Tag Archives: الغربة

إنتِ من وين؟؟

مع كل مرة كُنت أُسأل هذا السؤال اتذكر سكيتش غنائي لفيروز في مسرحية جبل الصوان تقول فيه فيروز

بيضلوا يسألوك إنت شو إسمك؟

بتقلن إسمي فلان

ما فيك تكون بلا إسم

بيضلوا يسألوك إنت منين؟

بدك تقول منين

ما فيك تكون مش من مطرح

كانت هذه الأغنية تراودني و أبتسم مفاخرة بالجواب

!أنا من سوريا

بتُّ أدرك تماماً ما يرمون إليه عبر سؤالهم هذا، وأتقصّد من خلال جوابي، لفت انتباههم و إمهالهم، لبرهة من الوقت، ليفكروا بما أقول

نعم من سوريا! فلست أنتمي لقرية، قبيلة، أو مدينة، ولا حتى مدينة أبي، لأنّ لي أمّاً أفتخر بوجودها ككيان هام و أصيل ساهم مع أبي في تكويني، بل ربما لها الفضل الأكبر في ذلك، فأنا أنثى مثلها

فما الذي يدعوني للتعصّب لنسب أبي وطرح نسبها جانباً ؟ و لماذا أتعصّب لانتماء والديَّ و تأثير المدارس و المدن التي عشت فيها عليّ، كان أعظم من تأثير أهلي ؟

لم أتعمق يوماً ولم يشغلني هاجس السؤال الذي دأب السويديّون على طرحه عليّ، منذ بدأت غربتي بعمر صغير (١٩ عام) : من أين أنتِ؟ فالجواب كان سهلاً جداً وبديهياً إنّني من سوريا.. و هل هناك أجمل من جواب ينطلق تلقائياً بكل سلاسة دون حاجة للتفكير فيه، أنا لست من السويد إنّما أنا من سوريا

 بعد إنقضاء بضع سنوات في الغربة، بدأ بعض شعور بالغرابة بالتسلّل إلى نفسي خلال زياراتي للوطن، بدأت ألحظ استغراب البعض من بساطة واختلاف ملبسي، أو من سذاجة أسئلتي -حسب رأيهم- ، حين يبادرني سائلاً : من وين إنتِ؟ 

و كأنّها محاولة لتنبيهي إلى أنّني لا أنتمي إلى هنا …أيّا كان ما يقصده ب “هنا”، فكان الأمر يلتبس عليّ وأبدأ بالتشكّك… ؟ 

هل بت ّلا أنتمي لسوريا حقّاً ؟ 

وهل بدأ أثر البلد الآخر بالظهور عليّ، بشكل  أشدّ  وضوحاً، من أثر سوريتي! ؟ 

عندما كنت أسأل أصدقائي في السويد ذات السؤال، كانت الإجابة تأتي، غالباً، ذاكرة المدينة التي وُلِدوا أو تلك التي عاشوا فيها طفولتهم.. حتى ولو كان أهلهم موُلِدين في مدينة غيرها

عندما انتقلت مع طفلتي الأولى الى مدينة أخرى، وذلك لمباشرة العمل بأولى وظائفي الثابتة، كان زملاء طفلتي الجدد في المدرسة، يتعرفون على بعضهم البعض و يسأل كلٌّ منهم الآخر من أين أنت ؟ كان كل طفل يذكر اسم مدينته التي وُلِد فيها، و يتمازحون قائلين ( واضح من اللهجة ) مُلقين الدعابات حول لهجات بعضهم.. لم يسألها طفل من أين أنتِ أصلاً، بسبب لونها أو شكلها الذي يشي بأنّها ليست سويدية، لم يسألها أحد أو يهتمّ بأصل أبويها، لم يهتموا لنسبها لأنهم أبرياء التفكير و السريرة، و هذا ما يعمل الأهل على الحفاظ عليه تحديداً، وذلك منعاً من خلق حالة تفكّك في المجتمع. فالصديقة الجديدة هي كما هي إنسانة لها هويتها الخاصّة، و ستنضمّ إلى ذات المدرسة و تأخذ نفس الدروس، و هذا مايهمّهم .

