Tag Archives: سوريا

الطاقة الشمسية و الكهروضوئية


تُعدّ الطاقة الشمسية إحدى أنواع الطاقات المُنتجة لعصب الحياة (الكهرباء)، والتي شاعت تحت مُسمّى الطاقات البديلة لأشكال الطاقة التقليدية كالنفط والغاز، وفي بعض البلدان الطاقة النوويّة. لكن يختلف الأمر بالنسبة للبلدان النامية، حيث يصحّ تسمية هذه الأشكال الجديدة من الطاقة بالطاقة المُساعدة، ذلك أنّها غير قادرة بسبب الظروف الصعبة المحيطة، أن تكون بديلاً كاملاً عن النفط والغاز، على الأقل في المدى المنظور والمتوسط، هذا يُدلل على أهمية السير بهذا الطريق لخلق طاقات مُساعدة ومتنوّعة من أجل تقليص الاعتماد على مصادر لاتزال السبب في خوض حروب إقليميّة ودولية باهظة الكُلفة على مستهلك الطاقة الأخير، أي المواطن

عندما يتعلّق الأمر بالطاقة الشمسيّة، فإنّنا نرى توافر الفرص لأيّ دولة في ثلاثة مجالات رئيسيّة : حقول شمسيّة واسعة النطاق، تطبيق الطاقة الشمسيّة اللامركزيّة والعملاء من القطاع الخاص الذين يقومون بتركيب الألواح الشمسيّة على أسطح منازلهم. هناك طرقٌ مُختلفة لمساعدة المواطنين على هذا الانتقال إلى مشهد طاقة أكثر لامركزيّة و إتاحة الفرصة لإنتاج الكهرباء المُتجدّدة الخاصّة بهم

حقول شمسيّة واسعة النطاق

تتمثّل الفرصة الأولى في تطوير حقول كهروضوئيّة واسعة النطاق، خاصةً وأنّه يمكن الاستفادة من الوضع الحاليّ حيث تتوافر النيّة للقيام  بإعادة الإعمار، و تمكين البنيّة التحتيّة الحاليّة بما يتناسب و إيجاد  حقول كهروضوئيّة، من الأمثلة على ذلك حقول الطاقة الشمسيّة ٥ ميغا واط في مزرعة الرياح پارك ساينوغ في ويلز، والتي أصبحت  في عام 2017 جاهزة للعمل

مثال آخر هو تطوير حقول هارينغڤليت في هولندا، وهي حديقة هجينة للطاقة المُتجددة حيث يتّم تطوير ستة توربينات رياح وألواح شمسية وبطارية معاً، وربطها بالشبكة عبر نفس الوصلة، وقد تمّ تشغيل هذه الحقول المُختلطة للطاقة المُتجدّدة في عام 2020

مثال أخر من بولندا، حيث تمّ إنشاء طريق للدرّاجات الهوائيّة وغيرها، يعتمد على مبدأ تخزين الطاقة الشمسيّة وتحويلها لمصدر إنارة بلون أزرق ناعم خفيف وكافٍ لإنارة الطريق ل10 ساعات

إنتاج الطاقة اللامركزيّ

بالإضافة للاستثمار في الطاقة الشمسيّة على نطاق واسع، تستطيع الدول بمؤسساتها الخاصّة بإنتاج الطاقة، تسهيل إنتاج الطاقة اللامركزيّة على مستوى الاستهلاك للعملاء من الأفراد والشركات، الأمر الذي سيخلق خدمات طاقة جديدة حيث تُقدّم الدول حلولاً تلبي احتياجات العملاء وتُمكّنهم من إنتاج واستهلاك كهرباء عبر الخلايا الشمسية الخاصة بهم

العملاء ينتجون الكهرباء الخاصّة بهم

اعتماداً على الألواح المحليّة، ويمكن دمج أنظمة التخزين المنزليّة مع أنظمة الألواح الشمسيّة، الأمر الذي سيُقلّل من استخدام الكهرباء اعتماداً الشبكة بأكثر من 30٪ غالباً، ومن هنا أصبحت مؤسسات الدولة الخاصّة بإنتاج الطاقة في البلدان الأوربية لاعباً مُهمّاً في مجال مُساعدة عملائها المحلييّن على إنتاج الكهرباء المّتجدّدة الخاصّة بهم مباشرة من خلال أسطح منازلهم، وذلك عبر ارشادات و نصائح يتّبعونها لاختيار أنظمة الألواح الصحيحة

تنمية إنتاج الطاقة الشمسيّة

في عام 2017، تم تركيب ألواح تُنتج أكثر من 100 غيغا واط من الطاقة الشمسيّة حول العالم، حيث أصبح إنتاج الكهرباء يعتمد على  حصّة مُتزايدة من الطاقة الشمسيّة. و هذا أمر مُبَشِّر لإنّه يُشير إلى توافر خبرات و نتائج نستطيع الاستفادة منها عمليّاً لا نظريّاً فقط، وذلك عبر زيارات استطلاعيّة و بحثيّة لأماكن تواجد تلك التجارب مثلاً

كيف تُؤثر الطاقة الشمسيّة على البيئة ؟

ينشأ التأثير البيئي، بشكل أساسي، عند تصنيع الألواح الشمسيّة، فتشغيل محطات الطاقة الشمسيّة خالٍ من الانبعاثات، وبالتالي فإن إنتاج الألواح وزيادة الاعتماد على الطاقة المُتجدّدة سيؤدي إلى تأثير  أقل سلبيّة على البيئة، ولكن يوجد أيضاً استخدام للموارد أكثر كفاءة وعمليات إنتاج أكثر جودة، وكمثال على أسلوب و طريقة يعتمدها خبراء ناجحين في مجال إنتاج الطاقة الشمسية، قيامهم بدراسة وتحليل دورة الحياة، وذلك لمراقبة الجوانب والآثار البيئيّة للطاقة الشمسيّة، ما يمنحنا بيانات بيئيّة لكل من الأنظمة الكهروضوئيّة الحاليّة للاستخدام الخاص والمُتغيّرات واسعة النطاق

لذلك ينبغي على كلّ مؤسسة معنية بإنتاج الطاقة في أيّ دولة  أن تضع العديد من الشروط الصارمة لدى اختيار مُورّدي الألواح الشمسيّة والمُحوّلات. إن التشديد على المُطالبة بالجودة والديمومة هو أحد تلك الشروط، وينطبق الشيء نفسه على الظروف التجاريّة والقانونيّة. يجب على المُورّدين الامتثال لقواعد السلوك الأخلاقيّة الخاصّة والتي تضمنها الدولة لمواطنيها و شركاتها أيضاً

إنّ اعتماد الطاقة المُتجدّدة كمصدر لتوليد الطاقة على نطاق واسع، مطلوب لتحقيق هدف البيئة النظيفة، و تحقيقه يتطلب توافر مساحات واسعة، سواء على الأرض أو في البحر

تتناوب الألواح الشمسية وخطوط الزراعة – مثال من هولندا

– يتكوّن الحقل من صفوف من الألواح الشمسيّة تتخلّلها خطوط مزروعة بمحاصيل مختلفة ، تعتمد أسلوب الزراعة العضويّة، الأمر الذي يعني تركيب ألواح الشمسيّة بعدد أقل بكثير من المعتاد لكل هكتار ، كما تقول آن ماري شوتين ، رئيسة قسم تطوير الطاقة الشمسيّة في هولندا. نحن نستخدم الألواح الشمسيّة من كِلا الوجهين للتأكّد من الاستفادة الكاملة والكافية من مصدر الضوء . يلتقطون الضوء المُنعكس من التربة والمحاصيل والصفوف المُجاورة، ويستخدمونه لإنتاج الطاقة الشمسيّة، بالإضافة إلى ذلك، يتمّ تدوير الألواح بحيث تتبع أشعة الشمس، ما يؤدي إلى تعاظم الإنتاج. من المُتوقع أن تبلغ سعة الحقول 0.7 ميغا واط

تتبّع الشمس

خلال أربع سنوات من المشروع سيمبزون الهولندي المذكور اعلاه، تمّ تطوير خوارزميّة لتتبّع الطاقة الشمسيّة، وذلك من قبل منظمة الابتكار، والغرض من ذلك هو متابعة الإنتاج الزراعي وإنتاج الطاقة ودراسة تأثير خطوط الزراعة والتنبّؤات الجويّة ( التغيّرات المناخية ) وأسعار الطاقة وظروف التربة، وإذا أمكن، سيتمّ تحسين الخوارزميّات بالتعاون مع الشركة السويدية الوطنية لإنتاج الطاقة ڤاتينفال مع آيريس هوغيسكول 

بالإضافة إلى ذلك، تتمّ مراقبة تأثير نظام التتبّع الشمسيّ على المحاصيل والأمراض وقابلية استخدام المزارع من قبل آيريس هوغسكول، أكبر مزرعة عضويّة في هولندا، و هيموس، وهي مؤسّسة تعمل من أجل الانتقال إلى الزراعة التي تأخذ حماية البيئة في عين الاعتبار أكثر . يتمتّع الطرفان بخبرة واسعة، بالفعل، في مجال زراعة الخطوط

