إدارة التغيير لتحقيق التطوّر

التغيير – ما هو ؟

نسمع كثيراً عن القيام بعمليات تطوير و تجديد في مواقع العمل.. والتجديد تحديداً، يتطلًب تغييراً بالضرورة بينما العكس ليس صحيحاً، أيّ أنّ التغيير لا يقودنا دائماً نحو التحديث و التطوير. ووفقاً للفيلسوف پول ڤالتزافيتش Watzlawick فالتغيير نوعان ، تغيير من الدرجة الأولى و تغيير من الدرجة الثانية

يٌقصد بالتغيير من الدرجة الأولى “انتقال النظام الداخلي للعمل دون تغيير النظام بأكمله، بينما التغيير من الدرجة الثانية يحصل عندما يتمّ تغيير النظام بأكمله “، إذ يطرأ تغيّر نوعيّ على نمط التفكير والعمل التنظيمي حين ذاك. غالباً ، تتولّد مقاومة كبيرة ،من قبل البعض، إزاء كلّ قرار تغييريّ

لكن ، لماذا تنشأ لدى “هذا البعض” هذه المقاومة العنيفة ؟ والتي قد تتكرّر عدّة مرات أحياناً ، دون أن يُدرك الشخص المعنيّ سبب سلبيته تجاه التغيير ؟. في الحقيقة، بالنسبة للبعض، يلجأ البعض إلى المقاومة كآليّة دفاعية، فمن خلال موقفك السلبيّ تجاه التغيير، تقوم بحماية نفسك من أيّ خيبة أمل في حال لم تسر الأمور على النحو الذي تريده. بالنسبة للكثيرين، المقاومة ردّ فعل صرف ولا فكرة أو رأيّاً مدروساً، فأنا مُتيقّن ممّا أملك لا ممّا قد أحصل عليه. يمكن أن تتجلّى هذه المقاومة بعدّة طرق وبآليّات دفاع مختلفة

من أجل الوصول إلى التطوّر و التحديث المطلوبين ، علينا أن نبدأ بتغيير نمط تفكيرنا والنظام المُتّبع معاً.. و من أجل أن نحصد ثماراً سليمة من عمليّة التغيير و ننجح في سلوك طريق التغيّر الصحيح، علينا أن نعي سيكيولوجيّة التغيير عند الافراد و نفهم الأسس النفسيّة للتغيير .

عند حدوث أيّ تغيير ، يُبدي نحو ٢،٥٪؜ من الطاقم المعنيّ تأييده الكبير ومردّ ذلك أن فكرة التطوير و الإبداع تكون قد نشأت لديه أصلاً ، ومن ثمّ ، يتم تبنّيها من قبل ١٣،٥٪؜ من المقتنعين و الراغبين بالسير قُدماً .. هنا تبدأ عملية الحوار و التخطيط و الإقناع لبقيّة المعنيين ضمن منظومة العمل ، فيلتحق بمشروع التغيير مباشرة ، نحو ٣٤٪؜ لتبدأ عملية التغيير ، بينما تبقى هناك دائماً فئة ، تقارب نسبتها ال ٣٤٪؜ ، متأخرة على الالتحاق بركب التغيير ، و تُفضّل الانتظار لعدّة اسباب ، لكنها تلتحق بالنهاية ، ليتبقّى مانسبته ١٦٪؜ من مُقاومي و رافضي التغيير ، و هي النسبة التي علينا ألّا نبذل جهداً أكبر في محاولة جذبها و إقناعها ، وإنّما علينا صرف جلّ تركيزنا وجهدنا إلى المُلتحقين الجُدد ، و الثناء على إنجازاتهم و على عملية التغيير ..

علينا إذاً ، نحن من يقود عمليّة التطوير و يعمل في إدارة التنميّة ، إدراك طبيعيّة وحتميّة وقوع الغالبيّة في حالة النكران والاستنكار عند نشوء فكرة التغيير .. لتتحوّل حالة الإنكار هذه إلى غضب و رفض يتجلّى لاحقاً بالإحساس بالخوف و القلق.. في هذه المرحلة ، تكون المؤسّسة قد وصلت إلى ملامسة قاع الشعور بالرغبة بالتغيير ، الذي تتبعه، بعد محاولات الإقناع و المشاركة، مرحلة القبول و البدء بممارسة الأفكار الحديثة و تفعيّل النظام الجديد في العمل، بعدها يُشرق فجر يوم جميل على الجميع، و كأن هذا التغيير وليد منظومة راسخة تٌمارس بكل أريحيّة منذ زمن بعيد