توارت آثار السؤال الغريب إيّاه مع استقراري في المكان، وازدياد الوعيّ المدعوم بالتقدم في السّن … واستمر ذلك  لفترة طويلة، ولم أكد أرفل في نعيم الاعتقاد بأنّ المراحل الهادئة للتأمّل و التعمّق في الحياة قد حانت، حتي بدأت الحرب في سوريا، وحَملت إليّنا فيما حَملَت، صغائر لم يكن في الحسبان أنّها جديرة بالتعمّق بالتفكير، خاصّة بظروف الحرب العصيبة من تدمير وتشرّد وتيه وضياع انتماء

وعاد ذاك السؤال ليُطرح عليّ من جديد، لكن هذه المرّة، كان مطروحاً من السوريّين أنفسهم

 من وين إنتِ ؟ و كنت أجيبهم كالعادة، أنا من سوريا، وفي خضمّ إعادتهم لطرح السؤال، مع إصرارهم على استحصال بعض التفاصيل أو الكثير منها، عبر عبارات من نوع : منعرف إنّك من سوريا قصدي أبوكي من وين ؟ أصلك أصلك من وين؟ شو خايفة ندبحك إذا عرفنا إنتِ من وين؟ ماحدا رح يوصلّك إنتِ بالسويد ؟ جزعتُ

فقد تكشّف لي أنّ الكثير من الخوف، بات يُسيطرعلى حياة أبناء بلدي حتى وهم خارج حدوده، وأنّ ما عانوه في هذه الحرب البغيضة، التي ارتدت أثواب كل الحروب التي خيضت على مرّ التاريخ، قد لا يزول بسهولة، ولست أُنكر أنّ التاريخ قد حمّل هذه المنطقة ما لا تُطيق من بطش الحروب وصنٌاعها.. فكانت ذاكرة التاريخ الأسود تُعيد نقل ذات المشاهد في كل حرب، ناشرة الخوف ذاته 

ومع تيقُّني وعلمي بكل هذا… إلّا أنّني، وفي لحظة إجابتي عن السؤال حول انتمائي، كنت أطرد عتمة التاريخ من رأسي و أُجيب بما يتماشى مع قناعاتي و مبادئي، وقد يكون مردّ ذلك محاولتي الحثيثة دعوة السائل للتفكير خارج الصندوق .. إيّاكم والانصياع لضيق الأفق، الذي حُمِلتُم عليه بحكم كل ما يُحيط بتلك البقعة، ودعوا الإرث الأسود ليندثر.. تعلّموا الانفتاح على الحياة والمستقبل جميعاً، وتشبّثوا بما يُغني عقولكم وأرواحكم

تعلّمت، في سنيّ غربتي، كيف أصنع نفسي وأُعيد صياغة هويتي …. من   دراستي، إلى المجتمعات المختلفة التي عِشت فيها فأثّرت بي وأثّرت بها كذلك، فقراءاتي و اختلاطي بجنسيات وقوميات عديدة ومختلفة، وصولاً إلى عملي و خبراتي، تربيتي لأطفالي ….إلخ

هويتي أنا من يصنعُها، و ثقافتي هي هويتي

لا أعلم أين ومتى تحديداً، بدأت بعض الثقافات بربط هوية الطفل وتقيّيدها بهوية الأب

هويتي مطبوعة بأثر ذاكرتي وذكرياتها التي لا تُمحى، تلك التي أحملها معي أيّنما ذهبت وحيثما أقمت … فأنا أنتمي لمكان ولادتي و للنسيم المُحمّل بعبق الياسمين الدمشقيّ الذي تنشقته في بيتنا الشاميّ العتيق ؟ 

و أنتمي إلى حلب القلب التي نشأت و ترعرعت فيها، وكان لها الأثر الأكبر في تكوين شخصيتي حيث المجتمع الذي احتضن نشأتي، إذ غالبا ما يكون لذلك المجتمع الأثر الأكبر على الإنسان و تكوين هويته، وفقاً لعلماء الاجتماع

كلّنا يعلم أنّ لكلّ مدينة سوريّة خصائصها التي تسم بها أولادها بالإضافة إلى اللهجة