الطاقة الشمسيّة في مجال انتاج الوقود

حقّقت الصين ابتكاراً مُذهلاً وذلك بتحويل الطاقة الشمسيّة إلى وقود سائل، من خلال مشروع يُنتج منتجاً سائلًا يحتوي على 99.5٪ من الميثانول ، وفقًا للتلفزيون الصيني. النجاح،الذي تحقّق في يناير عام 2020 ، وحصل مُؤخرًا على تغطية الاعلامية، هو المحاولة الأولى، على النطاق العالمي،  للتجميع المباشر للوقود الشمسيّ. وقال التقرير، نقلاً عن خبراء، أنّ المشروع، إذا تمّ تشغيله بكامل طاقته، يُمكنه إنتاج 1500 طن من الميثانول سنويّاً، وأنّه يستهلك 2000 طن من ثاني أُكسيد الكربون ويُولّد 15 مليون كيلوواط / ساعي من الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسيّة

والجدير بالذكر أنّ الطاقة الإنتاجيّة السنويّة للميثانول ، تبلغ في الصين حوالي 80 مليون طن، وفي عام 2019، شكّلت انبعاثات ثاني أُكسيد الكربون من الصين  29 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية.  إذا تمّ استخدام الوقود الشمسيّ لتصنيع الميثانول، فيُمكن تقليل انبعاثات مئات الملايين من الأطنان من ثاني أكسيد الكربون كل عام

بعد هذه الجولة السريعة والبسيطة حول العالم، والتي تناولت مجال تطوير استخدام الطاقة الشمسيّة، يهمّنا كفريق آينيسيس أنّ نُشدّد على أهمية حوكمة الدولة لهذا القطاع، و تعاونها مع القطاع الخاص بحيث تُقدّم للمواطنين أفضل الأنظمة، و تمنع  توريد الألواح الرديئة

فعندما تحتكم الدولة إلى القانون في مجال إنتاج الطاقة، تستطيع  تقديم الخيارات الأفضل للسوق الوطنيّة، و تعطي الخيارات الصحيحة للمواطن،  مما يُعزّز الثقة بين الحكومة و المواطن، ويمنع السوق الفاسدة من خداع المواطن و هدرالمال العام،  بالإضافة لحماية المستهلك

هذا ويجب التنويه إلى أن الخبراء في مجال الطاقات المتجددة يتضاربون بآرائهم حول جدوى الإنتقال المباشر والسريع من استخدامات أنواع الطاقة التقليدية إلى الطاقات المتجددة على اعتبار أن الثانية تستخدم الأولى في دورتها الإنتاجية (تصنيع البطاريات، والألواح وغير ذلك من المواد التي يجب تصنيعها بالمعامل والتقنيات المعهودة). هذا يعني أن الجدوى البيئية قد تكون غير مثبتة بشكل كامل وعلى المدى الطويل

دمتم و دامت سوريا بكلّ خير

الفريق المُؤسّس لآينيسيس

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

ماذا عن المهارة السورية بالنفخ في الزجاج؟

قد انتابتني السعادة وغمرني شعور بالفخر كسورية عندما قرأت في عدة مجلات علمية خاصة بصناعة الزجاج السويدي، ذلك أن موطن حرفة صناعة الزجاج الأول هو سوريا. وهو ما شجعني للقيام برحلة سياحية لمنطقة مشهورة بمعامل صناعة الحرف اليدوية للزجاج على الطريقة السورية الأولى (النفخ في الزجاج)، في مقاطعة سمولاند. في سمولاند، المجتمع الذي بُنيت فيه هذه الحرفة و توسعت اكتسبت إسم مملكة الزجاج، فيها أقدم معمل لصناعة الزجاج في السويد “كوستابودا” ولا تزال تستخدم الطريقة الحرفية اليدوية الأولى. المنطقة واسعة تقع في جنوب وسط السويد غنية بالبحيرات و رمالها و غاباتها التي استغلت منذ القدم لصناعة الزجاج كما قام سكانها على استغلال الطبيعة و شلالات المياه فيها لتوليد الطاقة للمعامل فيها

فكرة بناء معمل صناعة الزجاج بالنفخ تبلورت في عام 1736.. بعد استكمال شروط البناء و الموافقات نشأ أول مصنع في السويد عام 1742.  تستمر هذه الصناعة حتى يومنا هذا بالتوسع  و يصل عدد زوارها الى مليون زائر سنوياً فقط في فصل الصيف. عند زيارتك للمنطقة التي يقع فيها المعمل تستطيع زيارة المعمل الأول وفيه قسم يعد كمتحف لاولي الادوات و المكاتب التي تم استخدامها و للزجاج المصنوع.  تستطيع زيارته دون آجر.ولمن يرغب من الزوار بمعرفة أعمق  يستطيع حجز موعد مخصص  لجولة معرفية حيّة داخل المعمل مقابل دفع أجر بسيط.  يرافقك في الجولة مرشد/ة سياحية تتلو عليك معلومات غنية عن تاريخ المعمل و طريقة عملهم، بينما أنت تستمتع أثناءها في مشاهدة حية لصنع قطعة زجاجية من بداية  مراحلها وحتى نهايتها ( انظر الى الصور المرفقة) .  في قسم أخر تستطيع أيضاً حجز موعد خاص لك مقابل أجر لتتعلّم قليلاً مبادئ الحرفة و تجرّب بنفسك يوماً أو يومين صنع الزجاج كنوع من الاستجمام و صناعة الفن و ربما تتشجع على دخول مدرسة مهنية لتتعلم الحرفة فعلاً.  و لمَ  لا؟!  ففي السويد يوجد ثانوية لتعليم حرفة صناعة الزجاج و فنّه.. تستطيع أيضاً حجز ساعة مقابل أجر لصنع قطعة زجاجية تحت إشراف و مساعدة أحد الحرفيين و تنفخ زجاجتك بنفسك و تشكل الشكل الذي يروق لك لتأخذ لاحقاً قطعتك الفنية التي صنعتها كذكرى من هذه الزيارة.. كنت ارى العائلات و الأطفال خاصة يستمتعون في هذه المشاركة وأعلم أن الأجور التي دفعوها تدعم الحرفة و نقابة الحرفيين و تسعد الزوار لتقرّبهم من منتجات بلدهم للحفاظ على إرثهم الوطني.. وإلى نفس المساحة الجغرافية في سمولاند  تستطيع الدخول دون أجر لمشاهدة غاليري يُقام فيها على الدوام عروض اعمال فنية لفناني الزجاج السويدين

في نفس المنطقة و التي كانت مجتمع وقرية صغيرة و بسيطة تحوّلت الى اجمل مكان سياحي يكتظ بالأفكار الجميلة التي تستثمر المكان لدعم الحرفة. فهناك محلات لبيع الزجاج بأسعار منافسة  لباقي الأسواق في المدن السويدية وهناك سفاري بالقرب منها تقصده العائلات التي تود  ترفيه أطفالها و التعرّف على حيوانات الغابة عن قرب في نفس وقت زيارة معامل الزجاج و هناك هوتيل كل مافيه من الزجاج و كأنك تسكن في غرف زجاجية و إقامته مميزة و جميلة. إضافة إلى محلات أخرى افتتحت لتعرض منتجاتها بأرخص من باقي المدن، كعامل جذب للزوار الذين سيشترون منتج المنطقة بسعر أقل من بقية الأسواق مما يوفّر على الزائر و تمنحه مكسب أكبر من خلال زيارته للمعمل

تحدثنا المقالات المعرفية كما  شرحت أيضاً لنا المرشدة السياحية هناك، أنه أثناء الثورة الصناعية و دخول معامل اوتوماتيكية لصناعة الزجاج تراجعت الحرفة صناعة الزجاج، كما غيرها من الحرف التي تتطلب جهداً و وقتاً للصناعة. فكان الزجاج الصناعي أرخص. هذا دفع نقابة الحرفيين بالتعاون مع الدولة على ايجاد افكار ابتكارية لدعم الحرفة واستمرارها لتنافس الصناعي. فجلبوا فنانين مشهورين من بلدهم و أعطوهم مهمة خلق أساليب جديدة لتقوية هذه الحرفة فقام هؤلاء الفنانون بوضع رسمهم على الزجاج و توقيعهم وخلق أشكال و صناعات تدخل في منتجات جديدة مما ساعد على خلق لهفة عند الشعب لاقتناء هذه المنتجات و منها ما أصبح سعره مقبولاً لاقتنائه  في منزل سويدي بسيط 

طوال زيارتي هناك سكنني تساؤل تلقائي عن وضع هذه الحرفة في بلدي الأم  وكيفية انتشارها و الدعم القائم لها. خاصة ان ذاكرتي عنها لا تحمل الا صور الزجاج المنتشر في الأسواق من الصناعة المستوردة أو الخزفيات التي تُعرَض في اماكن الخمس نجوم التي يرتادها السياح، وقد يقتنون منها ربما قطعة زجاجية سورية للذكرى، فسارعت عند عودتي لقراءة و معرفة المزيد عن هذه الحرفة في سوريا! ا