لذلك ، و لأنّنا نُدرك تفاصيل ما ذكرناه أعلاه، علينا ألّا نتوقّف عن تحليل كل خطوة و مشاركة نتائجها مع الفريق الذي يعمل معنا على التغيير، وذلك من أجل تعديل الخطوات في الوقت المناسب، و بمشاركة الجميع. و لأنه ليس من السهل اختراق ثقافة عمل راسخة منذ زمن في منظومة ما.. لأنّ الثقافة القديمة عادة تلتهم كلّ جديد دون أن تمنحه فرصة ليُعطيّ أفضل مالديه، و لذلك فإنّ بناء ثقافة جديدة مُتطوّرة يحدث أثناء التغيير وبمشاركة الفريق في تصحيح المسار كما أشرنا في الفقرة السابقة

إضافة إلى ما أوردناه أعلاه، علينا أن نفهم و نتعلّم سيكيولوجيّة التغيير

يُوفّر علم سيكيولوجيا التغيير رؤًى حول كيفيّة تفاعل الناس مع عمليات التغيير. “كلما ازدادت معرفتنا بالمراحل المُختلفة لعلم سيكيولوجيا التغيير ، اكتسبنا أدوات تحليل جيدة لتوجيه عمليات التغيير صوب تحقيق الأهداف المُحدّدة”, يقول پيتر دراكر – أحد أوائل المُستشارين الإدارييّن ، حتى قبل اختراع مُصطلح المُستشار الإداريّ . كتب العديد من الكتب حول ثقافة الشركات والقيادة ، ويُطلق عليه أحياناً اسم والد إدارة الأعمال الحديثّة

عند كلّ تغيير علينا مراعاة ثلاثة تحدّيات

* سويّة الموظف (كيف يُدير الأفراد داخل المنظمة التغيير ، و ماهي إمكانيّاتهم الخاصّة)

* مستوى الفريق (تحديد المجموعات التي تحتاج إلى التغيير قبل غيرها، وتقديم الدعم لها أثناء العملية)

* المستوى التنظيميّ (نهج الشركة ككلّ، و تحديد القسم، ضمن المؤسّسة أو الشركة، الذي يجب بدء عملية التغيير انطلاقاً منه)

علم سيكيولوجيا التغيير ضروريّ لفهم سبب تصرّف بعض الأشخاص، بالطريقة التي يتصرّفون بها، فور سماعهم بقرار التغيير، يجب علينا فهم الأسس النفسيّة للتغيير أوّلاً. تشمل سيكيولوجيا التغيير معرفة السبب الذي يجعل الناس رافضين للتغيير، و ذلك بالاعتماد على آليّة ردّ فعل الفرد عبر ما يفعله أو مالا يفعله على صعيده شخصيّاً، وفي الموقف الذي يجد نفسه فيه. من الأمثلة على الظروف النابعة من إرادة الفرد والتي تُؤثّر على سلوكه : الشخصيّة ومفهوم الذات والثقة بالنفس والمواقف والقيّم والمعرفة والمهارات والاحتياجات والمشاعر، بينما يمكن ضرب أمثلة دالّة على ظروف خارجة عن إرادة الفرد و تُؤثّر في سلوك، كالقيادة والنظام ومجموعة العمل والمهام والعلاقات الشخصيّة والظروف الخاصّة الأخرى. يتأثّر الفرد بالموقف الذي يُوضع فيه، لكنّه بالمقابل، يُؤثّر في هذا الموقف عبر التجربة الذاتيّة. غالباً ما يتمّ الخلط بين مُصطلح “التعلّم” و بين الحصول على المعلومات، ومع ذلك، يتمكّن الفرد من استيعاب المعرفة الجديدة، عندما يستطيع نقلها إلى الآخرين فقط. لن يُسمح بالتغيير في المؤسّسة أو الشركة قبل أن يتمّ نقل المعرفة الجديدة إلى عدد من أفرادها، الذين يأخذون على عاتقهم مسؤوليّة تطبيق التغييرات والاستفادة من الخبرة المُكتسبة. التعلّم هو، إلى حدّ كبير، مسألة اتصال وتفاعل، أيّ بطريقة أخرى هو عمليّة تعلّم الفرد بمشاركة الآخرين

كما أشرنا سابقاً ، لفهم سبب اختلاف نتائج مشروع التغيير، يجب على المرء أن يفهم الآليات النفسيّة التي تظهر بمجرد أن تُعلن الإدارة أن التغييرات قد باتت وشيكة. ما الذي يحدث لمُتلقي هذه المعلومات سواء على الصعيد الشخص أو على صعيد المجموعة ، ولماذا يحدث ما يحدث في أغلب الأحيان

صورة من محاضرة حول علم التحسين و التطوير مع التغيير، إعداد المستشارة فاديا رستم ( اقتصاد و ادارة موارد بشرية) على قناة آينيسيس على اليوتوب قريباً

شاركونا تجاربكم حول التغيّرات في مجال عملكم ! هل وجدتم صعوبة بتقبّل التغيير ؟ و كيف استطعتم تجاوز الصعوبات ؟

بقلم المستشارة الاقتصادية: فاديا رستم

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

الفاقد الكهربائي، مصادر هدر الكهرباء و تخفيض التكلفة!

