Tag Archives: التكافل الاجتماعي

هل نمارس في سوريا السياحة البيئية المستدامة ؟

السياحة البيئية هي شكل من أشكال السياحة، والهدف منها حماية الطبيعة من خلال مراعاة القيود البيئية للوجهة السياحية. و تختلف عن السياحة العادية في أنها تتوجه الى الطبيعة الفائقة بتميّزها. تم استخدام كلمة السياحة البيئية منذ 1980 على الأقل وفي عام 1991 أنشأت الجمعية الدولية للسياحة البيئية تعريفاً للسياحة البيئية على الشكل التالي: هي سفر مسؤول في الطبيعة و البيئات الاولية البكر التي بقيت على حالها و لم تفسدها أنشطة البشر، فالسفر المسؤول يساعد على حماية البيئات الطبيعية و التعرّف عليها ودعم رفاهية السكان المحليين واستمرار بقائهم و بقاء تراثهم.

و قد أوجدت أنظمة تصنيف الجودة للسياحة البيئة ومنها التقليل من استخدام الموارد التي تحدث تأثيراً سلبياً على الطبيعة باستخدامها كالطيران او وسائل النقل التي تعتمد على الوقود الأحفوري في السياحة البيئية. و هنا يمكن اختيار الطيران مع شركات الطيران التي لديها سياسة بيئية واضحة او استخدام أفضل البدائل الممكنة وتشجيع النقل العام. كما أن استغلال السياحة للطبيعة البكر يجب أن لا يؤثّر سلبياً على ثقافة الشعوب الأصلية المختلفة.

مصطلح السياحة البيئية هو مصطلح حديث نسبياً..تعتمد السياحة البيئية، مثل السياحة العادية، على رغبة الناس في السفر إلى أماكن خارج مسقط رأسهم والإقامة فيها أو الاكتفاء بالقيام بأنشطة فيها خلال ساعات، مع التركيز على اهتمام الناس بالبيئة والاستعداد لإلحاق أقل ضرر ممكن بها. السياحة البيئية إذاً هي سياحة بيئية واقتصادية معاً. هذا يعني أن شكل السياحة يخلق بوعي طلباً على الأنشطة التي تفي بتعريف المصطلح. ترتبط الأنشطة عادةً بالطبيعة وتسعى لإحداث تأثير إيجابي على الظروف المعيشية للسكان المحليين ، ولكن يمكن أيضاً إجراء السياحة البيئية في المدن على شكل زيارات ثقافية، طالما أن الحدث يلبي أهداف السياحة البيئية.

مثال على هذه السياحة البيئية هو أنواع مختلفة من رحلات السفاري للحيوانات التي تفيد أيضاً السكان المحليين حيث يمكن توظيفهم، على سبيل المثال، المرشدين السياحيين والسائقين وموظفي الفنادق و المطاعم. يوفر هذا مصدر دخل للسكان المحليين ويزيد من احتمالية الحفاظ على الحيوانات. الغوريلا أيضاً مثال على الحيوانات التي استفادت من هذا النوع من السياحة البيئية. الحيتان من الحيوانات الأخرى الشائعة التي ينظم لها منظمو الرحلات في السياحة البيئية رحلات السفاري.

تأخذ السياحة البيئية في الأساس بالاعتبار – للطبيعة والسكان المحليين والمستقبل. إنها سياحة تأخذ نقطة انطلاقها في المشهد الطبيعي والثقافي المحلي ، بشعبها ، والحيوانات ، والنباتات ، والصناعات ، والمواسم ، والتقاليد . و ترتكز على المصطلحات التالية: الحفاظ على الطبيعة ، والوساطة التربوية والمجتمع المحلي. فالفكرة الأساسية هي أن الجذور المحلية للسياحة البيئية تجعل السياحة محركاً للتنمية في المنطقة. هذا يعني أن أولئك الذين يرغبون في الترويج للسياحة البيئية – ونأمل أن يقرأوا هذا الكلام- يريدون الوصول الى المنتجين المحليين للأسماك واللحوم والخضروات و يفضّلون المرشدين المحليين وأصحاب العقارات وقوارب التاكسي والمطاعم وما إلى ذلك. تساهم السياحة بعد ذلك في تنمية ريفية إيجابية في نفس الوقت الذي يحصل فيه السائح على جودة أعلى بكثير في متعته السياحية والمنتجات والخدمات التي يشتريها.

