتركة في عمل أدوات التحليل في التريز

المبدأ الأول : التعميم ثمّ التخصّص

 هذا المبدأ يقول أن هناك كماً هائلاً من المعرفة المنظّمة في كل مجال من مجالات الأنشطة الإنساني، حيث يمكن لنا الإستفادة من المعرفة في مجال ما في حلّ مسألة تخصصية في مجال آخر مختلف. وبالفعل، إذا تعمق أحدنا فسيجد أن تلك النُظم المعرفيّة والمعلومات (سواء من مجالات فيزيائية أو تقنية) مُتاحة للإسقاط المُتَجدّد والتطبيق والإنتقال بين مواضيع ومسائل من شتى العلوم كالبيولوجيا والفضاء والنمذجة البرمجية والفكرية وحتى الإجتماعية والأدبية والفنون وغيرها. يتم إغناء أدوات التحليل بالتريز بآليات الدمج المعرفي وقواعد بيانات عن الوظائف والخصائص والنظم في مجالات مُعيّنة بحيث تكون قابلة للنقل والتوظيف في مجالات أخرى. إحدى تلك الأدوات اسمها: تشكيل وحلّ التناقضات

 المبدأ الثاني : الوصول للمثاليّة

هناك حلول ضعيفة وحلول قوية. قوة الحلول ومُدّة صلاحياتها تعتمد على كمية ونوعية خصائصها. عوامل القوة أو المثاليّة يمكن تحديدها بعلاقة بين الوظائف المفيدة والنتائج الضارة التي يقدمها حل مشكلة ما أو تحسين نظام ما آخذين بعين الإعتبار  قيمة التكلفة. كلّما كانت الوظائف المفيدة للمنتج أو النظام تفوق نتائجه الضارة، مع تقليص تكلفته، فإن مثاليته (الحل أو المنتج الجديد) تكون عالية والعكس صحيح. من جهة أخرى، يتمّ تعريف المثالية في منهجية التريز بأنها الحالة  التي يمكن الوصول لها عندما يتم تحقيق الوظائف المرغوبة من دون الحاجة لمنتج أو نظام جديد (مثلاً : المثالية تتحقق بأن تستطيع الملابس تنظيف نفسها دون الحاجة لغسلها بالغسالة أو وسائل أخرى). بالتالي، فإن أي عملية تغيير وتحسين بالنظم أو المنتجات يجب أن تسعى لتوفير عوامل القوة والمثالية

المبدأ الثالث : صياغة مفتاح المُشكلة

جميعنا يعلم أن صياغة المشكلة بشكلها الصحيح هو نصف الحلّ. لكن، ماذا يعني أن تصيغ المشكلة بشكل صحيح؟ من وجهة نظر التريز فإن صياغة المشاكل أو المسائل تمر بعدة مراحل. عادةً، وفي البداية يكون هناك صياغة لعيب أو لمشكلة ظاهرة أو لغاية يراد تحقيقها. من خلال أدوات التحليل يمكن لنا أن ننتقل بين عدد من الصياغات والمسببات الرئيسية لتلك الصياغة المبدئية والتي قد تكون مختلفة تماماً فيما بينها. بالتالي يجب حصر الطاقات والتركيز على حل المسببات الجذرية الرئيسة والتي تسمى بمفاتيح المشاكل أو المسائل (في حال تمّت صياغة مفتاح المشكلة بشكل مسألة). لكل أداة من أدوات التريز هناك طريقة ذهنية وأسلوب تعامل مع صياغة المشكلات، لكنها  نابعة جميعها من المبدأ ذاته

في الجزء الثاني من هذا المقال، سنتحدث عن أنواع المشاريع الإبتكارية وعن أدوات التطوير الإبتكاري وذلك حسب  مراحل العمل في

هذه المشاريع

بقلم د. أحمد رامز قاسو

تدقيق لغوي الأستاذة : أميمة إبراهيم

كهوف معلولا- شنا، هل سنفقدها؟

سوريا استعادت معلولا لكنها قد تفقد كهوفها الأثرية

مُقدّمة قانونية
يُقرّ قانون الآثار رقم ٢٢٢ بوجوب حماية الآثار الموجودة في كافة أرجاء الجمهوريّة العربيّة السوريّة المنقولة منها والثابتة ، الآثار المنقولة هي تلك التي صُنعت لتكون بطبيعتها منفصلة عن الأرض أو المباني ، والثابتة هي تلك المُتّصلة بالأرض كالكهوف الطبيعيّة أو المحفورة التي كانت مخصّصة لحاجات الإنسان القديم ، والصخور التي رسم أو حفر عليها الإنسان القديم صوراً أو نقوشاً أو كتابات.
وتُعتبر الآثار ، بموجب هذا القانون ، من الأملاك العامّة للدولة ، وواجب الدولة صوّنها والحفاظ عليها بما يتفق والمواد ٥ و٦ و٧ من القانون ، إذ يحقّ للدولة بموجبها إخلاء المناطق الأثرية لقاء دفع تعويض لأصحاب الارض ، وهي تمنع على المالك حق التّصرّف والتنقيب فيها ، بل وتحظر عليه إتلافها أو إلحاق الضّرر بها بأيّ شكلٍ من الأشكال

إضافة إلى ذلك ، ينصّ القانون في مواده ٩ و ١٠ و١١ على ضرورة تحديد المواقع الأثرية بغرض مراعاة حقوق الارتفاق المُتعلّقة بها ، والمنصوص عليها صراحةً في المادّتين ١٣ و١٤ ، وذلك بغرض منع البناء والترميم العشوائيّ فيها