صدمت  عندما علمت أنه لا توجد في سوريا الا عائلة واحد من ثلاث إخوة  تعمل في مشغلها القائم في أطراف دمشق الشرقية، في خان الزجاج. عائلة الحلاق هي العائلة الوحيدة التي بقيت تتوارث  هذه المهنة وهي  تصارع اليوم لبقائها بالرغم أن أطفالهم يرفضون تعلمها، فهي لم تعد مجدية مادياً

صحيح أن الحرب على سوريا دفعت هذه المهنة للتراجع لعدم توفّرالطلبات الكافية. و لكن الحقيقة ايضاً أن هذه الحرفة أُهملت تماما حتى قبل الحرب ولم تتلقِ الدعم الكافي الذي يضمن استمرارها او تنشيطها و توسعها.. هناك الكثير من التصريحات التي نقرأها في الصحف السورية المحلية أو من تصريحات المسؤولين في وزارة الصناعة خلال فترة الحرب واليوم تتحدث عن اهتمام  الحكومة بدعم الصناعة و الحرف اليدوية و لكن بالرغم من كل هذه التصريحات لم تلمس  صناعة الزجاج التقليدي أي دعم او تطوير ولا حتى الآلي الذي أصبح الآن  يطالب الوزارة في تسهيل عملية استيراد الزجاج للصناعة.. أتوقف هنا و أتساءل أين تذهب نفايات الزجاج إن لا تُستثمر في إعادة تدويرها و تساهم في صناعة الزجاج؟ و ماذا  ينقص بلد كسوريا لإحياء صناعة الزجاج الحرفية و استثمار الخبرات السورية لتزدهر هذه الحرفة و تنافس الزجاج العالمي مجدداً، و تنشط السياحة الداخلية والخارجية للقدوم الى ورشات الزجاج كما السويد؟

و عند سؤال السيد “طلال معلا”، وهو الفنان التشكيلي والباحث في الجماليات، اضافة الى نجاحه في تسجيل تراث مسرح الظل في منظمة اليونيسكو باسم سوريا بدعم من الأمانة السورية للتنمية، عن حال هذه الحرفة و كيفية توثيقها و الحفاظ عليها كما فعلو مع مسرح الظلّ، أضاف: حاولت كثيراً الالتفات لدعم صناعة الزجاج اليدوي بإعادة تشغيل أفران التكية السليمانية وتم وضع مخططات لمشروع متكامل للتشغيل لكامل المنطقة بما فيها الصناعات الزجاجية اليدوية لكن عوامل كثيرة حالت دون تحقيق المشروع ليست الحرب اولها ولا التشريعات آخرها.  لقد هجر المهنيون مواقعهم للعمل في لبنان (صيدا) ومواقع أخرى لعدم وجود سوق لبيع المنتجات في سوريا مع توقف الحركة السياحية وبفعل الحصار الاقتصادي … الخ

القصة تمتد لمحاولات إيجاد قوانين تحمي الحرفيين، وخاصة المهن التراثية والثقافية، وقد أنجزنا جزءاً هاماً  فيها لكنها لم تعتمد لعدم صدور قانون التراث الثقافي الجديد الذي عملنا عليه لسنوات

و لهذا تتراكب فان عوامل كثيرة في عمليات صون هذه المهن والحرف التقليدية وقد اشرت أنتِ الى ان الامر يحتاج الى توثيق و تسجيل الحرفة في اليونيسكو كما قمنا به في خيال الظل، فالعملية متكاملة لنقل المهنة من جيل الى جيل بأسلوب معاصر وضرورة دعم المتدربين لايجاد محترفاتهم من جهة، وتحقيق اسواق لمنتجاتهم التي لابد ان تأخذ لمسات عصرية

أن تنمية جزئية لموارد التراث الثقافي الوطني لاتكون ناجعة إلا في إطار سياسة ثقافية واضحة تركز على استثمار التراث الثقافي دون الإخلال بأصالته وقيمته الإنسانية والمجتمعية، فحرفة الزجاج اليدوي مرتبطة بمجاوراتها من الحرف والمهن الثقافية واذا كان قد تم تحويل اساليب استثمار الزجاج اليدوي من مكمل جمالي وثقافي واجتماعي الى كماليات تزيينية، فإن ذلك يقتضي التعمق في دراسة الموقع التنموي الذي يمكن ان تشغله هذه الحرفة على المستوى الإبداعي وضرورة الربط بينها وبين مهن صاعدة ومؤثرة كالتصميم الفني والمعماري وسواهما من مجالات استخدام المتج وابتكار أسواق معاصرة داخل البلاد وخارجها.. كما ان الربط بينها وبين حرف تزيينية أخرى يجري استخدامها في الديكورات كالعجمي والتصديف والمحفورات الخشبية وسواها من الحرف التراثية التي تعاني هي الأخرى من الهجرة والنزوح، ستشكل النظرة الرشيدة للسياسة الثقافية التي يمكن أن  توليها وزارة الثقافة طريقاً مهماً لاقتراح صون هذه المهن التراثية وطنياً قبل وصولها الى الصون العاجل في اليونسكو أو سواها

أصل صناعة الزجاج

في البداية تم استخدامه للزخرفة و للأعمال الفنية. و وفقاً لما دوّنه المؤرخ الروماني القديم، بليني الأكبر، فإن التجار الفينيقيين إكتشفوا مرّة عندما رست سفينة لهم محملة بالنيتروم على الشاطئ السوري وقاموا باستخدام كتل النيتروم لدعم أواني الطعام أثناء طهي طعامهم و إشعال النار من تحتها. دمجت النار النيتروم بالرمال و تدفق سائل شفاف تحوّل الى زجاج عندما برد

تقول مصادر أخرى أن مصر آيضاً دولة أخرى اشتهرت فيها صناعة الزجاج في وقت مبكر، يُعتقد أنّ أقدم جسم زجاجي تمّ إنشاؤه حوالي (3500) قبل الميلاد في مصر وشرق بلاد ما بين النهرين، أقدم عينات الزجاج من مصر وتعود إلى (2000) قبل الميلاد، في عام 1500 قبل الميلاد، كانت الصناعة راسخة في مصر، بعد 1200 قبل الميلاد تعلّم المصريون ضغط الزجاج في قوالب.

في القرن الأول الميلادي اكتشف السوريون أن الزجاج يمكن تشكيله بالنفخ في أنبوب نفخ زجاجي مجوف. مما ينتج عنه بهذه الطريقة كميات كبيرة من الزجاج الشفاف

 بما أن سوريا كانت تنتمي آنذاك إلى الإمبراطورية الرومانية،  انتشر فن نفخ الزجاج أيضاً من خلالها في أوروبا.  تم استخدام الزجاج في أهم المباني في روما وفي الفيلات الفاخرة في بومبي.  حتى العصور الوسطى، كان الزجاج يستخدم بشكل رئيسي في الكنائس والقصور.  في وقت لاحق ، تم استخدام النوافذ الزجاجية أيضًا في المباني العامة والنزل والمنازل التابعة للمواطنين الأثرياء

بقلم السيدة: فاديا رستم

تدقيق لغوي: أميمة ابراهيم

التواصل اللاعنفي

التواصل اللاعنفي، لغة تساعدنا على الاتصال بأنفسنا وبالآخرين لفهم كل منا الآخر، ونكتشف الطرق التي نستطيع بطبيعية وبطيب خاطر أن نساهم بها برفاه كل واحد منا

يرتكز التواصل اللاعنفي على عدة ركائز ومنه

 ٠ كل الناس يرغبون بالحصول على إشباع لحاجاتهم

٠ البشر يلبون الاحتياجات من خلال العلاقات المتبادلة، نحن نبني علاقات طيبة عندما نحقق هذه الحاجات من خلال التعاون وليس من خلال السلوك العدواني

٠ كل إنسان لديه موارد جديرة بالتقدير (قدرات، كفاءات)، تتجلى لنا عندما نتواصل معها من خلال التعاطف

٠ وراء كل سلوك حاجة وجميع الإجراءات هي محاولات لتلبية الاحتياجات

٠ كل حاجة تفيد الحياه

٠ لا توجد حاجات سلبية

٠ كل البشر لديهم القدرة على التعاطف

٠ البشر يتمتعون بالعطاء

٠ البشر يتغيرون

٠ الاختيار داخلي

٠ الطريق الأكثر مباشرة إلى السلام هو من خلال التواصل مع الذات

يهدف التواصل اللاعنفي إلى

١- بناء علاقات مشبعة (باعثة على الرضا) والحفاظ عليها

٢- إشباع حاجاتنا من دون إلحاق الأذى

٣- تغيير التواصل المؤلم وقلب الصراعات

يعتمد هذا المنهج ننعلى مكونات أربعة

الملاحظة: في البداية نحن نلاحظ ما يحدث فعلياً في الموقف: ما يحدث في داخلنا/ما نقوله أو نفعله/ ما يقوله أو يفعله الآخرون

الشعور أو الإحساس: نميز هنا بين المشاعر والأحاسيس من جهة والأفكار أو المعتقدات من جهة أخرى. الشعور أو الاحساس بالوقت الراهن، الخطوة الثانية نحن نعبر عن ماذا أشعر أو ماذا أحس في الوقت الراهن وليست أفكار