يقدم فريق شبكة الخبراء السوريون آينيسس في هذا المقال، لمحة سريعة عن نتائج بحث علميّ، يتوخّى الإفادة في موضوع تنظيم الاستهلاك، والحدّ من الهدر الطاقيّ، على اعتبار أنّ التوجّه العالميّ اليوم يُركّز على الحدّ أو التخفيف من إنتاج الطاقة للحفاظ على الموارد البيئيّة، الأمر الذي سنعكس فائدة على الأفراد بطبيعة الحال.

و كنّا سابقاً قد نشرنا مقالة تضمّنت عدّة أبحاث حول الطاقة المُتجدّدة، و وجدنا في هذا البحث الحديث ما يُكمل ويُغني الأبحاث السابقة.

يهدف مشروع الماستر المُعنون “دراسة هدر الكهرباء في المنزل”. إلى تقدير ما يستهلكه المنزل من الكهرباء، عن طريق حساب ما يستهلكه تشغيل الأجهزة الموجودة فيه عادة من طاقة، بناءً على دراسة استخدام الطاقة وكفاءة هذه الأجهزة، تمّ تقدير كمية فاقد الكهرباء وتحديد أسبابه وإظهار إمكانيّة الحدّ منه عن طريق تقديم حلول .

كتب المهندس خليل محمد لآينيسيس :

في هذا البحث الأكاديميّ، قمنا بتقسيم مكامن الهدر الكهربائيّ، بشكل أساسيّ، إلى جزئين رئيسيّين، هما الجزء الذي ينشأ جزئيّاً ضمن الكابلات، والجزء الناتج في وحدات التحويل ، كما قمنا بتضمين الطاقة الكهربائيّة التي تُنتجها الألواح الشمسيّة الموضوعة في المنزل ضمن الدراسة، و قد قمنا كذلك بقياس الطاقة التي تمّ إنتاجها بواسطة الخلايا الشمسيّة لمدّة عام، ثمّ قارنّا إجمالي استهلاك الكهرباء الناتج عن تشغيل أجهزة المنزل في حال خلوّه مُطلقاً من الألواح الشمسيّة.

في الواقع، تُعدّ الأبنية السكنيّة مُستهلِكًا مُهمًاً للطاقة ضمن نظام الطاقة الكهربائيّة، وبحسب هيئة الطاقة في السويد، فإنّ الحصة الأكبر من الطاقة تستهلكها المنازل الصغيرة، و الأبنية السكنيّة والمباني. على سبيل المثال، في عام 2016، تمّ استخدام 80.5 تيراواط ساعي من الطاقة للتدّفئة وتوفير المياه الساخنة، حيث تمّ استهلاك 40٪ من الطاقة الكهربائيّة في المنازل الصغيرة، و 33٪ عبر تزويد الأبنية السكنيّة بالطاقة، واستهلاك 27٪ في أماكن العمل. و لأنّ كلفة فاقد الكهرباء الناتج عن الاستخدام في المبنى قد تكون كبيرة، كان من المهمّ معرفة كيفيّة تمديد الكابلات، والأجهزة واستهلاكها للطاقة، لتحديد مكمن الهدر الحاصل و تكلفته.

يُثبت البحث أنّ مصادر فاقد الطاقة قد ازدادت خلال عملية نقل الكهرباء واستهلاكها في الآونة الأخيرة، وذلك على الرغم من التوجّه نحو استخدام الطاقة الشمسيّة وتخزين الكهرباء المتولّدة عنها في بطاريات، ضمن المباني الحديثة، الأمر الذي بات مطلباً رئيسيّاً في الأبنية الحديثة. و مع ذلك، وحتى عند استخدام الطاقة الشمسيّة وتخزين الكهرباء في البطاريات ، يبقى ثمّة هدر للكهرباء في هذه المنشآت الحديثة. هناك مصادر مختلفة للهدر الكهربائيّ، كتلك التي تحدث عند نقل الكهرباء، عبر المُحوّلات، وكذلك في المعدّات الأخرى المُتّصلة بالشبكة الكهربائيّة. إنّ توليد الكهرباء عبر الألواح الشمسيّة، على شكل تيار مباشر، يُقلّل الفاقد الكهربائيّ، و يتمّ تخزين فائض الطاقة في بطاريات . الميزة الرئيسيّة لتركيب الألواح الشمسيّة تكمن في قدرتها على تخفيض تكلفة الكهرباء، إذا كانت الألواح الشمسيّة كبيرة بدرجة كافية، يُمكن للطاقة الكهربائيّة الناتجة عنها تزويد منزل بأكمله بالطاقة، كما تساعد الألواح الشمسيّة على تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ، ووفقاً لـ “صندوق توفير الطاقة”، يُمكن لنظام الخلايا الشمسيّة المنزليّ النموذجيّ تقليل الانبعاثات بنحو 1.3 إلى 1.6 طن سنويّاً.