نعلم جميعاً بأن سوريتنا الحديثة ماهي إلا امتدادٌ لحضاراتٍ مُتعدّدة ومُتجذّرة في عُمق التاريخ ، حالفنا الحظُّ باكتشاف بعض معالمها ، وبقي الكثير مدفوناً في باطن الأرض كسرٍّ لم يحن أوان كشفه بعد ، لكن ، هناك مدينة ، لطالما أدهشتنا كأعجوبة سماوية ، تجهر صخورها بكل أسرارها دونما وجلٌ من الزمان ، هناك (الحجر بيحكي ) كما كان يقول أجدادنا ، وهناك تعلّمت أن الزمن يفقد معناه أمام عظمة صخور المكان .. هناك فقط ، يمكنك أن تشهد إلتقاء السرمدي بالأبدي .. هي معلولا ، مدينة معلولا

تقبع معلولا على صخور جبال القلمون كأسطورة محفورة صامدة في وجه الزمن ، وتقع في شمال شرقيّ مدينة دمشق ، وتبعد عنها مسافة ٥٦ كم
في الآرامية تعني كلمة معلولا المدخل أو المعبر ، ويتوافق هذا الاسم وأسلوب الدخول إليها عبر فالق صخريّ ضيق ، يُطلق عليه اسم الفجّ الصخريّ ، ما أن تعبر هذا الفالق حتى ينفتح أمامك عالمٌ من السحر يعبق بالأساطير –عيسى مهنا

بيوتها البسيطة المطليّة بالكلس الأزرق تتعانق وتتراكب بتداخل شديد ، يتوه المُتأمّل لناظر إليها بين تركيبة تلك البيوت والدروب المُفضية إليها ، فالبيت الواحد ليس سوى طبقة واحدة ، وفناؤه ليس إلا سطح بيتٍ ثانّ ، كما أن سطحه معبرٌ لبيت ثالث .. ليس غريباً أن تدخل بيتاً من هذه البيوت و تسند ظهرك إلى جدارٍ صخري في إحدى غرفه ، أو أن تكتشف أن البيت بأكمله عبارة عن كهف محفور في الصخر !! الدروب مُتداخلةٌ ومُتشعّبة تنساب تحت البيوت المُعلّقة على الصخور ، وفوق الكهوف الّتي حفرها قُدامى المعلوليّون واتخذوها مساكن لهم – عيسى مهنّا

بين حنايا الصخرات الثلاث ، المُحيطات بمعلولا إحاطة السوار بالمعصم ، و المُسمّيات محليّاً ” شنا ” ،  وفي تلك الكهوف تحديداً يقبع جزءٌ هامٌّ من تاريخ البشرية والإنسانية ، حيث تتفاعل الطبيعة بجبالها وكهوفها وسهولها ، مع ما تمّ اكتشافه من آثار ثابتة وأحجار وكتابات و رسومات على الجدران وغيرها 
وفقاً للدراسات تمّ العثور في كهوف معلولا على أدلّة تُشير إلى أن المنطقة تُعدّ من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في الشرق الأوسط ، في فترة تُقدّر ما بين٥٠ إلى ٦٠ ألف سنة خلت ، حيث سكنها إنسان كرومانيون منذ حوالى ٣٠ ألف سنة على وجه التأكيد وترك لنا شواهد دلّتنا على ذلك ، ومنذذلك الحين ، والتواجد البشريّ فيها لم ينقطع في مختلف العصور الّتي توالت ، حيث واكبت وتأثّرت بمختلف الثقافات الّتي مرّت على المنطقة، من الآكادييّن إلى العمورييّن فالآرامييّن وصولاً إلى الإغريق والرومان فالحضارة العربيّة


في كهوف معلولا حكايات الأولين

بمُجرّد رؤيتك لكهوف معلولا المُعلّقة بالسماء ومغاورها المنحوتّة بروح الإنسان السّوريّ القديم وصبره وعنايته ، تقف خاشعاً أمام عظمة ذلك الإرث الإنسانيّ الذي لامثيل له
معلولا باسمها وصخورها وكهوفها تُمثّل كنز بلدنا النفيس وهديّة للإنسانيّة قاطبة
إن أكثر مايدعونا إلى الحزن هو تعرّض الآثار الّتي تحتضنها تلك الكهوف للخراب ، ونأمل أن نلفت النظر إليها للاهتمام بها وحفظها ، ولعل أهمّها معبد إله الشمس الذي يدلّ عليه عمل نحتيّ على جدار إحدى المغاور ، وهو نقش نصف دائريّ مُنجزٍ بدقّة وإتقان ، إضافة إلى نحت بديع ونادر للعُقاب السوريّ ، مُنفّذٍ بطريقة النفر ، والذي اتخذته الجمهوريّة العربيّة السوريّة شعارً لها ، كما تحتوي هذي الكهوف والمغاور على كتابات مسيحيّة يعود تاريخها إلى عام ١٧٩ ميلادي ، حيث يُرجح أن يكون المكان من أقدم أماكن العبادة المسيحيّة في العالم ، وذلك قبل صدور المرسوم الامبراطوريّ الذي سمح بالحريّة الدّينيّة عام ٣٢٣ ميلاديّ ، كما يضم المكان نقشاً للسيدة مريم العذراء تحمل الطّفل ، حُفر بطريقة النفر أيضاً ، والذي يُعتبر مثالاً حيّاً على تطوّر فن الأيقونات السوريّ عبر التاريخ