يقول بلال الشايب، و هو باحث بيئي من فلسطين يعمل في مجال الطاقة المتجددة والمياه وعضو في جمعية مركز الاعلام البيئي، في مجلة تسعة للبيئة 2015 :

السياحة بشكل عام هي تجربة فريدة للتعرف على مناطق جديدة وقضاء أوقات ممتعة وأما السياحة البيئية فهي تقتضي ان يتصالح الانسان مع الطبيعة ويصبح جزء من الجهود الرامية إلى الحفاظ عليها , ولتحقيق هذا الهدف لا بد أن تقوم السياحة البيئية على عدة مقومات أهمها. التنوع البيئي للمناطق السياحية من حيث الحياة البرية او التضاريس اوالمناخات للمناطق السياحية.

إمكانية اجتياز هذه المناطق والتجول فيها بطرق بدائية مثل المشي أو استعمال الدراجات الهوائية دون الحاجة إلى استخدام وسائل حماية متقدمة أووسائل تنقل الية مثل السيارات الملوثة للبيئة. القدرة على إنشاء بعض التجهيزات اللازمة لخدمة السائحين مع الحفاظ على التوازن البيئي وعدم التأثير على أي نظام بيئي قائم في المناطق السياحية.

رفع الوعي البيئي للسائح وكذلك جعله أكثر تفاعلا مع قضايا وهموم المناطق التي يزورها. احترام الثقافة المحلية للمناطق التي يتم زيارتها وعدم المساس بحقوق السكان أو بالمعايير والقوانين المتبعة في الدولة التي تقع المناطق السياحية ضمن حدودها.

النشاطات التي تندرج تحت مسمى السياحة البيئية

هناك عدة نشاطات استكشافية تندرج تحت السياحة البيئية بالإضافة الى بعض الأنشطة الأخرى التي يمكن تحويلها الى أنشطة بيئية برغم أنها لا تندرج تحت هذا التصنيف، ويمكن اعتبار النشاطات التالية تعبيرا صريحا عن السياحية البيئية.

تسلق الجبال : ففي العالم اليوم آلاف متسلقي الجبال المحترفين بالإضافة إلى مئات آلاف الهواة الذين جربوا خوض هذه المغامرة الشيقة لاعتلاء إحدى القمم الأشهر في العالم مثل قمم جبال همالايا او قمة جبل كلمنجارو او سلسلة جبال الألب وغيرها من السلاسل الجبلية والمرتفعات الشاهقة حول العالم, ويتم الوصول إلى تلك القمم بواسطة الطاقة الذاتية للمتسلق مما يعني عدم تلوثها.

الرحلات داخل الغابات الممطرة: مثل الغوص في أعماق غابات الأمازون الاستوائية التي تعد رئة العالم, وتشمل هذه الزيارات مراقبة الأنواع الفريدة من الكائنات الحية في تلك الغابات ولا يقتصر الأمر على غابات الأمازون فهناك العديد من الغابات التي يمكن استكشاف الحياة الطبيعية الرائعة فيها.

رحلات مراقبة الحياة البرية: من طيور ونباتات وحيوانات مهددة بالانقراض وتنظم هذه الرحلات في الغالب جمعيات الحياة البرية المتخصصة بحماية الأنواع المهددة بالانقراض وزيادة الوعي البيئي بأهمية كل نوع من أنواع الكائنات الحية.

الرحلات الصحراوية: التي تهدف الى الخروج الى الطبيعة دون قيود حضارية وإقامة الحفلات القائمة على وسائل بدائية لتقديم تجربة صفاء ذهني وروحي للسائح.

رحلات الصيد البري أو البحري: الموافقة للشروط القانونية والبيئية بما يضمن عدم الإخلال بالتوازن البيئي مع دم المساس بالأصناف المهددة بالانقراض.

رحلات تصوير الطبيعة: إذ تقوم الجمعيات البيئية بتنظيم رحلات لهواة التصوير وذلك لمنحهم فرصة للاقتراب من الطبيعة وتقديم أفضل الصور لها.

المشاركة في الفعاليات الدولية البيئية: او تلك الفعاليات المحلية الخاصة ببلد معين والتي تهدف الى تسليط الضوء على بعض القضايا البيئية مثل المشاركة في يوم الأرض العالمي او في ساعة الأرض او في أي مسيرة بيئية تهدف إلى مواجهة خطر معين يحيق بنوع من الأنواع أو بإحدى الغابات والمحميات الطبيعية او غيرها.