الغرض من البحث تقدير فاقد الطاقة في المنزل، عبر استخدام الخلايا الشمسيّة جزئيّاً، ودون خلايا شمسيّة في الجزء الآخر، والإبلاغ عن حجم الخسارة في الكهرباء، من خلال معرفة مقدار الطاقة الكهربائيّة التي تستهلكها الأجهزة الكهربائيّة وجمع البيانات وملفات تعريف الحمولات وحساب استهلاك الكهرباء في أوقات مختلفة .

الأسئلة المطروحة في البحث:

ما مصادر هدر الكهرباء في المنزل ؟

للهدرعدّة اشكال لكنّ أهمّ ما تمّ أخذه بعين الاعتبار في هذا التقرير كان مقطع الكابلات والموصلات في المنزل ، حيث تلعب دوراً رئيسيّاً في رفع كميّة الخسائر الكهربائيّة في أيّ بناء سكنيّ، كذلك تلعب المحوّلات دوراً في الخسائر الكهربائيّة من خلال تحويل التيار التردّدي ( المُتناوب) إلى تيار مُستمر و العكس بالعكس

من أجل تقليل الخسائر في وحدات التحويل وفي الكابلات، وفقاً لدراسة أجريت في RISE، من الممكن تنفيذ أنظمة LVDC (التيار المنخفض للجهد المباشر) من أجل تجنّب خسائر معينة. هناك عدة أنواع من LVDC يمكن استخدامها.

______________

ما الطرق الكفيلة ، عند استخدامها، بتقليل فاقد الكهرباء؟

توجد عدّة طرق للتقليل من هدر الكهرباء في المنزل نذكر منها : تغيير مساحة المقطع العرضيّ للكابلات والموصلات في المنزل، فكلما كانت مساحة المقطع العرضي للكابلات كبيرة، كلما قلّ فاقد الكهرباء عبر الكابلات، والتي تتجلّى على شكل خسائر حراريّة ناتجة عن مرور تيار كهربائيّ عالٍ عبر مساحة ضيّقة في الكابلات. كذلك يمكن تقليل الفاقد الكهربائيّ عن طريق اعتماد نظام توزيع موحّد.

إنّ فكرة التوليد والاستهلاك باستخدام التيار المستمر هي نتاج فكرة نظام التوزيع الموحّد، و بالتالي تكلفة أقل عند استخدام الأدوات الكهربائيّة وطاقة مهدورة أقلّ، مما يساعدنا على الحصول على الكفاءة المطلوبة. ويمكن تنفيذ هذه الأفكار في الابنية القديمة أيضاً، فهي ليست حكراً على الأبنية الحديثة، وذلك من خلال وصل وسائل الطاقات المُتجدّدة (كالطاقة الشمسيّة مثلاً) بأجهزة الاستهلاك مباشرة، أيّ من المنبع إلى جزء الاستهلاك، و هذا يتّضح من خلال تقليل التحويلات الناتجة عن التيار المتردد و التيار المستمر. هناك مشاكل قد تطرأ على نظام التحويل المُوحّد كأن يكون لدينا جهد عالٍ في بعض الحالات ، و نستطيع حماية الاجهزة التي نستخدمها مثل التلفزيون و الكومبيوتر والتي تستهلك ما بين ٥٠ إلى ١٠٠ واط ( جهد قليل) ، من خلال استخدام محطة توزيع مُتعدّد على شكل كابل ، تُوزّع على تيار عالٍ و تيار مُنخفض وموصلات ذات ثلاث أسلاك ثنائية القطب، وهو خط يُوزّع للجهد العالي والجهد المنخفض معاً .

————————————

كيف يبدو تأثير الفاقد الكهربائيّ مع وجود الخلايا الشمسيّة ومن دونها ؟

لاستخدام الطاقة الشمسيّة أثر كبير في تخفيف الهدر الكهربائيّ ضمن المنازل، وذلك من خلال توصيل التيار الكهربائيّ المُستمر إلى أجهزة الاستهلاك مباشرةً، بنظام التوزيع المُستمر، حيث تُجنبنا هذه العملية حدوث تحويلات كهربائيّة من شأنها زيادة الفاقد الكهربائيّ