تُرى ، أنستطيع إعادة بث الحياة بتلك الكهوف ؟ والاهتمام بها لتبقى كنزاً تملكه الإنسانية عامة وسوريا على وجه الخصوص ، نفتخر بوجوده على أرضنا ، ونستقطب الزائرين والسيّاح من مختلف أنحاء العالم ، ليكونوا شاهدين على هذا المكان المعجزة

هامش

قصة النسر السوري الذي بقي منه أعداداً قليلة في الجبال المحيطة بمدينة تدمر وهو حالياً شعاراً الجمهورية العربية السورية

دمتم و دامت سوريا بخير

بقلم الفريق المؤسس لشبكة أينيسيس

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

الشركات الاجتماعية / شركات ريادة الأعمال

التقت شبكتنا أحد الشباب وهو ممن لم تطب له فكرة السفر في سنوات الأزمة وآثر البقاء يقوده الامل بما بقي وبمن بقي في هذه البلاد الى هدف لم تتوضح ملامحه بعد، لكنه حتماً يستشعر وجوده ويستلهم من ذلك طاقته للاستمرار مع فريقه في العمل

في معرض حديثنا قال لنا: أحب وطني ومجتمعي و لدي شغف لا حد له بالعمل لأجلهما لكني لدي أيضاً رغبة عارمة بالخروج عن المألوف فلا أود تأسيس (جمعية/ مبادرة/ تيار … الخ) وأرغب في الوقت ذاته بتحقيق بعض الربح الذي سيضمن لي بكل تأكيد ازدهار عملي ربما خارج الحدود دون أن اكون مستثمرا همه جني الأرباح !!! واستطرد متسائلا،  كيف يمكن جمع هذا كله  في شيء واحد؟! 

وبما تملك شبكة الخبراء من معرفة و امكانيات البحث تمكنا من الاجابة  بنعم ! يمكن تحقيق ذلك كله بتأسيس ما يسمى بالشركة الاجتماعية. فتعالوا معنا لنحملكم في رحلة سريعة نسلط الضوء فيها هذا علي هذا الشكل الابتكاري الجديد الذي يلف العالم اليوم باعتباره الشكل الأمثل لأعمال المستقبل ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتنمية المستدامة 

يعرف عن الشركات الاستثمارية قدرتها على تقديم أفضل الخدمات وأكثرها فعالية، فلم لا يتم استثمار هذه القدرة في مجالات النفع العام وأهمها المجتمع والبيئة ؟! و الاستفادة في الوقت ذاته من الميزات الضريبية التي تمنح للجهات العاملة لصالح النفع العام؟

إن امتلاك فكرة جيدة لصنع عمل / استثمار هو أمر جيد لكنه غير كافي لتحقيق استدامة عمل الشركة الاجتماعية لذلك يجب على الشركة أن تمتلك القدرة على الابتكار والإبداع. فما هي الشركة الاجتماعية و فما هي الشروط التي يجب ان تحققها حتى تتحول الى استثمار ذا أثرٍ مستدام؟

اكتسب مصطلح “المؤسسة / الشركة الاجتماعية” مكاناً سريعاً في السوق كطريقة لوصف حركة جديدة مبتكرة في مجال الأعمال وريادة الأعمال

ينبع عمل المؤسسة / الشركة الاجتماعية من مبدأ يميزه عن بقية أشكال الشركات الاستثمارية فهدف الاستثمار الأساسي ليس تحقيق الأرباح وإنما تقديم حلول لمشاكل تهم الصالح العام ويأتي المجتمع والبيئة عادة في مقدمة هذه الأهداف

غرض المؤسسة / الشركة الاجتماعية هو تحقيق مهمة اجتماعية – مثل توفير الرعاية الصحية أو مياه الشرب المأمونة للفقراء ، وإدخال الطاقة المتجددة ، وخلق فرص عمل للعاطلين عن العمل أو النهوض بمبادرات التعليم

الإيرادات المستدامة تميز المؤسسة الاجتماعية عن المؤسسة الخيرية التقليدية التي تعتمد على التمويل الخارجي كالتبرعات أو المِنَح لتحقيق مهمتها الاجتماعية

 على الرغم من أن الأرباح ليست الدافع الأساسي وراء المشروع الاجتماعي ، إلا أن الإيرادات لا تزال تلعب دوراً أساسياً في استدامة المشروع

 هذا لا يعني أن الشركات الاجتماعية لا يمكن أن تكون مربحة للغاية ، فهذا يعني ببساطة أنه عندما تكون كذلك ، فإن أولويتها هي إعادة استثمار الأرباح في مهمتها الاجتماعية بدلاً من دفع الأرباح للمساهمين في الشركة

 المشروع الاجتماعي الناجح هو الذي يوازن بين دعم المهمة الاجتماعية لمنظمتهم و تعظيم إنتاجية مشروعهم التجاري لضمان الاستدامة: الفرق بين المشروع الاجتماعي والعمل الأخلاقي