الحاجات: تتوضح أهمية الحاجات انطلاقاُ من ركائز أساسية في التواصل اللاعنفي مثل

الطلب: إن أهم ما يساعدنا على التمييز بين الطلب والتطلب، هو انفتاحنا على سماع ال “لا” على ما نطلبه، عندما تأتي “اللا” منالطرف الاخر وتكون انفعالاتنا عالية جداً بعد سماعها، هذا يعني أن هذا تطلب وليس طلب انساني

يوظف التواصل اللاعنفي في ثلاثة مناحي، هي التعبير عن الذات، الإصغاء التعاطفي، والتعاطف مع الذات. في سعي لإحياء ما فينا، وإثراء الحياة

بقلم الدكتور: سليمان كاسوحة

التنمّر

التنمّر.. لماذا الآن؟

التنمر! قد يبدو مصطلحاً جديداً بدأ يظهر في السنوات الأخيرة وخصوصاُ في وسائل التواصل الإجتماعي، هذا صحيح نسبيّاً، فالظهور الأول له وبالعربية خارج النطاقات الاكاديمية والعلمية تأخر حتى سنوات قليلة مضت، ما عدا بعض الاستشهادات الأدبيّة في روايات وقصص مختلفة

إلا أنّ أفعال التنمر والممارسات التي تصنّف ضمنه اليوم ليست بجديدة أبداً، على العكس في كثير من الأحيان يتم التعامل معها كنتاج ثقافي شعبي متراكم وكإرث يجب تناقله. قد نجد مفاجأة غير سارّة لنا بأنّ كثير من الأمثال الشعبية والحكايات القصيرة التي نمارس بها التربية والتثقيف أحياناً ونتداولها كخلاصات لأحاديثنا اليومية تندرج بشكل رئيسي تحت تصنيفات التنمر اللفظي، والأخطر أنها لاتكتفي بذلك بل تذهب لتنمّر ثقافي ينشأ من تشكّل الصور النمطية حيث يضع جماعات أو شرائح من المواطنين ضمن قوالب نمطيّة مفترضة سيصعب تغييرها في المستقبل بالنسبة لمن تلقوها في الصغر لسنينٍ طويلة وبدت وكأنها تجارب ثمينة لاينبغي نقاشها أو تضييعها

جاءت وسائل التواصل الإجتماعي بكل المميزات التي أعطتنا إياها بفضيحة كبيرة لثقافاتنا المتراكمة لتضعنا أمام الجميع وتضع الجميع أمامنا، نتواصل مع الآلاف، نبدي إعجاباً أو استهزاءاً بهم وبأفكارهم، لباسهم، طريقة عيشهم وكلامهم وفهمهم للأمور، ولمّا ترافق هذا الانفتاح وهذه الفرص مع الإضطرابات المختلفة التي تحيط بنا، فإنه وبدلاً من استثمار هذه الوسائل لنقترب ونتعرّف ونفهم بعضنا البعض فإننا استخدمناها – في كثير من الأحيان – لنؤكد الهويات الفرعيّة ونكرّس الفوارق الإجتماعية والطبقية

لم نكتفي بذلك, بل خلقنا طبقات جديدة لنحدد بها أنفسنا، وخلقنا مجتمعات افتراضية مليئة بالإلغاء والإستقطاب والتقوقع، فبدت حساباتنا مزخرفة جميلة نضع عليها أفضلصورنا الشخصية وأحلاها ونترك العنان لأفكارنا ورواسبنا المليئة بالإلغائية والتنمّر والاستهزاء لتكون منشوارت وصفحات تصل للملايين اليوم، وفي كلّ يوم تزداد حجماً ونزداد كمستخدمين تعوّداً عليها، وبالطبع لانعمم هُنا

في بدايات دخولنا لوسائل التواصل الإجتماعي في سورية اصطدمنا بصفحات سمّيت كمجّلات تنشر صوراً لأشخاص من فئات إجتماعية سوريّة مختلفة، وتعلّق على تسريحات شعرهم وألوان ملابسهم المتنوعة، كما لاتمتنع عن التعليق على وضعيات التصوير التي أخذوها وهم بالمناسبة لم يسمحوا لأحد بمشاركتها أصلاً، انتشرت هذه الصفحاتو تحوّلت إلى موجة ضمّت عشرات الصفحات التي بدأت بنشر صور من حفلات زفاف خاصّة مثلاً وقامت بتطبيق بعض مقاطع الفيديو مع أغاني محليّة بقصد الإستهزاء

في ذلك الوقت وقبل 10 سنوات تقريباً لم يكن من الممكن استخدام الأدوات التي بين أيدينا اليوم، ولم يكن لدينا الوعي الكافي ربّما لتصنيف هذه الممارسات أو على الأقل تسميتها باسمها كظاهرة يجب إنهائها، كان مدى التفاعل يقتصر على مستخدمي وسائل التواصل القلّة، في سنوات لاحقة أصبح أغلب الناس ضحايا وفي نفس الوقت مرتكبين لهذه الأفعال بقصد وبلا قصد.

وهذا ما يجيب عن سؤالنا لماذا الآن؟

اليوم وأكثر من أيّ وقت مضى نتورط بشكل تلقائي في أفعال وتعليقات وممارسات يتمّ تصنيفها تنمّراً، على تنوّع خلفياتنا الثقافيّة و طبقاتنا الإجتماعية وتقدمنا الدراسي، نحن ضحايا ومرتكبين، فنحن ننجرُّ كثيراً مع الموجات على وسائل التواصل الإجتماعي، وما أكثرها

على الأكيد أنّ كثير مننا يمارس المراقبة الذاتية لتحركاته في وسائل التواصل ويحاول ضبطها، لكننا في كثير من الأحيان نقع في أفخاخ متعددة تبدأ بابتسامة وقد لاتنتهي بشائعات تُشعل حروباً افتراضيّة وتوقظ فتناً كبيرة، في حين أنّ الآلاف ممن تستهدفهم هذه الممارسات قد لاينامون بالفعل إلا وعيونهم تدمع وثقتهم بأنفسهم تهتز، كيف لايحدث ذلك والملايين وفي لحظة مزاح يتحولون لمتنمّرين بضغطة زرّ واحدة؟

تتزايد أعداد ضحايا التنمّر في مجتمعاتنا يوماً بعد الآخر، ولا أسهل على أي مننا من تعداد شخصيات اشتُهرت أسبوعيّاً على وسائل التواصل الإجتماعي فكانت حديث الناس وموضع استهزائهم وطرائفهم الغير لطيفة والتي تُبكي فعلاً ولا تُضحكُ إلا المتنمّرين فقط

يسعى كتيّب “هل تعرّضت للتنمّر؟” ليكون محاولة فهم وهي بالتأكيد غير مكتملة، مراجعة ذاتيّة قبل أن تكون عامّة، نجرّب فيها التعرّف أكثر على التنمّر وتحديد أشكاله وتبيين البيئات التي ينتشر فيها، نتشارك بعض آليات التعامل مع المتنمّرين وأفعالهم ونجرّب تبيين الفرق بينه وبين الممارسات المشابهة كما نذهب إلى القانون السوري ونجرّب المرور على بعض النصوص القانونية التي تجرّم هذه الأفعال، كما نقترح بعض التحركات المفيدة للمهتمين بتخفيف هذه الظاهرة وإنهائها وفق أدوار متعددة مقترحة

و هذا العمل هو عمل مفتوح للتطوير دوماً، ولهذا تركنا عدّة صفحات فارغة في نهايته لتسجّلوا فيها خبراتكم وملاحظاتكم في مواجهة موضوعات التنمّر فلا تبخلوا بتدويناتكم وإضافاتكم والتي يمكن مشاركتها مع فريق “البعبع” في أي وقت و بشكل مستمر، فهذا العمل لن ينتهي بصفحات وإنهاء هذه الظاهرة مسؤوليّتنا جميعاً

بقلم السيد: وسيم السخلة

مقدمة كُتيّب: هل تعرّضت للتنمّر؟

.يمكن تحميله من الرابط أدناه

https://drive.google.com/file/d/1DZTy74TUnv1r3yaAP2tUxfUWh42zs5_p/view?usp=sharing