تساهم السياحة البيئية في تطور الاقتصاد الأخضر القائم على حماية البيئة واستدامة الموارد كما تزيد من فرص نمو التعليم البيئي في الدول النامية التي تعاني من معدلات عالية من التلوث نتيجة غياب تقنيات معالجة النفايات الصلبة والسائلة وعدم تطبيق قوانين صارمة للحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية, كما تساهم في الحفاظ على المناطق الأثرية من التدهور بفعل الممارسات الخاطئة لبعض السائحين والتي تؤدي الى حرمان العالم من موروث ثقافي مهم، وبالتالي فإن للسياحة البيئية فوائد جمة لا تقتصر على البيئة بل تتعداها الى الاقتصاد والثقافة وحقوق الإنسان وهو ما يزيد فرص نموها عام بعد عام.

في النهاية نود، نحن فريق آينيسيس، أن نؤكد أن السياحة البيئة هي مصدر بيئي للإلهام و مفهوم تجاري جديد و واحد من أسرع الصناعات نمواً. فالسياحة البيئة لا تختصر فقط على زيارة الأماكن الطبيعية في حالتها البدائية للاستمتاع بالبيئة والطبيعة ،كما شهدنا في بعض المبادرات في سوريا التي تحدث مرة في السنة، و لكنها يجب أن تقوم بدعم وتنمية المناطق الريفية بما يلائم بيئتها ودعم السياحة التجارية بطريقة مثمرة و مستدامة تراعي الاقتصادات التقليدية وثقافات السكان الأصليين و تخلق جواً من الاستمرارية المتكررة. و هنا يأتي دور وزارة السياحة في دعم كل هذا من خلال توفير وسائل النقل والطرقات السليمة و النظيفة و تسهيل الوصول لهذه المناطق و نشر الوعي البيئي عند الراغبين في السياحة. و إعطاء حق الآولوية للسكان المحليين على الاستثمار و منع المنشآت السياحية الضخمة من التواجد بحيث تُفسِد البيئة البكر. و يجب أن لا ننسى أن السياحة البيئية أنها تحمي القيم الطبيعية والثقافية الفريدة حول العالم، وتسبب أضراراً بيئية أقل من السياحة الأخرى.

هل بإمكانك أن تذكر إسم لجمعية سورية تدعم السياحة البيئة ؟

فريق آينيسيس تابع جمعية سنديان و جمعية حريرنا السوري و أكتشف ان أحد اهدافهم هو من نوع دعم السياحة البيئيةخ.. هل لديك معرفة لجمعيات أخرى؟ هل تشارك بنفسك بأنشطة تدعم السياحة البيئة، و هل بإمكانك أن تذكر لنا نوع الأنشطة؟ هل سمعت عن جمعية سورية تدعم السياحة البيئية و تنال دعم من وزارة السياحة أو وزارة أخرى؟

“ما نعرفه وما لانعرفه عن هذا التعبير الغريب “الوقف

إن ما يعرف في المنطقة العربية والشرق الأوسط باسم الوقف ويرتبط اليوم ارتباطا وثيقا بالمؤسسة الدينية، تعود جذوره الى ما قبل ظهور الأديان السماوية بزمن طويل. بدأ كشكل من أشكال العمل الخيري عن طريق تكريس الأغنياء بعض أموالهم في بناء او ترميم الطرق او بيوت الرعاية الصحية أو ما كان يسمى بيوت الولادة او حتى تأسيس التجمعات السكنية. يذكر المؤرخ وعالم الاجتماع الألماني  Brogolte ان جذور الوقف في منطقة الشرق الأوسط تعود الى حقبة ما قبل الميلاد بسنوات طويلة وظهرت أشكال عدة منها في الكثير من النصوص الاثرية. فقد ترافق اسم معبد بل التدمري على سبيل المثال بوقف انشأه اهل المدينة المقتدرين لرعاية وإطعام حجاج المعبد. 