بقلم: المُهندس خليل محمد

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

LVDC = Low Voltage Direct Current التيار المباشر منخفض الجهد للمنازل

ثقافة الاستهلاك

الافتقار إلى القدرة الشرائيّة للكماليّات يُعدّ أولى المؤشرات على الأزمات الماليّة التي قد تعصف بالبلاد، أو تلك التي تترافق والحروب، وهو أمر مؤلم بالفعل، خاصّة إذا ما امتد الأمر ليشمل أطفال العائلة و احتياجاتهم التي لا يمكن غضّ النظر عنها كالملابس مثلاً ! لكن، لو ألقينا نظرة على مُحيطنا لرأينا شعوباً تعيش الرفاهيّة إلى حدّ ما، وتتوافر لديها القدرة الشرائيّة، لكنها، ولأسباب عدّة، اتجهت نحو التقليل من شراء الملابس، وذهبت أبعد من ذلك إلى حدّ الامتناع عنه. هل سمعتم عن الصيام عن شراء الكماليّات لمدّة سنة مثلا؟! ما هو السبب يا ترى !؟

مُؤخّراً، طرحت شركة الألبسة العملاقة هينّيس و موريتز لزبائنها،

أكياساً ورقيّة خاصّة لحمل مُشترياتهم من محالها، حيث ستُلاحظ مدى الذكاء الذي ينطوي عليه تصميم هذا الكيس، فهو يجذبك فوراً للبحث عن لغتك الأمّ بعد اكتشافك لوجود كتابات بلُغات مُختلفة. بعد البحث، ستجد تلك الجملة التي تقول : ارتد الملابس، و اعتني بها، ثمّ قمْ بإعادة تدويرها .

التوجّه الأن، وحتى في الدول الغنيّة، نحو التّقليل من الاستهلاك و ردع ثقافته التي تُفسد متعة التّواجد الذهني الآني في هذه الحياة، الأمر الذي يُعدّ مؤذياً للطبيعة و مناخ كوكب الأرض، وذلك بسبب ما تُنتجه هذه الصناعات من نفايات و غازات مُدمّرة لحياة الأرض.

الأيدلوجيا الخضراء :

وفقًا لمبدأ الأيديولوجيا الخضراء، يجب أن يتمّ دعم عملية تغيير سياسات المجتمع الاقتصاديّة بكافّة الأشكال، فالمجتمع الحالي الذي أدمن الاستهلاك، لا زال لا يأخذ بعين الاعتبار محدوديّة موارد الأرض، و التي باتت اليوم شبه مُهدّدة بالزوال. على سبيل المثال، غالباً ما يتمسّك مؤيدو الأيديولوجية الخضراء بالسلبيّة تجاه الاستخدام غير المُستدام للموارد الطبيعية، مثل إزالة الغابات أو صيد الأسماك بمعدّل أعلى من مُعدّل النمو الطبيعيّ لهذه الموارد، لذلك فإن أتباع الأيديولوجية الخضراء غالباً ما يُؤيدون القيود المفروضة على استخدام الموارد الطبيعية، فوفقاً للأيديولوجيا الخضراء، يجب السماح للطبيعة باستعادة مساحاتها التي سُلبت منها لحساب النشاطات البشريّة، ولذلك، على البشر التقليل من طمعهم بالطبيعة، الأمر الذي سيُساعد على الحدّ من آثار البشر السلبيّة على محيطهم البيئيّ بشكل جذريّ.

ما الذي يٌمكننا عمله كأفراد لأداء الأدوار المُناط بنا القيام بها من مواقعنا، دون انتظار إملاءات المسؤولين البيئيّين أو الاقتصاديّين، أو حتّى السياسيّين ( وهم غالباً آخر القوى الفاعلة التي تعكس في نهاية المطاف ردّ فعل المجتمع ) ؟.

ثقافة الاستهلاك :

تُمثّل صناعة الأزياء مصدر ما يصل إلى عشرة بالمئة من انبعاثات الغازات المُسببة للاحتباس الحراري العالمي ، وفقاً لـ forskning.se.

وقد صرحت أليسيا أغنيسون، مُمثّلة “الفايكنج” مُؤخّراً، بأنّها لم تشتر ملابس مُنتجة حديثاً خلال العامين الأخيرين، وأردفت أنّها تُريد المُضي قُدماً بالانسحاب من الموضة الاستهلاكيّة السريعة، وصولاً إلى الموضة المُستدامة. خزانة ملابس اليسيا أغنيسون مليئة بالملابس القديمة والمُستعملة ..

تأمل أليسيا أغنيسون الآن في أن تكون مصدر إلهام للآخرين، لإعادة التفكير في سياسة الاستهلاك عندما يتعلق الأمر بالملابس .

“أتلقّى العديد من الرسائل من أشخاص حول العالم، يخبروننّي فيها كيف بدأوا بإتباع سياسة استهلاكية بشكل أكثر استدامة .