 تجدر الإشارة إلى الاختلافات الواضحة بين المشروع الاجتماعي والعمل الأخلاقي.  تتمحور المؤسسة الاجتماعية حول مهمة اجتماعية وتستخدم التجارة كأداة لتحقيق أقصى قدر من الاستدامة والتأثير.  تتمحور الأعمال الأخلاقية حول تحقيق منفعة لمساهميها ولكنها تتبع نهجاً قائماً على الأخلاق في قضايا مثل البيئة والممارسات التجارية وتنمية المجتمع

أمثلة و أنواع الشركات الإجتماعية

 اذن كما ذكرنا يتم تأسيس الشركات الاجتماعية لحل مجموعة من الاحتياجات الاجتماعية وغالباً ما تختلف في نموذجها.  نقدم لكم هنا أدناه ثلاث طرق شائعة مع بعض الأمثلة الأفضل في فئتها لكل نموذج

نموذج الابتكار

  Solar Sister 

 شركة هي مثال لشركة تتعامل بشكل مباشر مع حاجة اجتماعية من خلال منتجات مبتكرة.  تجلب الشركة تكنولوجيا الطاقة النظيفة حتى إلى أبعد المجتمعات في المناطق الريفية في إفريقيا من خلال شبكة مبيعات مباشرة تتمحور حول المرأة. ومن الشركات الاجتماعية الأخرى التي تقدم منتجات وخدمات مبتكرة لحل مشكلة اجتماعية

BioLite و Kiva و Drink Soma و FairPho

نموذج خلق فرص العمل

هي مثال على نموذج التوظيف العادل Faire

هي مثال لمؤسسة اجتماعية تخدم الصالح العام من خلال توظيف الأشخاص المحرومين بأجر عادل.  تستأجر الشركة حرفيين في العالم النامي لصنع المجوهرات التي تُباع في الأسواق الدولية ، وتوفير أجور كريمة وبرامج اجتماعية شاملة للحرفيين تبعدهم عن الفقر.  ومن الشركات الاجتماعية الأخرى التي توظف الأشخاص المحرومين لكسر حلقة الفقر

Raven + Lily ، عشرة آلاف قرية ، The Giving Keys ، Krochet Kids ، Divine Chocolate

نموذج ردّ الجميل

– Better World BooksRoma Boots /Roma Boots

‏ هو مثال لنوع ثالث من الشركات الاجتماعية التي تخدم الصالح العام من خلال رد الجميل مقابل كل عملية شراء يتم إجراؤها

 فمقابل كل زوج جديد من أحذية روما يتم التبرع بمستلزمات تعليمية لطفل محتاج.  يمنح هذا النموذج المستهلكين قياساً ملهماً وملموساً لتأثيرهم. ومن الشركات الاجتماعية الأخرى التي تعيد تدوير عمل الخير مقابل كل منتج يتم شراؤه

Sackcloth And Ashes ، TOMS ، Skyline Sock

جميع هذه النماذج تتشارك في النقاط التالية

الشغف: الرياديون لا يبادرون إلى هذا النوع من الأعمال بحثاً عن توفير سبل عيشهم، وانما هم يحققون بذلك هدفاً غالياً على القلب 

روح الفريق: الرياديون يؤسسون على عكس المستثمرين التقليديين فريقاً

اثارة حماس الزبائن: لان المشاريع تستهدف هموم الزبون مباشرة وهو ما يسهل اكتساب دعم شريحة أوسع من الزبائن على خلاف الشركات التقليدية

روح الابتكار: معظم الرياديين يجلبون معهم ابتكاراتهم التقنية الخاصة بهم الى السوق

قد يواجه رياديو الأعمال الراغبين في تأسيس شركة اجتماعية في العالم كله مشاكل عامة قد تقود للاعتقاد أن  نشوء هذا النوع من الأعمال ضمن الظروف المهيمنة في سوريا هو ضرب من المحال، أهمها الصعوبات المالية في مرحلة التأسيس باعتبارها نموذجاً يرغب على وجه الخصوص الجيل الشاب الجديد بتطبيقه والشباب قد ينقصهم بطبيعة الحال المال للتأسيس وكذلك للاستمرار في المراحل الأولى. إضافة الى الحاجة الى شبكة من الداعمين والمؤمنين بهدف الشركة لضمان استدامة عملهم. وأخيراً وليس آخراً يحتاج هذا النوع من الشركات لدعم الدولة والقانون عن طريق ترخيصها وتحديد هويتها القانونية وتأمين بيئة تشريعية حاضنة ومرافقة لها.  علماً انها تعد نموذجاً حديث الولادة نسبياً في العالم ومازالت الكثير من الدول في طور تبنيه ودمجه وترخيصه. * ألمانيا قامت بالاحتواء التشريعي فقط منذ عام ٢٠١٣

لكن ان علمنا أن بعض الأعمال القائمة في سوريا تملك بالفعل مقومات الشركة الاجتماعية التي ذكرناها وتحقق شروط نجاحها بجدارة لكنها لم تجد الا بدائل التأسيس المتاحة كشركة تجارية أو جمعية وما الي ذلك ، و نسوق من الواقع امثلة عن مشاريع نعرفها مثل: سماور و أبهة و عِنات و العديد من الجمعيات والشركات المشابهة.  قد يقودنا ذلك إلى الدعوة من خلال هذا المقال لدراسة ترخيص هذا النوع الجديد من الشركات. خاصة أن بوادر حماية هذا النوع من الاعمال ظهرت في مشروع قانون الاستثمار في سوريا و الذي يخصص امتيازات واضحة و واسعة للجهات التي تستهدف في أعمالها تحقيق النفع العام. فإن بدأنا اليوم في سوريا لن نكون آخر الواصلين حتماً 