إذن ظهر الوقف بدافع ورغبة تحقيق هدف اجتماعي لمصلحة الغير كنوع من أنواع التكافل الاجتماعي لم تقتصر على مجتمع دون غيره. فقد نشأ في المجتمعات الغربية بشكل مشابه إن لم يكن مطابق. فأسس أفلاطون الى جانب أكاديميته المعروفة وقفا دام بين عامي ٣٤٧ و ٥٢٩ قبل الميلاد. و في القرون الوسطى ارتبط تأسيس الوقف ارتباطا وثيقا بالقيمة الدينية والتقوى لدى مؤسسه وهدفت الأوقاف في معظمها لخير المجتمع، أمثلة عنها أوقاف لبناء المشافي والأديرة والمياتم … الخ.

ولئن يتساءل المرء عن سبب الارتباط الوثيق بين الجهة الدينية والوقف، يُعتقد أن لارتباط الوقف بالأديان السائدة في المجتمعات عامة اعتبارات سياسية ظهرت مع ظهور تلك الأديان حيث تم تدوين الصكوك غالبا مع بداية انتشار الأديان (بدأ تدوين صكوك الوقف مع ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي). توجهت الجهات الدينية مع ازدياد السلطة والقوة في طريقها للسيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع للاستفادة من الدور والمكانة الأساسيين الذين شغلتهما الأوقاف في المجتمع ولدى أفراده، وذلك كخزينة أموال تدار بأيادي أصحاب السلطة (الجهة الدينية وممثليها). 

الوقف باللغة العربية و Stiftung باللغة الألمانية و Foundation باللغة الإنكليزية جميعها على اختلاف شكلها القانوني هي Endowing و تمثل و بشكل متقارب شكلا من أشكال حبس رأس المال الموقوف عن الاستثمار المباشر و تدويره بشكل يدر عائدات مالية تكفي لتغطية تكاليف الإدارة و لتحقيق الهدف المنصوص عليه دون تحقيق أرباح استثمارية. فالوقف بالمفهوم القانوني العام هو تسخير مبلغ من المال لتحقيق هدف اجتماعي معين ينص عليه الواقف وغالبا ما يقوم على الرغبة باستدامة تحقيق هذا الهدف للأبد أو لأطول فترة ممكنة. 

منذ بداية العصر الحديث ومع خروج الكنيسة من دائرة السلطة السياسية خرج الوقف في العالم الغربي عن طابعه الديني واكتسب صفة الحداثة وارتبط تأسيسه بمفاهيم مؤسساتية بما في ذلك الإدارة والاستثمار ويعد اليوم بشكل لا شك فيه أحد أهم مكونات ما يدعى في بعض الاقتصادات الغربية بالقطاع الثالث (وهو القطاع الغير ربحي الى جانب القطاع الحكومي والقطاع الخاص) وبالتالي حاملا لا غنى عنه من حوامل الاقتصاد في تلك الدول.  فيما ما زالت الأوقاف في كثير من دول العالم العربي تتسم ليس فقط بالتقليدية والمراوحة في المكان وإنما تم تفريغها من محتواها الاجتماعي وفقدت أثرها الإيجابي على المجتمع والاقتصاد على حد سواء. فإلى جانب ضعف التقنين القانوني الذي من دوره حماية هذه المؤسسة وكيانها القانوني من سوء الإدارة، وتأمين البيئة الملائمة لتطويرها بما يخدم حاجة المجتمع ومتطلباته المتغيرة مع تغير الزمن والظروف السياسية وحتى الطبيعية، تفتقد معظم الأوقاف القديمة لصكوك تأسيسها ما جعلها عرضة للنهب من شتى الجهات سواء ان كانوا افرادا ام ممثلين لجهات حكومية. اضافة الى الاعراض عن التأسيس إثر فقدان الصلة المباشرة بين المؤسس والوقف الذي اضحى بشكله الحالي نوعا من أنواع التبرع للدولة بالمال الموقوف ليس الا!

 تعد مساعي الدول لضم القطاع الغير ربحي لسيطرتها او تقييد حريته بشكل من الاشكال ليست بالجديدة. فهي بسبب الثقل المادي الذي تتمتع به والمفهوم الحيوي الاجتماعي الذي تمثله للأفراد كانت ومازالت مؤهلة لتكون مراكز قرار وسلطة منافسة لسلطة الدولة في القطاع المدني. وقد يأتي التقييد بعدة أشكال كتقييد حرية المؤسس مثلا في اختيار الشكل القانوني للمؤسسة الناشئة او تقييد في اختيار آلية تحقيق الهدف او إدارة رأس مال مؤسسته او عن طريق تشديد رقابة الجهات الحكومية عليها بشكل يؤثر في أدائها او يسمح بالتدخل في اتخاذ القرارات الداخلية بما يتماشى مع سياسة معينة للدولة. قد يصل التقييد الى إلغاء تام لنوع معين منها ومنع تأسيسها بالمطلق. نجد في فرنسا وسوريا مثالا على ذلك حيث منع المرسوم التشريعي رقم ٧٦الصادر في عام ١٩٤٩ تأسيس ما يدعى بالوقف الذري او وقف العائلة. مثل هذه المحاولات باءت في نهايات القرن الماضي في ألمانيا بعد جهد كبير بالفشل وبقي الوقف في ألمانيا محافظا على أشكاله المتعددة واستقلاليته المطلقة عن سلطة الدولة. 