إنّه لشعور رائع أن تكون قادراً على المساهمة في مثل هذا التغيير” .

تقول الخبيرة في صناعة الأزياء هيلينا واكر، الرئيس التنفيذي لشركة Trade Partners للأزياء في استوكهولم :

– لقد فعلت ذلك بالتأكيد، لطالما كانت اليد العاملة موجودة ، لكنّها اليوم أكثر من مُجرّد متاجر تقليديّة للأشياء المُستعملة .

وفقاً لـ واكر، يُمكنك العثور على أزياء مُستعملة في كلّ مكان، بدءاً من مجموعات الفيسبوك وبعض المتاجر – مثل فيليپا كي و نودي – وصولاً إلى خزانات الأصدقاء والأقارب .

ووفقاً لتقرير صادر عن موقع Thredup الأمريكي للأشياء المُستعملة ، واستناداً إلى أرقام صادرة من شركة التحليل Global Data، فقد نما سوق السلع المُستعملة بمُعدّل 21 مرة أسرع من نمو سوق متاجر الملابس العاديّة في السنوات الثلاث الماضية .

و تقول السويدية يوهانّا غوستافسون : “على مدار العام الماضي، طوّرت فكرة عمل، حيث أقوم بخياطة وبيع مآزر ملابس الأطفال المُلوًنة، وذلك بفضل منحة حصلت عليها من مركز الثقافة في مدينتي، وقد تمكّنت من بدء المشروع ، حيث يذهب نصف الدخل لصالح صندوق سرطان الطفولة. الفساتين التي أُُخيطها تخضع لمنهجيّة الاستدامة. والآن، بدأت في خياطة ملابس الخريف و الملابس الواقية من المطر، حيث يمكن قلبها

على وجهها الداخليّ لتبدو قطعة مختلفة، كما بالمقدور إطالة الأكمام بما يتناسب ونمو الأطفال. أريدها أن تتناسب مع أحجام عدّة، وأن تدوم لفترة أطول.

يُفضّل مُستهلك اليوم بوعيه الجودة على التصميم، إذا كان عليه الاختيار بينهما .. مقياس الجودة يرتبط غالباً بالاستدامة، أي أنً على المُنتَج أن يحتفظ بمواصفاته الأصليّة على المدى الطويل، فلا يحتاج المُستهلك إلى استبداله أو رميه بعد فترة قصيرة من الاستخدام.

ما أنتجتُه خلال السنوات العشرين الأخيرة ، مما يمكن تسميته ب fast fashion، لم يكن ُمتمتّعاً بصفة الاستدامة، فكان ُمنتجاً استهلاكيّاً جدّاً ، بحيث يتمّ رميه وشراء غيره بعد فترة وجيزة ، الأمر الذي أدّى إلى حدوث مُشكلة تراكم نفايات من الأقمشة المصنوعة من الألياف الصناعيّة غير القابلة للتّحلّل .. تنبّهت كُبرى شركات الملابس الاستهلاكيّة إلى هذه المُشكلة، و تبنّت توجُّهاً جديداً للعمل على تخفيف تراكم نفايات مُنتجاتها ، وذلك عن طريق استعادة ملابس ماركاتها التالفة من المُشتري، وإعادة تدويرها وتصنيعها بعد إتلافها… لكن هذا لم يكن كافياً للكثيرين، لضمان الجودة والاستدامة المطلوبتين، فماذا عن تدوير الملابس قبل إتلافها؟! ولا نقصد بذلك إعادة بيع الملابس المُستعملة فقط بل تغيير الملابس والأقمشة التي ما زالت مُحافظة على جودتها ، وتحويلّها إلى مُنتج جديد بالكامل .. هذا الاتجاه الجديد لاقى صدىً طيّباً خلال السنوات الأخيرة، وذلك على خلفية البحث الدائم عن الاستدامة وتخفيف خطر تلّوث المياه العذبة بالكيميائيّات التي تُستخدم في الصناعة، والمياه المالحة التي تنقل السفن بحمولتها الضخمة من أقاصي الأرض، حيث تتوافر اليد العاملة الرخيصة، إلى أسواق أوروبا وأميركا. إنّ عملية إعادة تدوير الملابس upcycling لا تتطلّب عملاً يدوياً حرفيّاً فقط، بل وجمالياً يتمّ تنفيذه غالباً في مشاغل محليّة تجمع ببن ظهرانيها عدداً من الخيّاطات والخيّاطين الذين يقومون بالعمل والإشراف على كلّ قطعة على حدى ، بدءاً من التصميم وحتى آخر درزة .. وبهذا، يضمن هذا النوع من الأعمال، لاحماية الأرض من تبعات الإنتاج المتعسف فقط، وإنّما الحفاظ على مهنة الخياطة ومُزاوليها المحليّين أيضاً، يُضاف إلى ذلك إنتاج قطع مُميّزة وفريدة لا تُشبه غيرها على الإطلاق …