أنا لا لهجة محدّدة لي، أنا مزيج  سوريّ بامتياز .. والدي -الذي أُقدّس-حملت طباعه الكثير من طباع أبناء ساحلنا، وعاش، بحكم عمله ، مُتنقّلاً بين مختلف مدن سوريا، حيث اكتسب من خصال أهلها ما أحبّ وترك ما لم يتوافق وهواه، و أُميّ المولودة في زحلة، و التي عاشت بين حمص و حلب، ثمّ تنقّلت مع أبي وحلّت حيثما حلّ ..  ذلك التنوّع كان ما يُوجّهني منذ البداية، ومنه بدأت أتعلّم كيف يمكن للإنسان  أن يصنع هويته الخاصّة به دون الإلتصاق بجغرافيا منطقة مُعيّنة. فالإنسان نتاج مراحل عدّة و يحمل الوفاء و الإخلاص لكلّ بقعة عاش فيها، يُشبه في ذلك الأُمّ التي تُكِنّ الحبّ لجميع أطفالها بالتساوي غير قادرة على  تفضيل أحدهم على الآخر، فكلّهم أجزاء منها و تنتمي لهم مجتمعين، نضجت معهم وأصبحت  ماهي عليه بفضلهم جميعاً،  في سرّها فقط،  تعي حقيقة أن أحدهم يًشبهها إلى حدٍّ كبير، فلا تجعله الأثير عندها وإنّما تفخر بهذا التقارب والشبه … كما أفخر أنا، في جهري و في سرّي، بأنّ حلب هي طفلي الذي يُشبهني 

هويّتي هو ما حملته معي من عطرٍ سوريٍّ مُكثّف من كلّ مدينةٍ أحببتُها، و مزجّته بالمجتمع الجميل الذي كبرت فيه و اكتسبت أجمل خِصاله ..وما زلت اكتسب العطر وأنثره في محيطي يوماً إثر يوم ….! أليس أجمل جواب يُمكن أن يُقال بعد كل هذا الشرح أنّني ..من بلد الشبابيك المزروعة بالحبّ المفتوحة عالصدفة، من بلد الحكايات المحكيّة عالمجد المبنيّة عالإلفة ..بأنغام الرحابنة و شدوِّ فيروز ؟

هذه هي هويّتي

بقلم فاديا رستم

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

اللوحات المرفقة ادناه للفنانة و المعلمة سلام برهوم

الوطن الموروث و الوطن المبتكر

كان يحكي لنا والدي كثيرا عن لقاءات السوريين شبه اليومية في مغترباتهم وكم كانت أمراً لا بد منه! كان يعتبر أن سنوات دراسته في جمهورية تشيكوسلوڤاكيا لمدة ٤ سنوات كانت كفيلة أن تغني وتجذي شعلة الوطن في ذاته وتشده أكثر للعودة .. هذه الرغبة هي ما كان يدفعه وغيره من الطلاب السوريين للاجتماع بشكل دائم لصنع جسور تصلهم بالوطن في وقت الغربة المستقطع … واذكر تلك الصورة التي رسمتها في مخيلتي الطفلة … لشارع معتم بعد منتصف الليل و لنافذة منيرة بضوء خافت تنير بحياء ما حولها.. كان يقول بيقين مطلق ونوع من الفخر “نافذة مضيئة في ليل الغربة تعني أحد أمرين إما أنه طالب ڤيتنامي يعد لامتحاناته أو أنهم سوريون يتبادلون الحديث في السياسة !!!” طبعا فالسوريون محنكون بالسياسة ، فاضافة  أن هذا النوع من الاضطلاع كان موضة دارجة في كل بقاع العالم في حقبة معينة تمسكنا به نحن لسبب ما. ليس فقط بسبب موقعنا الجيوسياسي الذي شغل العالم منذ بدا التاريخ ! …فحتي قبله ، قبل  ولادة المسيح السوري فيها بزمن بعيد كنا نبحث لأنفسنا عن مكان تحت الشمس. تمسكنا ببعض الوعي الذي تحصلنا عليه كابناء تسلسل حضارات انسانية ذات اثر اذ  لم يكن هذا الوعي نظراً لمنطقتنا عفويا وسهل المنال