عبور في غير زمانه

امرأة قبل سن الزواج…
جميلة ..رشيقة ..كبر جسدها بسرعة وباتت تبدو أكبر من عمرها ..بدأ الجميع يمتعون مسامعها بجمالها ..حتى باتت تشعر بما يثيره جمالها في داخلهم
صارت تتقن التفنن في اللباس ولعل بعض الماكياج يشعل جمالها أكثر … كلما حاولت ان تبرز مفاتنها بادرتها والدتها بالنصح هذا اللباس لايليق بعمرك ..بدأت تتأفف من تلك النصائح وأصبحت تطمح بالخروج من دائرة الوالدة وتدّخلها بمسيرتها وكان الحل بحسب تفكيرها هوالزواج
لم تعارض فكرة الزواج رغم صغرها ..تقدم شاب لخطبتها فرفضته لأنه فقير والثاني تركته بعد أن لبست خاتم الخطبة بسبب قلة جاذبيته ولم يعطها الحب الذي تنتظره ..هكذا عندما تقدم رجل ثري في عقده الثالث لخطبتها ..وافق الأهل وشجعوها لأنهم كانوا قد أدركوا عدم رغبتها بالدراسة
تزوجت بحفل لم يرقى لطموحها وهي التي تقايض عمرها ببعض المغريات
أنجبت ..فلم تدرك كنه الأمومة لأنها حقيقة لم تكن أكثر من طفلة تجرب الهروب من المسؤوليات
كبرت ابنتها فاختلطت مشاعرها تجاهها ..تريدها أن تكون متميزة لكن ليس لديها القدرة على
نربيتها وتأهيلها للتميز ..حين كانت ابنتها تلعب كانت هي تنام لتشبع رغبات عمر المراهقة ..وحين بدأت ابنتها تحتاج لوقت أكبر للاهتمام بدراستها ..كانت هي تريد أن تملئ الجانب الفارغ في حياتها وراحت تكمل الدراسة التي فاتتها في الوقت الذي كانت تحتاج الابنة رعاية أمها . . كانت الطفلة ذكية اعتمدت على نفسها في دراستها وصار الابن الأصغر يقضي وقته في بيت الجدة .. استمر الأمر على هذه الحال ..لا الابنة أخذت حقها من الأمومة ولا الابن كان يعرف الفرق بين الجدة والأم ..ولا الرجل نال حقه منها كزوجة يحتاج إلى دفئها وحرارة لقاءها أو حتى اهتمامها
لم تكن مستعدة لتدفع من ذاتها إلا ضمن بعض المقايضات …لم تكمل الأم تعليمها لأنها ملت الدخول بمنافسات ..لكنها وجدت نفسها تتخبط ..فلا الابنة تسمح لها بدور النصح لأنها لم تكن حاضرة في يومياتها حين عاشت طفولتها بلا أم تشاركها ألعابها أو دروسها ..ولا الابن يستشيرها ..لأنها لم تجس حرارته حين كان يريد ان يرى رفاقه أمه الجميلة قربه بينما هو يقضي وقته برفقة جدته المتعبة من أثقال الحياة
أرادت أن تفرح بهم لكن لم يكن حضورها مهم في يومياتهم التي عاشوها دون رصيد لها …أرادت أن تتباهى بنجاح ابنتها وابنها الذي كبر دون أن تلحظ التغييرات التي عبر بها فوجدته فجأة شاب وسيم تحلم به أغلب الفتيات ..أرادت أن ترافقه هي التي لم تأخذ فرصتها بالأحلام أو بالمراهقة أو الدراسة ..أن يصبح رفيقها ..لكنها أدركت عدم رغبته بحضورها الآن بحياته ..بعد أن اعتاد أن تكون جدته هي مخبأ أسراره ومنطلق أحلامه.
استعجلت العبور بين المراحل ففقدت متعة العيش بملذات كل مرحلة …شعرت بوحدة قاتلة تلفها ..لاشيء يجعلها تغرف من السعادة وتستقي بمايرويها ..ذهبت إلى حضن أمها يوما ..وأفضت لها بمخزون سنين من الضياع
كان البكاء صراخا يعاتب السنين بحرقة تشابه الرغبة بالخروج من العاصفة

بقلم المهندسة و الفنانة نيللي مرجانة

التماثيل منحوتات من أعمال الفنانة نيللي مرجانة

إنتِ من وين؟؟

مع كل مرة كُنت أُسأل هذا السؤال اتذكر سكيتش غنائي لفيروز في مسرحية جبل الصوان تقول فيه فيروز

بيضلوا يسألوك إنت شو إسمك؟

بتقلن إسمي فلان

ما فيك تكون بلا إسم

بيضلوا يسألوك إنت منين؟

بدك تقول منين

ما فيك تكون مش من مطرح

كانت هذه الأغنية تراودني و أبتسم مفاخرة بالجواب

!أنا من سوريا

بتُّ أدرك تماماً ما يرمون إليه عبر سؤالهم هذا، وأتقصّد من خلال جوابي، لفت انتباههم و إمهالهم، لبرهة من الوقت، ليفكروا بما أقول

نعم من سوريا! فلست أنتمي لقرية، قبيلة، أو مدينة، ولا حتى مدينة أبي، لأنّ لي أمّاً أفتخر بوجودها ككيان هام و أصيل ساهم مع أبي في تكويني، بل ربما لها الفضل الأكبر في ذلك، فأنا أنثى مثلها

فما الذي يدعوني للتعصّب لنسب أبي وطرح نسبها جانباً ؟ و لماذا أتعصّب لانتماء والديَّ و تأثير المدارس و المدن التي عشت فيها عليّ، كان أعظم من تأثير أهلي ؟

لم أتعمق يوماً ولم يشغلني هاجس السؤال الذي دأب السويديّون على طرحه عليّ، منذ بدأت غربتي بعمر صغير (١٩ عام) : من أين أنتِ؟ فالجواب كان سهلاً جداً وبديهياً إنّني من سوريا.. و هل هناك أجمل من جواب ينطلق تلقائياً بكل سلاسة دون حاجة للتفكير فيه، أنا لست من السويد إنّما أنا من سوريا

 بعد إنقضاء بضع سنوات في الغربة، بدأ بعض شعور بالغرابة بالتسلّل إلى نفسي خلال زياراتي للوطن، بدأت ألحظ استغراب البعض من بساطة واختلاف ملبسي، أو من سذاجة أسئلتي -حسب رأيهم- ، حين يبادرني سائلاً : من وين إنتِ؟ 

و كأنّها محاولة لتنبيهي إلى أنّني لا أنتمي إلى هنا …أيّا كان ما يقصده ب “هنا”، فكان الأمر يلتبس عليّ وأبدأ بالتشكّك… ؟ 

هل بت ّلا أنتمي لسوريا حقّاً ؟ 

وهل بدأ أثر البلد الآخر بالظهور عليّ، بشكل  أشدّ  وضوحاً، من أثر سوريتي! ؟ 

عندما كنت أسأل أصدقائي في السويد ذات السؤال، كانت الإجابة تأتي، غالباً، ذاكرة المدينة التي وُلِدوا أو تلك التي عاشوا فيها طفولتهم.. حتى ولو كان أهلهم موُلِدين في مدينة غيرها

عندما انتقلت مع طفلتي الأولى الى مدينة أخرى، وذلك لمباشرة العمل بأولى وظائفي الثابتة، كان زملاء طفلتي الجدد في المدرسة، يتعرفون على بعضهم البعض و يسأل كلٌّ منهم الآخر من أين أنت ؟ كان كل طفل يذكر اسم مدينته التي وُلِد فيها، و يتمازحون قائلين ( واضح من اللهجة ) مُلقين الدعابات حول لهجات بعضهم.. لم يسألها طفل من أين أنتِ أصلاً، بسبب لونها أو شكلها الذي يشي بأنّها ليست سويدية، لم يسألها أحد أو يهتمّ بأصل أبويها، لم يهتموا لنسبها لأنهم أبرياء التفكير و السريرة، و هذا ما يعمل الأهل على الحفاظ عليه تحديداً، وذلك منعاً من خلق حالة تفكّك في المجتمع. فالصديقة الجديدة هي كما هي إنسانة لها هويتها الخاصّة، و ستنضمّ إلى ذات المدرسة و تأخذ نفس الدروس، و هذا مايهمّهم .

توارت آثار السؤال الغريب إيّاه مع استقراري في المكان، وازدياد الوعيّ المدعوم بالتقدم في السّن … واستمر ذلك  لفترة طويلة، ولم أكد أرفل في نعيم الاعتقاد بأنّ المراحل الهادئة للتأمّل و التعمّق في الحياة قد حانت، حتي بدأت الحرب في سوريا، وحَملت إليّنا فيما حَملَت، صغائر لم يكن في الحسبان أنّها جديرة بالتعمّق بالتفكير، خاصّة بظروف الحرب العصيبة من تدمير وتشرّد وتيه وضياع انتماء

وعاد ذاك السؤال ليُطرح عليّ من جديد، لكن هذه المرّة، كان مطروحاً من السوريّين أنفسهم

 من وين إنتِ ؟ و كنت أجيبهم كالعادة، أنا من سوريا، وفي خضمّ إعادتهم لطرح السؤال، مع إصرارهم على استحصال بعض التفاصيل أو الكثير منها، عبر عبارات من نوع : منعرف إنّك من سوريا قصدي أبوكي من وين ؟ أصلك أصلك من وين؟ شو خايفة ندبحك إذا عرفنا إنتِ من وين؟ ماحدا رح يوصلّك إنتِ بالسويد ؟ جزعتُ

فقد تكشّف لي أنّ الكثير من الخوف، بات يُسيطرعلى حياة أبناء بلدي حتى وهم خارج حدوده، وأنّ ما عانوه في هذه الحرب البغيضة، التي ارتدت أثواب كل الحروب التي خيضت على مرّ التاريخ، قد لا يزول بسهولة، ولست أُنكر أنّ التاريخ قد حمّل هذه المنطقة ما لا تُطيق من بطش الحروب وصنٌاعها.. فكانت ذاكرة التاريخ الأسود تُعيد نقل ذات المشاهد في كل حرب، ناشرة الخوف ذاته 