دمتم و دامت سوريا بالف خير

بقلم الفريق المؤسس لشبكة أينيسيس

*
Social Entrepreneurs in Deutschland: Raus aus der Nische – 154.000 „junge“

Sozialunternehmer im Jahr 2017

علم الوراثة اللاجيني

《أمي لم تخبرني بشيء أبداً لكن هذا ماحصل لأبي ، أنا أعرف ذلك》

ذكرياتنا صنعت من عدة أجزاء نبلورها ونطورها من قصص نحتار تصديقها تلك القصص التي تروي مسار شخصياتنا والتي تشكل سرداً داخلياً مؤلفاً من مشاهد وخلاصات وطرائف ملونة بلمسات من الحقيقة وبعض الافتراضات

نحن نميل لاعتبار وجودنا من خلال هذه الذكريات والتي غالباً مايكون مبالغاً فيها إلا أنها تسمح لنا بفهم أساس قوتنا وضعفنا، لكن مفهوماً جديداً مثير للاهتمام يقول لنا أنه من الممكن توريث الذكريات . إذاً بعض التجارب المؤلمة والصدمات التي تعرض لها أجدادنا قد تعود لنا حاملة معها أثراً من ماضٍ بعيد وإن لم نكن جزءاً منه لكنه سيكون موجوداً فينا حتى قبل ولادتنا معلومات جديدة من شأنها أن تهيئ الأجيال لمخاوف قديمة أو لتجربة نفس الأخطار التي عاشها الأجداد والنجاة منها فمن سيقدم لنا التفسيرات ؟!

– أتذكر القصص التي رويت لي عن جدتي كيف حملت طفليها ” طفل تحت كل ذراع” حين هربت من القنابل التي أمطرت سماء مدينتها اليابانية 1945 ، جدي كان مقاتلاً يحارب في مكان آخر.  الأهوال التي أحاطت بها والشجاعة التي أظهرتها لحماية عمي وعمتي هل انتقلت إلى والدي عند ولادته ثم انتقلت إلي ؟ هل هذه الذكريات محفورة في كياني ولو بشكل جزئي هل تعود شجاعتي وربما قلقي إلى تجربة جدتي ؟ تبدو لي الفكرة معقولة ولا تخلو من الشاعرية.

هذا ما ترويه كارمن ماريا ماتشادو في قصتها القصيرة التي حملت عنوان : نجمة موجزة وخائفة (A brief and fearful star)

إن هذه الطريقة في التفكير والتحليل النفسي هي التي تجعل مفهوم هذا العلم épigénétique مثيراً للاهتمام رغم أنه حديث العهد ومثير للجدل إلا أن الخبراء يسعون في هذا المجال للإجابة على سؤال محدد لشخص ما

عندما تغير تجربة ما السمة الجينية (expression  de gène)  هل سينقل هذه التغييرات إلى نسله  وماهو تأثير هذه التغييرات على صحة وسلوك أحفاده؟

إن مثل هذه التساؤلات تحفز الخيال وتثير فكرة ذاكرة التجارب المختزنة والتي تنتقل عبر الأجيال.

épigénom التعرض للعالم الخارجي قد يؤدي إلى تغيير في

(يُشير مصطلح “ما فوق ” الجينوم ” (بالإنجليزية: Epigenome) يشير إلى سجل التغيرات الكيميائية الفوق جينية في الحمض النووي وبروتينات الهيستون لكائن حي؛ يمكن أن تنتقل هذه التغييرات إلى نسل الكائن الحي عبر الوراثة الفوق جينية العابرة للأجيال. يمكن أن تؤدي التغييرات في ما فوق الجينوم إلى تغييرات في بنية الكروماتين وتغييرات في وظيفة الجينوم، ولكن من غير تغيير تسلسل الحمض النووي على الإطلاق

ملأت الأبحاث الأولى في هذا المجال أذهان القراء بالأسئلة والاحتمالات ويمكن أن نذكر بعض هذه الدراسات التي سلطت الضوء على احتمال وجود بصمة جينية مؤلمة في أحفاد ضحايا المحرقة أو ضحايا المجاعات فهل يمكن للمرء أن يرث ذكريات عن العبودية أو الإبادات الجماعية، الفقر ، سوء المعاملة …؟

نحن نعلم أن الخصائص البشرية يمكن أن تنشأ من التعليم والفرص المتاحة أو حتى من طفرات عشوائية لكن ما نوع الخصائص التي يمكن أن تنتقل إلينا من خلال رحلة الأسلاف التي لا نعرف عنها شيئاً في كثير من الأحيان

وفقاً لعلم الوراثة اللاجينية أو فوق جينية فإن الحياة التي نعيشها اليوم متأثرة بالعوامل البيئية مثل الإجهاد والضغوط او النظم الغذائية وهي من تؤثر على المورثات البيولوجية لأطفالنا وأحفادنا كما تأثرنا نحن بأسلافنا بنفس الطريقة منذ زمن بعيد