إليكم بعض الأمثلة عن شركات اعتمدت هذا النوع من العمل ، وحققّت نجاحاً عالميّاً :

http://www.aluc.eu Aluc

Manomama http://www.manomama.de

SuperFashion Rainbow Camp superfashionrainbowcamp.de/

Water to Wine berliner-stadtmission.de/water-to-wine/

milch.tm/milch-boutique/ Milch

المطلوب توافر رؤية مُشتركَة ، إذا أردنا النجاح في تغيّير ثقافة الاستهلاك. يُمكننا الاجتماع معاً، لخلق ما يكفي من الحركة لتغيّير الطريقة التي نعيش وفقّها، إذا فهمنا فقط ما هو على المحكّ. الوعي آخذٌ بالازدياد، لكنّه غير كاف ِ دائماً. يبدو أنّ انعدام الأمن الاقتصاديّ، والخوف من البطالة والمشاكل الصحيّة يُهيمن على تفكيرنا، ويُثير مخاوفنا الآنيّة ، لذلك دعوّنا نختبر أنفسنا مع كلّ قرار نتّخذه عندما نشتري مُنتجاً! ولنسأل أنفسنا هل يُمكننا إعادة تدوير ما اعتدنا على شرائه ؟ هل يُمكننا البحث في السوق عن ما هو قديم ومناسب لفكرتنا الخاصّة بإعادة التدوير؟

بقلم الفريق المؤسس ل آينيسيس

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

الاقتصاد ما بعد جائحة كورونا 2019 ، دروس وعبر

في عام 2020 ، تضرر اقتصاد الهند  الذي كان يُعدّ ، و لسنوات عدّة ، الأسرع نمواً وخامس أكبر اقتصاد في العالم (بعد الولايات المتحدة ، الصين ، اليابان وألمانيا) ، و انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة بلغت 7,7 بالمئة خلال العام المالي 2020-2021 بسبب كورونا كما ألحقت جائحة الكورونا أضراراً اقتصادية هائلة بدول العالم المصنفة بأنها غنيّة ، و الأمر الّذي لم يكن من الممكن   توقع حدوثه قبل عام 2019 . ففي ذلك الوقت ، كان الاعتقاد بأن الڤيروس الجديد سيشكل خطراً أساسياً على البلدان ذات “أنظمة الرعاية الصحية الضعيفة” أودى فيروس كوفيد -19 ، في كل من الولايات المتحدة وأوروبا ،  بحياة أكثر من 400 ألف شخص حتى الآن

تباطأ النمو الاقتصادي خلال  الربيع الماضي في تلك الدول ، ليعاود نشاطه الآن ، ولكن بنصف السرعة المعهودة في تلك الدول ، بعد أن اجتاحتها الموجتان الثانية والثالثة من الوباء ،  ويُضاف إلى ذلك تكاليف اللقاحات التي يجب تأمينها لتعود دورة الإنتاج و تحريك عجلة الاقتصاد المطلوبة . و لكن ، وبعدما  أصبحت اللقاحات الآن حقيقة واقعة ، تعتري عملية الإنتاج والتوزيع مشاكل كبيرة حتى الآن ، حجزت البلدان الغنية ، التي يسكنها مليار نسمة من سكان العالم ، 4 مليارات جرعة من اللقاح ، و تم تخصيص 625 مليون جرعة فقط ، للدول الفقيرة والدول النامية ، و التي تتفوق من حيث عدد السكان على الدول الغنية بأضعاف مضاعفة . في أوروبا والولايات المتحدة ، سيُنجز التطعيم بالكامل بحلول الخريف. ومن المتوقع أن تستغرق عملية التطعيم ، عدة سنوات ، في أجزاء واسعة من نصف الكرة الأرضية الجنوب :تُرى ، هل تدرك الدول الغنية أن اقتصادها سيزداد سوءاً إذا لم تعمل على توفير اللقاح للدول الفقيرة أيضاً !؟

:دعونا نستعرض مايلي

أولاً: إن ضمان توفير اللقاحات ليس مجرد واجب أخلاقي ، بل إن ذلك يصبّ في مصلحة الدول الغنية

 في الأجزاء الأكبر من العالم ، حيث يُسمح للفيروس بالانتشار بحرية ، يزداد احتمال خطر حدوث طفرات جديدة ففي الأشهر الأخيرة ، أُجبرنا على معاينة مخاطر الطفرات في ڤيروس كورونا ، وقد أثبتت الوقائع الأخيرة أن الڤيروس “بنسخته البريطانية” أشد شراسة و قابلية  للعدوى ، ويُعتقد أنه يقف وراء الانتشار المتزايد في العديد من الدول . في جنوب إفريقيا والبرازيل ، تم تحديد أنواع أخرى مثيرة للقلق.. وكما صرح رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس مراراً وتكراراً ، “لا أحد سيكون بأمان إلا عندما يصبح الجميع آمنين” ، فإن اقتصاد الدول لن ينمو بالشكل المطلوب ، سواءً كان ذلك  يعود إلى