ومع تيقُّني وعلمي بكل هذا… إلّا أنّني، وفي لحظة إجابتي عن السؤال حول انتمائي، كنت أطرد عتمة التاريخ من رأسي و أُجيب بما يتماشى مع قناعاتي و مبادئي، وقد يكون مردّ ذلك محاولتي الحثيثة دعوة السائل للتفكير خارج الصندوق .. إيّاكم والانصياع لضيق الأفق، الذي حُمِلتُم عليه بحكم كل ما يُحيط بتلك البقعة، ودعوا الإرث الأسود ليندثر.. تعلّموا الانفتاح على الحياة والمستقبل جميعاً، وتشبّثوا بما يُغني عقولكم وأرواحكم

تعلّمت، في سنيّ غربتي، كيف أصنع نفسي وأُعيد صياغة هويتي …. من   دراستي، إلى المجتمعات المختلفة التي عِشت فيها فأثّرت بي وأثّرت بها كذلك، فقراءاتي و اختلاطي بجنسيات وقوميات عديدة ومختلفة، وصولاً إلى عملي و خبراتي، تربيتي لأطفالي ….إلخ

هويتي أنا من يصنعُها، و ثقافتي هي هويتي

لا أعلم أين ومتى تحديداً، بدأت بعض الثقافات بربط هوية الطفل وتقيّيدها بهوية الأب

هويتي مطبوعة بأثر ذاكرتي وذكرياتها التي لا تُمحى، تلك التي أحملها معي أيّنما ذهبت وحيثما أقمت … فأنا أنتمي لمكان ولادتي و للنسيم المُحمّل بعبق الياسمين الدمشقيّ الذي تنشقته في بيتنا الشاميّ العتيق ؟ 

و أنتمي إلى حلب القلب التي نشأت و ترعرعت فيها، وكان لها الأثر الأكبر في تكوين شخصيتي حيث المجتمع الذي احتضن نشأتي، إذ غالبا ما يكون لذلك المجتمع الأثر الأكبر على الإنسان و تكوين هويته، وفقاً لعلماء الاجتماع

كلّنا يعلم أنّ لكلّ مدينة سوريّة خصائصها التي تسم بها أولادها بالإضافة إلى اللهجة

أنا لا لهجة محدّدة لي، أنا مزيج  سوريّ بامتياز .. والدي -الذي أُقدّس-حملت طباعه الكثير من طباع أبناء ساحلنا، وعاش، بحكم عمله ، مُتنقّلاً بين مختلف مدن سوريا، حيث اكتسب من خصال أهلها ما أحبّ وترك ما لم يتوافق وهواه، و أُميّ المولودة في زحلة، و التي عاشت بين حمص و حلب، ثمّ تنقّلت مع أبي وحلّت حيثما حلّ ..  ذلك التنوّع كان ما يُوجّهني منذ البداية، ومنه بدأت أتعلّم كيف يمكن للإنسان  أن يصنع هويته الخاصّة به دون الإلتصاق بجغرافيا منطقة مُعيّنة. فالإنسان نتاج مراحل عدّة و يحمل الوفاء و الإخلاص لكلّ بقعة عاش فيها، يُشبه في ذلك الأُمّ التي تُكِنّ الحبّ لجميع أطفالها بالتساوي غير قادرة على  تفضيل أحدهم على الآخر، فكلّهم أجزاء منها و تنتمي لهم مجتمعين، نضجت معهم وأصبحت  ماهي عليه بفضلهم جميعاً،  في سرّها فقط،  تعي حقيقة أن أحدهم يًشبهها إلى حدٍّ كبير، فلا تجعله الأثير عندها وإنّما تفخر بهذا التقارب والشبه … كما أفخر أنا، في جهري و في سرّي، بأنّ حلب هي طفلي الذي يُشبهني 

هويّتي هو ما حملته معي من عطرٍ سوريٍّ مُكثّف من كلّ مدينةٍ أحببتُها، و مزجّته بالمجتمع الجميل الذي كبرت فيه و اكتسبت أجمل خِصاله ..وما زلت اكتسب العطر وأنثره في محيطي يوماً إثر يوم ….! أليس أجمل جواب يُمكن أن يُقال بعد كل هذا الشرح أنّني ..من بلد الشبابيك المزروعة بالحبّ المفتوحة عالصدفة، من بلد الحكايات المحكيّة عالمجد المبنيّة عالإلفة ..بأنغام الرحابنة و شدوِّ فيروز ؟

هذه هي هويّتي

بقلم فاديا رستم

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

اللوحات المرفقة ادناه للفنانة و المعلمة سلام برهوم

الإحصاءات كمدخل للتنمية و التطوير

‎أيمكننا الحصول، بسهولة، على أي معلومات  إحصائية تتعلق ببلدنا كما في باقي الدول، آخذين بعين الاعتبار وجود مكتب مركزي للإحصاء في سوريا ؟ و نحن لا نتكلّم هنا عن المسح الديموغرافي أو الغذائي أو غيرهما من الإحصائيات التي يُفترض توافرها بداهة  في مركز إحصائي مركزي تابع للدولة

‎أنستطيع معرفة عدد سكان كل مدينة، فئاتهم العمرية، جنسهم، أحوالهم المدنية و الاقتصادية، أمراضهم، مستوى تعليمهم، أو عدد الوافدين الجدد إلى كل مدينة أو الراحلين عنها ؟ هل نستطيع معرفة عدد و أنواع الشركات المتواجدة في كل مدينة، عدد عمالها، حساباتها الاقتصادية، حجم إنتاجها بشكل علني أو بكبسة زر ؟ 

‎هل نستطيع معرفة عدد القطع الأثرية الموجودة لدينا وأنواعها و معرفة بعض التفاصيل التاريخية عنها  و عن أماكن تواجدها ؟ هل نستطيع الإطلاع على عدد الجمعيات  العاملة في بلدنا و إنتاجيتها و اقتصادها و حجمها و مقرّها أيضاً بكبسة زر؟ ، هل بإمكان طبيب أو باحث علمي في المجال الطبّي، الحصول على سجلّ يحتوى مثلاً، على معلومات حول أعداد المصابين  بداء معين و طرق علاجهم و كيفية متابعتهم في سوريا، وذلك خدمة  وتسهيلاً لفكرة بحث علمي يتمحور حول تطوير علاج يتلائم و البيئة السورية ؟

‎هل نملك إحصاء دقيقاً لعدد الصيادين في بلدنا، و أيّهم صياد ماء مالح و أيّهم صياد ماء عذب، و ما  أنواع الأسماك التي يصطادها كلٌّ حسب منطقته؟ 

‎التساؤلات المطروحة أعلاه هي أمثلة بسيطة عن أسئلة كثيرة نطرحها على أنفسنا كسوريين، خاصة بعد الدمار  و التغيير الديموغرافي الذي عمّ البلاد كافّة، و عزمنا الأكيد على إعادة الإعمار بإستراتيجية صحيحة و مستدامة

‎ يحارب البعض، عن قصد أو عن غير قصد، وجود إحصائيات دقيقة تساعد كل صاحب اختصاص على تحليل ودارسة  إمكاناته و تحديد مساره  نحو الهدف، و تقديم الحلول  الناجعة لتطوير عجلة الإنتاج في هذا الاختصاص

قد يكون الخوف من الرقابة و الخضوع  للمحاسبة، عند وقوع الأخطاء أحد الأسباب، لكن الجهل لأهمية الإحصائيات وسهولة تطبيقها وإجرائها  و عدم إنتشار ثقافتها  هو السبب الأكبر، إذ لا نعتقد أن الافتقار للامكانيات أو الخبرات و القدرات التحليلية هي السبب 

‎على الرغم من اهتمام الدولة بإنشاء شبكة معلوماتية قبل الحرب، إلا  أن توقف المشروع بسبب الحرب ، تقنياً، لا يبرر توقف التحضير له ذهنياً، و بخطوات مدروسة بغية نشر ثقافة إجراء الإحصائيات ليستخدمها أهل الاختصاص في تطوير أنفسهم و أعمالهم

‎إن الطريق نحو تفعيل العمل بالإحصائيات المفيدة ودراستها بشكل مستمر و دوري طريق طويل، و لكنه آمن و شديد الأهمية إذا ما تمكنا من  التخطيط الصحيح لخوض غماره. جميعنا يعلم أن عمل القطاع العام معقد للغاية  تصعب  إدارته، فالقطاع العام متشعب و مرتبط بعدّة مؤسسات و وزارات، و يخدم شريحة واسعة و متنوعة من الشعب، كما أنه محكوم بقوانين و محظورات لا يمكن تجاوزها، يظهر أثرها، على وجه الخصوص، في القطاعات الخدمية كقطاع  الرعايّة الصحيّة. دعونا نُركّز في هذا المقال على الرعايّة الصحيّة كمثال حيّ، يطرح ويدلل على أهمية الإحصائيات وفائدتها سواء بالنسبة لوزارة الصحة أو للمواطنين، الأمر الذي  يمكن  إسقاطه على العديد من القطاعات الخدمية الأخرى  أيضاً 

‎في مراكز الرعاية الصحية (مستوصف، عيادة، مشفى، صيدلية و مخبر أو أشعّة الخ)  يجب أن يتم توثيق  كل إجراء وعمل وخدمة، وذلك لتقديم الأدلة و رفع التقارير للوزارة و الجهات الرقابية في السلطة، كما و يجب تقديمها  للمرضى حال طلبها، فأيّ خطأ يرتكب أثناء تقديم  الرعايّة الصحيّة قد يُهدد حياة طالبيها 