بالعودة إلى قصة كارمن ماريا ماتشادو ” التي تتجاوز المعارف العلمية الحالية” ذكريات الأم تتردد في جسد ابنتها التي تشعر بتأثيرها دون أن تفهم طبيعتها – تتحدث مباشرة إلى القارئ- 《أعلم أن شعورنا بدا وكأننا أول من يطأ هذه الأرض لكننا تعرضنا للضرب من قبل وحوش أكثر من كونهم بشراً 》 تتحدث هنا عن تجارب لم تعشها بالفعل لكن يبدو لها أنها عاشتها بكل تفاصيلها التي ربما حملتها معها قبل ولادتها كما لو أن هذه الذكريات محفورة في خلايا جسدها  . إنه سرد قوي ومؤثر لكن العلم لم يؤكد بعد هذه النظرية لنعد معاً إلى الواقع بعيداً عن هذه القصة المؤثرة ، العلم لا يسمح لنا بعد بالتأكيد على أن جينات الطفل يمكن أن تحافظ على بقايا تجارب أسلافه أو أن الذاكرة الخلوية

البشرية يمكن أن تنتقل إلى الأجيال القادمة

{التشويق الذي يثيره علم الوراثة اللاجيني يتجاوز تقدير العلماء }

يقول الباحث جيمي هاكيت : إن فكرة أن جزءاً منا جاء من أفعال وخبرات أسلافنا هي فكرة فلسفية نوعاً ما

أجرى هذا الباحث دراسة على الفئران عام 2013 في جامعة كامبردج أظهرت أنه من الممكن أن تنتقل بعض الصفات اللاجينية في الثدييات إلى الأجيال اللاحقة ويتم ذلك عبر “epigenome” وهي شبكة من الجزئيات تلتصق بالجينات مثل الضباب الذي يلتصق بالزجاج هذه الجزئيات تنسق النشاط الجيني ويمكن أن يؤدي التعرض للعالم الخارجي إلى تغيير هذه الصفة والذي بدوره يؤثر على قابليتنا للمرض وعلى سلوكنا بشكل عام .

يسعى جزء من البحث في علم الوراثة هذا إلى فهم الأشكال المختلفة الموجودة في جيناتنا طريقة عملها والصفات التي تحملها وكيف يمكن أن تؤثر على خصائص معينة وكيف يمكن أن تنتقل عبر الأجيال ، يعتبر بحث هاكيت مهماً من الناحية العلمية فحتى الآن يعتقد الكثير من العلماء أن التغييرات التي تسببها هذه العلامات يتم إعادة تصنيعها في الثدييات نفسها ولم تنتقل إلى الأبناء ، يعمل Hacket الآن في مختبر للبيولوجيا الجزيئية ويواصل دراسة إعادة البرمجة و الوراثة اللاجينية باستخدام تقنيات CRISPR ” إعادة تحرير الجينات ” إن هذا العلم كغيره من المفاهيم العلمية المثيرة للاهتمام وللجدل خاصة عندما تتجاوز إدراك العلماء لها .

الانبهار يؤدي إلى المبالغة في النتائج

اتفق الباحثون على نقطة واحدة : هناك بعض الدراسات التي تظهر فيها الوراثة اللاجينية في النباتات والديدان والتي تنقل الذكريات والخبرات إلى نسلها حيث وجد الباحثون الذين قاموا بإجراء تعديل وراثي على الدودة المستديرة (caenorhabditis elegans  )

لجعلها أكثر ذكاء وتأقلماً بأن عرضوها لدرجات حرارة أعلى بشكل مؤقت وتدريجي مما أحدث فعلاً تغييرات في صفاتها الجينية وجعلها أكثر تأقلماً مع الحرارة  كما أن هذه الديدان نقلت هذه التغييرات إلى نسلها الذي كان أكثر ذكاء من نظرائه الآخرين دون أن يتعرض للحرارة التي تسببت في حدوث هذه التغييرات في آبائهم

أما الأبحاث التي تتعلق بالبشر وباقي الثدييات فهي أقل تقدماً بكثير مما تم إثباته في الأبحاث التي أجريت على النباتات والديدان ومع ذلك فإن الانبهار بهذا المفهوم غالباً مايؤدي إلى نتائج مبالغ فيها كما صرح جون غريلي أستاذ علم الوراثة وطب الأطفال في كلية آلبرت آينشتاين في نيويورك :

إذا تم تصديق مقال شيكاغو الشهير حول دراسة <نقل الصدمة> للناجين من الهولوكوست مثير للجدل من حيث حجم العينة المحدود التي أجريت عليها الدراسة فقد اعتمد الباحثون في كثير من الأحيان على الارتباطات دون تسليط الضوء على الأسباب والنتائج بشكل تفصيلي دقيق ، إن مفهوم الوراثة اللاجينية هو بالتأكيد موضوع خيالي شيّق وجميل لكن من السابق لأوانه التأكيد بأن البشر يرثون بالفعل تجارب أسلافهم في الوقت الحالي يقوم العلماء بجمع الأدلة قائلين لنا : امنحونا بعض الوقت

المختصين في هذا المجال لديهم فكرة واحدة وهي إيجاد الآليات المحتملة لهذه العملية

هذا النقص في الاكتشافات الحاسمة يرجع أيضاً إلى تعقيد الجنس البشري حيث لم يتمكن الباحثون من فهم مدى تأثير البيئة على الجينات لدينا وهل يمكن أن تنتقل هذه السمات إلى الأبناء في الثدييات ؟ أي منها يمكن مقاومة عملية إقصاء متكاملة لبعض الجينات والتي قد تحدث أثناء التكاثر ؟ !