  إجراءات  الاغلاق الحكومية أو لأن الناس أنفسهم يختارون البقاء في المنزل خوفاً من العدوى  ثانياً: تضررت اقتصادات الدول الفقيرة والمتوسطة الدخل بشكل خاص بسبب ضعف القدرة على الحفاظ على استمرارية عجلة الإنتاج والعمل  وهو ما أثر بشكل مباشر على مجمل العملية الانتاجية في البلاد 

يُقدّر صندوق النقد الدولي أن الوباء سيكون ، بحلول عام 2022 ، قد أدى إلى خسارة في الناتج المحلي الإجمالي تزيد قليلاً عن 2 بالمئة تقريباً في الولايات المتحدة ، و ما يزيد قليلاً على 2,5 بالمئة تقريباً. في أوروبا ، أما في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا – باستثناء الصين واليابان – فستتجاوز الخسارة عتبة 6 بالمئة 

 كما يُظهر تقريرٌ جديدٌ لمنظمة الصحة العالمية ، أن انتعاشاً ضئيلاً في اقتصادات البلدان النامية سيصيب الدول الغنية أيضاً ، ويتجلى بانخفاض الطلب على شركات التصدير لديهم

 ثالثاً، يضاف إلى ذلك مخاطر أزمات الديون ، التي نتجت عن ارتفاع معدلات الاقتراض ، والتي اضطرت العديد من الدول الفقيرة إلى اللجوء إليه خلال فترة الوباء ، وهذا يمكن أن يخلق موجات تضرب الأسواق المالية العالمية  في أوروبا والولايات المتحدة أيضاً

إنّ الدرس الّذي لا مفر من تعلمه ، تقريبا ، من جائحة كورونا ، هو أنه يجب على البلدان جميعاً إعادة تطوير نظام الرعاية الصحية 

 ففي تقرير حديث ، صدر منذ أيام ، قدّم فريق باحثين ، تابع للاتحاد الأوروبي ، في بروكسل تقريراً يُوضح أن السبب وراء الارتفاع الكبير في عدد الوفيات أثناء جائحة كورونا ، كان تقديم الدول الدعم الأكبر لافتتاح مراكز الرعاية الصحيّة الخاصة على حساب العامة ، الأمر الّذي أدى الى تقليص ميزانية الدولة الخاصة بقطاع الصحة العام ، و توفير الفرصة المريحة  للخاص ، الذي تملّص من مسؤولياته أثناء جائحة كورونا ، حيث لم تستطع المشافي العامّة تقديم الرعايّة لمحتاجيها كما يجب ، ففي التقرير قال أوليڤر هوديمان ، الباحث و رئيس مجموعة الباحثين التي أعدّت التقرير : ” تقوم المستشفيات الخاصة بجنيِّ الزبيب من الكعكة ”  مؤخراً ، أعلنت الهند في ميزانية السنة الجديدة ، عبر وزيرة المالية نيرمالا سيتراما عن مضاعفة الجهود ليتم استثمار مايعادل 2 % من إجمالي الناتج المحلي في الرعاية الصحية

ماذا عن سوريا  ، التي عانت حرباً خلال العشر سنوات الأخيرة و لازالت تعاني؟  لقد خسرت العديد من أطبائها و من الطاقم الطبّي الّذين أصبحوا  خارج البلاد ، هل تستطيع تأمين اللقاح لمواطنيها ؟ ، هل سيساعدها الحلفاء في تأمين اللقاح لتعود دورة الإنتاج ؟ ، هل ستعمل الحكومة  على تطوير الرعايّة الصحيّة و زيادة ميزانيتها ، متخذة الهند مثالاً جيداً يُحتذى به ، للاستفادة من درس جائحة كورونا ؟ ، خاصة و أنّ الرعاية الصحية في بلادنا غير كافية ، وعفا عنها الزمان ؟ هل ستعمل وزارة الصحة على استقطاب واجتذاب الأطباء المغتربين للعودة و العمل في قطاعها ؟ ، هل سترفع وزارة الصحة سويّة المشافي العامة لتنافس الخاصة ، و تحافظ على خبراتها داخل البلد و ضمن القطاع العام ؟ ، 

!فاقتصاد البلد يتعافى بتعافي مواطنيه

بقلم المستشارة الاقتصادية فاديا رستم

Website Built with WordPress.com.

Up ↑