‎لذلك نجد أن الإحصائيات، التي أتت حصيلة  تدوين خطوات الرعايّة، بالغة الأهمية لكل من له صلة بالرعايّة الصحيّة سواء أكان موظفاً أو مسؤولاً أو مريضاً

‎إن النظر  لهذه الإحصاءات باعتبارها ذات أهمية بالغة، جعلت من السويد، على سبيل المثال، بلداً يتكلف  أموالاً طائلة، وذلك لتطوير منظومته الصحيّة وجعلها عامّة شاملة و موحدة في مختلف أنحاء  البلاد، فحيثما احتاج  المريض خدمة طبيّة يستطيع طبيبه، في أي مكان كان، و أي صيدلي العثور على معلوماته الصحيّة كاملة ليتم التنسيق والتعامل بناء عليها، بما فيه مصلحة المواطن، و هذا تحديداً ما جعل المنظومة تُبنى على أسس الكترونية في كل نوع من أنواع الرعايّة الصحيّة، وذلك للتخفيف على الموظفين وإعفائهم من مهمة  تدوين كل شيء، إضافة إلى توجيه خبرات الطاقم الطبي صوب العمل أكثر مع المرضى، وإنّ كان لكل تطور أوجه متعدّدة 

‎عملت السويد، خلال الأربعين سنة الماضية، على تقليص عدد موظفيها في القطاع العام، لقاء إنشاء منظومة إلكترونية  تُنجز و تُقدّم الكثير من الخدمات التي كانت تنتجها اليد العاملة.. السويد ليست وحيدة في هذا مسار  التطور هذا، فمنذ الثمانينيات ، انخفض عدد موظفي القطاع العام في المملكة المتحدة (بريطانيا) بمقدار الثلث، ولكن بالمقابل، ارتفعت تكاليف الموظفين. يمكن تفسير ذلك بأنّه قد تمّ تعيين نوع جديد من الموظفين – بيروقراطيون أكثر كُلفة في المناصب الإداريّة

‎دعوني أستعرض لكم تطوّر هذه المنظومة منذ البداية، إذ لربما نتجنّب مساوئها، حالما يعزم بلدنا الحبيب، سوريا، على تطوير منظومته الصحيّة إلكترونياً، و إنشاء شبكة إحصائيات داخل هذه المنظومة

‎في بداية ازدهار مشروع شبكة جمع المعلومات المتعدّدة، فرضت على الطاقم الطبي التعامل مع عدّة منظومات، الالكترونيّة منها واليدويّة، ما أدى الى هدر وقت الطاقم الطبيّ في تدوين  المعلومات ضمن عدة برامج، و من ثم جمعها من قبل الإداريين بغية صنع شبكة إحصائيّة تُقدّم التقارير والتحليلات العلميّة، الاداريّة و الاقتصاديّة، و تبني، في الموازنة وتطوير الرعايّة الصحيّة ،  قراراتها  على أساسها ،  ذلك كان الدافع وراء تقديم  الأطباء والطاقم الطبي شكوى ، تتناول أنظمة تكنولوجيا المعلومات المُرهِقة التي تستهلك وتهدر وقت العمل السريريّ، وذلك وفقاً  للاستبيانات التي قامت بها السويد في أواخر التسعينات وأوائل الالفين

في بداية الأمر اعتبر أغلب العاملين في الطاقم الطبيّ أنّ تدوين المعلومات  هدر لوقتهم و أردوا الاكتفاء بتسجيل ما كانوا معتادين  على تسجيله سابقاً ، لتنقله السكرتيرة إلى الجرنال لاحقاً، و لكن، مع ازدياد المعلومات المطلوب تدوينها لمتابعة الجودة، تعالت  أصوات أؤلئك الذين لم يروا أهمية في هذا التدوين . في منتصف عام الألفين، صدرت  دراسات جديدة أوضحت أنّه لا وجود في السويد لما يعتقده بعض الموظفون غير ضروري من توثيق لخطوات عملهم، وأنّ  أنظمة الكمبيوتر غير المُنسقّة تُمثّل مشكلة كبرى، على سبيل المثال، إدخال نفس المعلومات جزئياً مرّة في منظومة الرعايّة الصحيّة، ومرّة أخرى في سجلات الجودة الموحّدة وطنياً، يُرهق الطاقم الطبي و يسرق وقت  رعاية المرضى

كما أكدت إحدى  الدراسات أيضاً، أنّ القيام بالمزيد من التوثيق والتدوين يُقلّل من الإنتاجيّة في مجال الرعايّة الصحيّة، وفي الوقت نفسه  استنتجت دراسة أخرى، أنّ الافتقار إلى مبادئ توجيهيّة تشرح كيفية إدارة ساعات عمل الطاقم الطبيّ، قد ساهم في تحوّل التركيز على العمل مع المريض لصالح التدوين

يُشير التقرير إلى أن الأطباء غير مدربين على العمل بفاعلية في مجال أساليب العمل الفعّالة، إذ يفتقر  الأطباء إلى المهارة  في المهام الأخرى كالإدارة وذلك على العكس من مهارتهم وثقافتهم العميقة الجذور  في العمل السريري

و إعطاء الوقت  لإدارة التوثيق ليس بالأمر الخاطىء تماماً، ففي يومنا هذا ،   أصبح ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعمل الأطباء، لكن هذا لا يعني أبداً أن يكون وقت الإدارة على حساب وقت المرضى، طالما أن هذا الأمر  لا يُشكّل قيمة مضافة بالنسبة للمرضى. يجب استثمار وقت الكادر الطبيّ بكفاءة ، لذلك كان الحل  بأتمتة كل ما يمكن أتمتته، إذ يكفي أن يُدوّن الطبيب كوداً (رمزاً) خاصّاً لتُدرج  باقي المعلومات المرتبطة بهذا الكود تلقائيّاً 

لمعالجة مشاكل الإنتاجيّة ، تقترح الدراسة أربعة تدابير شاملة، على سبيل المثال، يتعلق الأمر بتوضيح المهام التي يتمّ تضمينها  وتلك التي لن يتم تضمينها في الأدوار المختلفة في مكان العمل، بهذه الطريقة، يمكن الحصول على أعلى مستواً من الكفاءة واستخدامه في مختلف المجالات المهنيّة بطريقة أفضل ، اقتراح آخر،  تقديم تخطيط مُوحّد لوقت العمل يمكن أن يخلق الهيكل أو الأساس الذي يُحدّد مقدار الوقت الذي يجب  إنفاقه في مهام مختلفة بوضوح، ويحدد ببساطة مقدار الوقت، خلال أسبوع العمل، والذي يجب أن يقضيه في مهام تتعلّق بالمريض، ويبيّن الإجراءات التي نستطيع تخفيفها. من أجل نشر أساليب العمل الناجحة والفعّالة على نطاق واسع، يُقترح توفير التعليم الإداريّ المُمنهج، وإقامة دورات تدريبيّة لإكتساب الخبرة، كما يجب تبنّي الرقمنة والأتمتة أيضاً

تُعدّ الرعايّة الصحيّة نشاطاً تقنيّاً عالٍ، وهي بالتالي، لا تتعارض و التطوّر التقنيّ، لكنّها تقول أنّ الحلول التّقنيّة يجب أن تكون أفضل وأكثر سلاسة عند الاستخدام. يجب أنّ نحصل على المزيد من الوقت و أنّ نتحلى بالصبر ، ويجب أن تكون أنظمة تكنولوجيا المعلومات أفضل بكثير ، كما يجب أن تكون لدينا بنية تحتيّة رقميّة أكثر وضوحاً وكفاءة مما هي عليه اليوم . نحتاج إلى توفير المزيد من الفنيين في مجال الرعايّة الصحيّة ممن يمكنهم العمل معنا

تُظهر الدراسة أيضاً، أنّ الخدمة الأساسية في العيادات اليوم، أقل مما كانت عليه قبل بضع سنوات .  و لأجل زيادة الوقت المخصص للمرضى مع الأطباء، من المُهمّ تجربة إمكانية إعادة توزيع المهام بين المجموعات المهنيّة المختلفة، إنّ إعطاء صلاحيّة القيام ببعض المهام التي يقوم بها الأطباء عادة للممرضات/ الممرضين, و ترك المهام الأكثر صعوبة و التي لا يمكن أن يُؤدّيها إلّا الاطباء حصراً  لأنّها تقع ضمن دائرة المساءلة القانونيّة، يُوفّر للأطباء وقتاً أطول لمعاينة عدد أكبر من المرضى، إذ وجد الأطباء أنّ الكثير من المهام التي سبق و رفضوا التخلّي عنها،  يمكن للممرضات / الممرضين  القيام بها  بكفاءة وجودة عالية بعد فترة من الزمن، وبعد أن يقوم الأطباء بتدريبهم ورفع سويتهم العلميّة، ليصبحوا أكثر احترافا بعد الممارسة