إن هذه الأسئلة لا يوجد إجابات موحدة عليها فالخلافات مازالت قائمة بين العلماء ويعتقد هاكيت مثل العديد من زملائه أن بعض التعديلات تبقى أثناء عملية الإقصاء لكن لا يوجد ما يشير إلى أنها انتقلت للأجيال اللاحقة.

على صعيد آخر حتى لو تمكنت بعض بقايا الصفات الجينية من شق طريقها فليس من المؤكد أنها تمكنت حقاً من التأثير على الخصائص التي وجدت عند الأحفاد ، يوضح هاكيت

لم يتوصل الباحثون إلى إجماع حول هذه الفكرة وهذا أمر مؤكد لكننا ربما نشهد تفاؤلاً حذراً فلا خيار أمام العلماء سوى مواصلة عملهم والعثور على إجابات. الخبراء في هذا المجال لديهم شيء واحد في الحسبان وهو : العثور على الآليات المحتملة لهذه العملية

ذلك حتى نفهم بالضبط كيف يتم نقل المعلومات لكننا حتى الآن لا نستطيع القول بثقة وضمير حي أن هذه بالفعل عملية وراثة عبر الأجيال

أكبر الصناديق السوداء

في انتظار ما سوف تكشفه الأبحاث العلمية نستطيع أن نكتفي بالقصص فالخيال يساعدنا على تصور واسع للاحتمالات 《 أمي لم تخبرني أبدا لكن هذا ماحصل لأبي أنا أعرف ذلك 》 تكمل كارمن ماتشادو في قصتها 《 أحاط النهر بأبي وأمسكه بأصابع مفترسة وحمله تحت الأمواج في نصف ثانية 》 يوحي هذا الأسلوب في السرد بشعور من الألفة وكأنه مشهد من فيلم سينمائي تحضره الطفلة رغم أنها  في الواقع لم تكن موجودة لكن في أعماقها بدا لها العكس.

لا يمكننا العودة بالزمن إلى الوراء هذا أمر أكيد لن نستطيع اكتشاف عقول أجدادنا واستعادة لحظاتهم الحميمية حتى عندما نسترجع ذكرياتنا مع ذلك فإن البحث في علم الوراثة /مافوق جيني رغم كونه مازال حديثاً قد يلقي الضوء على آثار انتقال الذكريات والمشاعر كالخوف مثلاً إلى مسارات أخرى.

تحتوي قصة كارمن ماريا ماتشادو على العديد من المشاهد المؤثرة وبعضها يشير بشكل غير مباشر الى هذه العملية (الذاكرة الموروثة) حيث تشاهد الطفلة والدتها وهي تحاصر الفئران التي تخرج من شقوق الجدران في منزلهم …تنجذب القوارض إلى زيت ذو رائحة مرّة ينزلق على الألواح تمكن بعضهم من الهروب في النهاية جاءت فئران جديدة  صغيرة لاحظت لاحقاً أن نسلهم يهربون بمجرد أن يكتشفوا الزيت كما لو أن تلك الرائحة تحمل تاريخاً مروّعاً

لم نقم بإجراء اختبار يثبت أن الرائحة قد تستحضر ذكريات مرتبطة بالخوف

تتناول هذه الفقرة دراسة تجريبية قام بها الباحثان برايان دياس وكيري ريسلر في جامعة ايموري آتلانتا حيث سكب الباحثان مادة الأسيتوفينوس وهي مادة كيميائية عطرية في أقفاص مجموعة من ذكور الفئران تشبه رائحة زهر البرتقال والكرز في الوقت نفسه أرسلا صدمات كهربائية عبر أقدام الفئران حتى انتهى الأمر بالفئران إلى ربط هذه الرائحة بالإحساس المزعج وعندما أخضع الباحثون الجيلين التاليين لعطور الاسيتوفينون أظهر نسل الفئران المحفزة كهربائياً استجابة قوية للشم رغم أنهم لم يكونوا على اتصال مع آبائهم ولم يتم تعريضهم لتلك الرائحة وتلك الصدمات معاً من قبل . كان الأمر كما لو أن الخوف المرتبط بالرائحة قد انتقل إليهم ومع ذلك كما يشير دياس ربما ورثوا ببساطة فرط الحساسية لنفس الرائحة …. لم نقم بعد باختبار يثبت أن الرائحة تسبب رد فعل الخوف

لم يحدد ريسلر ودياس الإجراءات الدقيقة لانتقال هذا التفاعل مع ذلك يعتقدان أن عملية وضع العلامات فوق الجينية (مثيلة الحمض النووي) يمكن أن تفسر هذا الإرث ويدعم العديد من المختصين هذه الفرضية ( la méthylation ) هو تغيير وتعديل ذو وجهين يطرأ على المواد الكيميائية حيث تلتصق بجزيئات الحمض النووي نفسه دون أن يتغير التسلسل الحمضي لكن من الممكن لهذه الجزئية أن تعطل أو تفعّل نشاط ما على الجينات فإذا ظهرت علامات المثيلة نفسها في نفس المواقع الجينية في النسل هل من الممكن أن يرث هؤلاء نفس الأنماط أيضاً ؟ هل تأتي هذه العلامات بسبب عوامل بيئية أم تتشكل في الرحم ؟ هذه هي الأسئلة الحالية للباحثين.