 و كان يسكنني الإيمان المطلق  بان هذا الوعي فقط هو ما سيحمينا في الأزمان التي لا تعرف الرحمة . وجاء عام  الاختبار الكبير في مد لا يشبهنا. ولم يستطع ما تسلحنا به من تنور ووعي وولع في السياسة ان يحمينا من آلة فرم الأوطان الأصيلة والمتفرّدة  لاستبدالها بتلك الحديثة مسبقة الصنع . وتبعثرنا في شتات البحث عن الامان  …و عن المستقبل  … وعن الذات وامسينا  و نحن احوج ما يكون لمرآة انفسنا مع السوريين مثلنا ابعد ما يكون عنهم و عن أنفسنا. امعنا  في غربتنا عن الوطن حتى ونحن نسكنه و بتنا مولعين بتعزيز الشقاق وتقزيم حجم الأوطان، وقد نصل في ذلك حد تغيير حدودها مبررين لانفسنا ان جرحنا عميق ونازف.. دون أن ندري أننا نحن من نجهد في العبث واللوث فيه مراراً وتكراراً علّه لا يندمل

 أمسى أي جدل في السياسة يبدو لي ثرثرة ممجوجة بحقد اتعجب من اين لنا أن نحمله واي موروث أورثنا إياه هذا “الوطن”؟؟! واجهد في معرض كتابتي لهذا المقال في البحث عن تعريف لهذا التعبير الذي كان جوهر الكثير من البطولات الأدبية، فمن أوديسا التي انتهت بعودة بطلها الى وطنه فيما بقي فكره هائماً خارج حدوده، الى لوركا شهيد حرية الوطن الى جبران المعذب في منفاه الاختياري ..الى كونديرا الذي سمى الحنين الى الوطن “جهلاً”  … ولا ننسى أيضاً  كل ما تعلمناه في مدارسنا من ملاحم ..اه  كم كنا نحب هذا الوطن!؟ واه كم توقفنا اليوم عن حبه؟

أصبح الوطن اليوم للكثيرين شيئاً هشاً كالبرشام في يد طفل صغير … جزعت عندما سمعت أحدهم مرة يقول “الوطن مات”! لكن ذلك حفزني للتساؤلات التي تلي خبر موت الأوطان. فإن مات وطني حقاً! ألا يعني هذا أننا قادرون على خلق وطن جديد بأدوات جديدة ومفاهيم جديدة؟! قد يكون الميت هو الفكرة الرومانسية فقط تلك التي ورثناها كما ورثنا الطبعة الدينية التي تُطبع على جبيننا بحكم الولادة دون ان نُسأل رأينا فيها وحتى عندما نبلغ سن الرشد لا يتكبد أحدهم عناء سؤالنا ما إذا كان الأمر جيدا بالنسبة لنا… هو الوطن كما علمنا آباؤنا.. لكن ألسنا نعتقد جميعاً يقيناً بأن ما علمنا إياه آباؤنا ليس صحيحا بمطلقه؟! وأنه نتاج خبرتهم و موروثهم فقط؟! واننا بخبراتنا وتجاربنا الجديدة قادرون على أن نغني أنفسنا ومحيطنا … خاصة إن كان هذا المحيط في طور تغيير جذري لا مفر منه

قد يكون البحث عن إجابات حتمية لاسئلتنا الكثيرة في زمن الشتات أصبح مضنياً، لكن يبدو من التعقل التوقف للحظة عن إرادة وجود إجابات فوجود أسئلة مفتوحة ليس عبثياً بالضرورة! فلننطلق من حاضرنا ولنختر مما ورثنا، إذ لم يخلق كله ليكون جزءاً من مستقبلنا ومستقبل أبنائنا … نحن نحمل اليوم ما نحمل.. من جروح وآلام وآمال لا تخبو في قلوبنا … نريد لهذا الكائن الغير مرئي الساكن في وجداننا “الوطن” ان يحيا وأن يحيا عزيزاً فقط … ليس لهذا الكائن سماهٌ محددة  ولا أسماء ولا يشبه أياً منا، ولا يمكن أن يُختزل لا بشخص بشريٍّ ولا بتكوين إلهيٍّ … فالوطن أكبر من ذلك كله … نحمل على عاتقنا اليوم مهمة قد تبدو شبه مستحيلة لكني لن اسلم باستحالتها طالما أملك ما أتمسك به وما اعتقد انه يستحق … وفي تلك البقعة الجغرافية المحاصرة التي تغفو اليوم بِجَزَع على الساحل الشرقي للمتوسط وتتوسد التاريخ مازال هنالك الكثير مما يستحق … 

 دمتم والأوطان بخير      

بقلم زينة ناصر
اللوحة للفنانة سلام برهوم

1مقالات ذات صلة

2مقالات ذات صلة