يتمتع الوقف في ألمانيا بحرية واستقلالية يعتبرها الباحثون الألمان رغم تقدمها وازدهارها (٥٧٦ وقف جديد في عام ٢٠١٩) ما زالت في طور التحديث “المستمر”. من حيث الطبيعة القانونية نجد أن المؤسس سواء كان شخصا طبيعيا او مدنيا يملك حرية الاختيار بين شكلين  اما ان يؤسس وقفا مستقلا selbständige Stiftung  يمثل شخصا قانونيا مستقلا تعود له ملكية رأس المال المنقول إليه بالتأسيس ( المال التأسيسي /المال الموقوف) الذي تتم إدارته من قبل مجلس حسب آلية الإدارة التي يرتئيها المؤسس او وقفا غير مستقلunselbständige Stiftung  وهو يدار من قبل الوكيل او النائب ولا يتمتع بالشخصية القانونية وبذلك لا يمتلك الأموال المنقولة اليه وانما الوكيل او النائب الذي يقع عليه عبء فصل هذا المال عن ماله الخاص وإدارته  بما يتفق مع رغبة المؤسس لتحقيق الهدف النهائي الذي تم تكريس المال له. و باعتبار ان الوقف المستقل هو شخص قانوني فهو يتمتع بكل ما يتمتع به الشخص الطبيعي من حريات منصوص عليها في الدستور بما فيها حرية وهو ما لا ينكره المشرع السوري أيضا على الوقف، اذ ينص في المادة ٥٤ رقم ٣ والمادة ٥٥ رقم ١من القانون المدني بأن الوقف هو شخص اعتباري أي قانوني ويتمتع بالذمة المالية المستقلة و له نائب يعبر عن ادارته. 

بالنظر الى هدف التأسيس يملك المؤسس الألماني اختيار واحد من عدة اشكال منها الشخصية او الغيرية. فالشخصية كالوقف العائلي ويعود الريع لتقديم ميزات مادية كالمبالغ مالية أو فكرية كالمنح الدراسية مثلا لأفراد عائلته جيلا بعد جيل حسب شروط معينة.  غالبا ما يرتبط هذا النوع من الوقف بتأسيس شركة تدير المال الموقوف لتحقيق هدف المؤسس. أما الأوقاف الخيرية فهي تهدف كما تم ذكره الى تحقيق هدف اجتماعي معين يحدده المؤسس في عقد التأسيس. إضافة إلى ذلك هنالك أشكال أخرى ظهرت مع ازدياد الاهتمام بالوقف كوقف المواطنين Bürgerstiftung  او ما يدعى وقف المواطن لأجل المواطن، حيث تقوم إدارة منطقة معينة (وهم جماعة من أبناء المنطقة) بتأسيس وقف لخدمة أبناء المنطقة ذاتها. مثال: تمتلك مدينة Würzburg الباڤارية تراسات كرمة قامت بوقفها، إذ يتم صناعة النبيذ منها وبيعه ليعود ريع الإنتاج الى صالح خدمات المدينة من طرق ومكتبات وملاعب أطفال و تجهيزات مدرسية… الخ. 

تملك الدولة ككيان قانوني الحق أيضا بتأسيس الأوقاف وهو ما يسمى بالوقف العام لكن بموجب مراسيم خاصة بإنشاء هذا النوع من المؤسسات بعيدا عن مواد القانون المدني الذي ينظم مؤسسات الأفراد. يعد الوقف الذي تؤسسه الدولة كشخص معنوي من وجهة نظر الكثيرين أحد أهم أنواع الوقف الموجود على الإطلاق، ذلك ليس لكثرة عددها أو انتشارها أو ثقلها المالي وانما لأنها تشكل مثالا على قدرة الدولة على الحفاظ على الحد الفاصل الذي يفصل بين المال العام ومال الأفراد. اذ ان الدولة تستطيع أن تثبت فعاليتها في المجتمع المدني وتكرس المال وتديره بطريقة غير تقليدية لتحقق أيضا أهدافا مجتمعية دون التدخل التعسفي في فضاء حرية الأفراد الشخصية وأموالهم الخاصة. 