يشير دياس إلى أن بعض التجارب البيئية ( كالعمر المتقدم للأب على سبيل المثال ) قد تؤثر على العلامات الجينية التي بدورها ستؤثر أيضاً على النسل المستقبلي لكن عندما ننظر إلى التجارب الماضية  كالإجهاد ، الضغوط ، تغييرات النظام الغذائي ، الهزائم ، الصدمات…..والتي ليست ملموسة بحد ذاتها اعتقد من الضروري فهم كيف يمكن لهذه التجربة غير القابلة للقياس أن تشق طريقها إلى خط الخلية وتعطينا نمطاً وراثياً إن هذا هو أكبر الصناديق السوداء هنا حقاً يتم سحب الخيوط .

دراسة جديدة على البشر والفئران

يهتم باحثون آخرون مثل لاري فيج Larry Feig -أستاذ البيولوجيا الجزيئية والكيميائية في كلية الطب جامعة Tuftus- بتأثير ال  micro-RNA الذي يمكن أن ينتج عنه تأثيرات على الجينات وفق بحث جديد يظهر حدوث تعديلات وتغييرات على سمات الجينات وقد تنتقل عبر الأجيال

في هذه الدراسة الجديدة من مختبر لاري فيج بحث العلماء micro-RNA في السائل المنوي للرجال الذين تعرضوا لسوء المعاملة أو الإهمال في طفولتهم واكتشفوا نوعين من ال micro-rna كان أقل بكثير في عيناتهم مقارنة بغيرهم ، وعندما عرّض الباحثون ذكور الفئران لعوامل إجهاد في وقت مبكر وجدوا أيضا مستويات منخفضة من نفس الحمض النووي الريبي الدقيق في الحيوانات المنوية للفئران

عندما تزاوج ذكور الفئران مع إناث لم تتعرض لهذه المواقف العصيبة كانت التغييرات موجودة في أجنة ذريتهم حتى بعد جيلين

يبقى لنا أن نرى ماهي هذه الآثار السلوكية والجسدية ؛ وجد فريق الباحثين في مختبر لاري أن ذرية الذكور المجهدة سابقاً بدت معادية وقلقة وأظهرت خصائص مرتبطة بالتوتر ؛ يقول لاري : لا نعرف حتى الآن إذا كان القلق الشديد والاختلال الوظيفي لدى ذرية الإناث للذكور المجهدين يرجع إلى التغييرات التي لوحظت في الأجنة

إذا كان هذا تغييراً مستقراً في خط البذرة إذا هو تغيير من الممكن نقله من جيل لآخر

يؤكد لاري وبدقة أن مختبره سيجري دراسة أكبر وأوسع على البشر والفئران لتعميق هذه النتائج الأولية فإذا كانت هذه التغييرات تنتقل بالفعل في البشر كما في الفئران فيجب استنتاج أنها تنتقل عبر خط المنشأ-البذرة/الجرثومة- سيكون هذا الاكتشاف مثيراً للجدل وسيطرح أسئلة من المحتمل أن تغير نظرتنا للحياة على الأرض وإذا كان هذا تغييراً مستقراً في السلالة الجرثومية والحيوانات المنوية والبويضات فهذا تغيير يمكن أن ينتقل إلى الأبد من جيل إلى جيل مما سيؤثر حتماً على مفهومنا للتطور.

توضح قصة ماتشادو الشعور الغريب الذي عشناه جميعاً في وقت من الأوقات وكأننا لمسنا سراً لا يمكن وصفه 《 لم أكن أنتمي إلى هذه الجزيرة ؛ لقد اختاروا لي طريقاً لم أكن لأختره أنا ومع ذلك سلكته ، كيف لي أن أتجاهل كل هذا ؟ هل كنت أعرف هذا من قبل ؟

أود أن أصدق أن المختصين في علم الوراثة هذا يشعرون بالشيء نفسه بأنهم في هذه المرحلة من أبحاثهم على وشك القيام باكتشاف ثوري ربما يكون قادراً على حل أحد ألغاز البشرية ومساعدتنا لعلاج أسوأ أمراضنا ، أود أيضاً أن أصدق أن أجزاء من لحظات جدتي محفورة في جيناتي إنها فكرة جميلة حقاً 》

في النهاية وحتى هذه اللحظة لا يمكن للبحث العلمي أن يعطينا إجابة حاسمة ونهائية كما يقول جيمي هاكيت :

《مازال مبكراً الإعلان عن أي شيء حالياً هذه هي الحقيقة 》 …

Erika Hayaski

ترجمة للفرنسية :

Jean Clément Nau

ترجمة للعربية :

Roxane Simonet

Note :

1- Micro-RNA : الرنا الميكروي أو ميكرو آر أن إيه أو ميكرو حمض نووي ريبوزي أو ميكرو رنا (بالإنجليزية: microRNA) ‏ هو جزيء رنا مسؤول عن ضبط التعبير الجيني.ينشأ في النواة عن طريق عملية النسخ الإنزيمي للجينات المسؤولة عن إنتاجه. يحتوي جينوم الإنسان على المئات من هذه الجينات

2- Expression de gène : التعبير الجيني التعبير الجيني  هو العملية التي يتم من خلالها استخدام المعلومات الجينية لاصطناع منتجات جينية الوظيفية. هذه المنتجات قد تكون بروتينات (يتم صنعها باستخدام المعلومات من الرنا الرسول)، أو قد تكون أحد الأنواع العديدية من الأحماض النووية الريبوزية، مثل الرنا الريبوسومي (rRNA)، الرنا الناقل (tRNA) والرنا النووي الصغير (snRNA)

مقالات ذات صلة