ما سبق ذكره من تكريس حرية الفرد المؤسس وحرية إدارة المال وتسمية الهدف لا يتجسد في آلية عمل وزارة الأوقاف الإسلامية وادارتها للأوقاف السورية. فمن يرغب ان يؤسس وقفا في سوريا يقوم بنقل المال الموقوف منقول او غير منقول في السجل العقاري في المنطقة المراد إنشاء الوقف الى اسم إدارة الأوقاف في المنطقة ذاتها اما عن طريق التبرع المباشر بوجود ممثل عن الإدارة في مقر السجل العقاري وتوقيعه على الإجراء القانوني أو عن طريق وصية تسجل لدى كاتب العدل ويتم في هذه الحالة تسجيل الأموال الموقوفة باسم إدارة الأوقاف في السجل العقاري بحكم محكمة. يمنع القانون السوري المؤسس جهارة من تسمية هدفه ولا يحق له تسمية نائب لإدارة الأموال. وكذلك لا يلزم القانون وزارة الأوقاف باحترام رغبة المؤسس، باعتبار أن الوزارة بحسب المرسوم التشريعي رقم ٢٠٤ لعام ١٩٧١ هي القيم الأول على إدارة الأوقاف عن طريق شخص الوزير الذي يكلف من يرتئيه للوكالة عنه بهذه المهمة بما فيه مصلحة المسلمين. أي ان الوقف لا يسمح بتحقيق أهداف مجتمعية غير دينية. في ظل امتداد التعصب الديني وحاجة المواطن الماسة لأبسط الخدمات ولإصلاح وإعادة تأهيل ما تم تدميره من بنية تحتية خلال عقد من الزمن و هوما لم تعد تتحمل الدولة تكاليفه في ظل الحصار المطبق، تبدو اعمال بناء وترميم المساجد و الكتاتيب و معاهد الدراسات الإسلامية هزلية الى حد كبير. فكيف لشعب ان يقاسي الامرين وهو يمتلك كما ينص القانون الناظم لوزارة الأوقاف أموالا طائلة تمتد على طول البلاد وعرضها! ولا تخرج الأوقاف المسيحية في سوريا أيضا عن الإطار الديني فهي كانت وما زالت ملكا للكنيسة التي يتبع لها المؤسس وتدار بقانون خاص ينظم توزيع ريع الأوقاف بما يرتئيه القانون ذاته. 

إن تحديد أسباب تراجع قطاع المؤسسات الغير ربحية عامة والأوقاف خاصة كغيره من القطاعات المؤسساتية في سوريا يحتاج الى الدراسات العميقة والإحصائيات التي تعمل كمؤشر لتحديد جودة عمل جهة الإدارة والرقابة والجهات المشرفة. كما يفتقر الى طرائق الإدارة الاحترافية الخاصة بالقطاع الغير ربحي والتي تختلف اختلافا كبيرا عن الإدارة الاستثمارية وعن إدارة مؤسسات الدولة. هذا القطاع يعد اليوم بأمس الحاجة الى إعادة تقييم ودراسات تحليلية جمة لتحديد مواضع الضعف والعمل عليها وعلى تبني قانون يحمي الوقف كمؤسسة مستقلة باعتبارها أحد أهم حوامل القطاع الغير ربحي وحفظ ما تبقى من الوقف كقيمة تاريخية واجتماعية لا يمكن استبدالها بقيمة أخرى. 

/ Zina Naser

  1. Borgolte (Hrsg.), Stiftungen in Christentum, Judentum und Islam vor der Moderne, 2009, S. 11.
  2. Genz/ Heine (Hrsg.), Solidarität und ziviles Engagement, (2010), S. 11.
  3. Hense/Schulte (Hrsg.), Kirchliches Stiftungswesen und Stiftungsrecht im Wandel.
  4. تؤكد المادة ١٠٠٣الفقرة ١ من القانون المدني السوري، لا يجوز إنشاء الوقف إلا لجهة خيرية