كما أكّدت الدراسات أن قضاء الأطباء والممرضات للكثير من الوقت في الإدارة  ما هو إلا نقص  في الحلول التقنيّة الوظيفيّة والإجراءات الإدارية. يجب تطوير دعم تكنولوجيا المعلومات لإدارة شؤون المرضى، كما يجب إعادة توزيع العمل الإداري وتبسيطه

التطوير مازال مستمراً ولا يتوقف، على الرغم من أنّنا قد قطعنا أشواطاً طويلةً لنصل إلى ماوصلنا إليه اليوم، من إمكانية تقديم احصائيات توفّر المعلومات للباحثين من أطباء و ممرضات/ ممرضين، أثناء سعيهم لنيل شهادة الدكتوراه في تخصصات علميّة عميقة، أو حتى في مساعدة المؤسسات الطبيّة على تحديث نفسها عبر مشاريع تطويريّة تهدف لتقديم أفضل الخدمات لطالبيها، كما تقدم الإحصائيات خدمات تساعدنا على تقييم الوضع الصحيّ للمواطن بغية تعزيز الموازنة، لمساعدته إما عبر وقايته من الإصابة المُتوقعة بالمرض، أو تقديم الرعايّة الصحيّة له في الوقت المناسب، وذلك ضمن منظومة صحيّة فعّالة و مُجدية 

و كما تُعتبر الرعايّة الصحيّة أعقد و أصعب القطاعات بالنسبة لموضوع جمع المعلومات المُوحّدة المنظّمة، فإنّ مبدأ الأهميّة نفسه ينطبق على الإحصائيات في باقي القطاعات و المجالات

بقلم المستشارة الاقتصادية: فاديا رستم

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم 

كهوف معلولا- شنا، هل سنفقدها؟

سوريا استعادت معلولا لكنها قد تفقد كهوفها الأثرية

مُقدّمة قانونية
يُقرّ قانون الآثار رقم ٢٢٢ بوجوب حماية الآثار الموجودة في كافة أرجاء الجمهوريّة العربيّة السوريّة المنقولة منها والثابتة ، الآثار المنقولة هي تلك التي صُنعت لتكون بطبيعتها منفصلة عن الأرض أو المباني ، والثابتة هي تلك المُتّصلة بالأرض كالكهوف الطبيعيّة أو المحفورة التي كانت مخصّصة لحاجات الإنسان القديم ، والصخور التي رسم أو حفر عليها الإنسان القديم صوراً أو نقوشاً أو كتابات.
وتُعتبر الآثار ، بموجب هذا القانون ، من الأملاك العامّة للدولة ، وواجب الدولة صوّنها والحفاظ عليها بما يتفق والمواد ٥ و٦ و٧ من القانون ، إذ يحقّ للدولة بموجبها إخلاء المناطق الأثرية لقاء دفع تعويض لأصحاب الارض ، وهي تمنع على المالك حق التّصرّف والتنقيب فيها ، بل وتحظر عليه إتلافها أو إلحاق الضّرر بها بأيّ شكلٍ من الأشكال

إضافة إلى ذلك ، ينصّ القانون في مواده ٩ و ١٠ و١١ على ضرورة تحديد المواقع الأثرية بغرض مراعاة حقوق الارتفاق المُتعلّقة بها ، والمنصوص عليها صراحةً في المادّتين ١٣ و١٤ ، وذلك بغرض منع البناء والترميم العشوائيّ فيها

نعلم جميعاً بأن سوريتنا الحديثة ماهي إلا امتدادٌ لحضاراتٍ مُتعدّدة ومُتجذّرة في عُمق التاريخ ، حالفنا الحظُّ باكتشاف بعض معالمها ، وبقي الكثير مدفوناً في باطن الأرض كسرٍّ لم يحن أوان كشفه بعد ، لكن ، هناك مدينة ، لطالما أدهشتنا كأعجوبة سماوية ، تجهر صخورها بكل أسرارها دونما وجلٌ من الزمان ، هناك (الحجر بيحكي ) كما كان يقول أجدادنا ، وهناك تعلّمت أن الزمن يفقد معناه أمام عظمة صخور المكان .. هناك فقط ، يمكنك أن تشهد إلتقاء السرمدي بالأبدي .. هي معلولا ، مدينة معلولا

تقبع معلولا على صخور جبال القلمون كأسطورة محفورة صامدة في وجه الزمن ، وتقع في شمال شرقيّ مدينة دمشق ، وتبعد عنها مسافة ٥٦ كم
في الآرامية تعني كلمة معلولا المدخل أو المعبر ، ويتوافق هذا الاسم وأسلوب الدخول إليها عبر فالق صخريّ ضيق ، يُطلق عليه اسم الفجّ الصخريّ ، ما أن تعبر هذا الفالق حتى ينفتح أمامك عالمٌ من السحر يعبق بالأساطير –عيسى مهنا

بيوتها البسيطة المطليّة بالكلس الأزرق تتعانق وتتراكب بتداخل شديد ، يتوه المُتأمّل لناظر إليها بين تركيبة تلك البيوت والدروب المُفضية إليها ، فالبيت الواحد ليس سوى طبقة واحدة ، وفناؤه ليس إلا سطح بيتٍ ثانّ ، كما أن سطحه معبرٌ لبيت ثالث .. ليس غريباً أن تدخل بيتاً من هذه البيوت و تسند ظهرك إلى جدارٍ صخري في إحدى غرفه ، أو أن تكتشف أن البيت بأكمله عبارة عن كهف محفور في الصخر !! الدروب مُتداخلةٌ ومُتشعّبة تنساب تحت البيوت المُعلّقة على الصخور ، وفوق الكهوف الّتي حفرها قُدامى المعلوليّون واتخذوها مساكن لهم – عيسى مهنّا

بين حنايا الصخرات الثلاث ، المُحيطات بمعلولا إحاطة السوار بالمعصم ، و المُسمّيات محليّاً ” شنا ” ،  وفي تلك الكهوف تحديداً يقبع جزءٌ هامٌّ من تاريخ البشرية والإنسانية ، حيث تتفاعل الطبيعة بجبالها وكهوفها وسهولها ، مع ما تمّ اكتشافه من آثار ثابتة وأحجار وكتابات و رسومات على الجدران وغيرها 
وفقاً للدراسات تمّ العثور في كهوف معلولا على أدلّة تُشير إلى أن المنطقة تُعدّ من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في الشرق الأوسط ، في فترة تُقدّر ما بين٥٠ إلى ٦٠ ألف سنة خلت ، حيث سكنها إنسان كرومانيون منذ حوالى ٣٠ ألف سنة على وجه التأكيد وترك لنا شواهد دلّتنا على ذلك ، ومنذذلك الحين ، والتواجد البشريّ فيها لم ينقطع في مختلف العصور الّتي توالت ، حيث واكبت وتأثّرت بمختلف الثقافات الّتي مرّت على المنطقة، من الآكادييّن إلى العمورييّن فالآرامييّن وصولاً إلى الإغريق والرومان فالحضارة العربيّة


في كهوف معلولا حكايات الأولين

بمُجرّد رؤيتك لكهوف معلولا المُعلّقة بالسماء ومغاورها المنحوتّة بروح الإنسان السّوريّ القديم وصبره وعنايته ، تقف خاشعاً أمام عظمة ذلك الإرث الإنسانيّ الذي لامثيل له
معلولا باسمها وصخورها وكهوفها تُمثّل كنز بلدنا النفيس وهديّة للإنسانيّة قاطبة
إن أكثر مايدعونا إلى الحزن هو تعرّض الآثار الّتي تحتضنها تلك الكهوف للخراب ، ونأمل أن نلفت النظر إليها للاهتمام بها وحفظها ، ولعل أهمّها معبد إله الشمس الذي يدلّ عليه عمل نحتيّ على جدار إحدى المغاور ، وهو نقش نصف دائريّ مُنجزٍ بدقّة وإتقان ، إضافة إلى نحت بديع ونادر للعُقاب السوريّ ، مُنفّذٍ بطريقة النفر ، والذي اتخذته الجمهوريّة العربيّة السوريّة شعارً لها ، كما تحتوي هذي الكهوف والمغاور على كتابات مسيحيّة يعود تاريخها إلى عام ١٧٩ ميلادي ، حيث يُرجح أن يكون المكان من أقدم أماكن العبادة المسيحيّة في العالم ، وذلك قبل صدور المرسوم الامبراطوريّ الذي سمح بالحريّة الدّينيّة عام ٣٢٣ ميلاديّ ، كما يضم المكان نقشاً للسيدة مريم العذراء تحمل الطّفل ، حُفر بطريقة النفر أيضاً ، والذي يُعتبر مثالاً حيّاً على تطوّر فن الأيقونات السوريّ عبر التاريخ

تُرى ، أنستطيع إعادة بث الحياة بتلك الكهوف ؟ والاهتمام بها لتبقى كنزاً تملكه الإنسانية عامة وسوريا على وجه الخصوص ، نفتخر بوجوده على أرضنا ، ونستقطب الزائرين والسيّاح من مختلف أنحاء العالم ، ليكونوا شاهدين على هذا المكان المعجزة

هامش

قصة النسر السوري الذي بقي منه أعداداً قليلة في الجبال المحيطة بمدينة تدمر وهو حالياً شعاراً الجمهورية العربية السورية

دمتم و دامت سوريا بخير

بقلم الفريق المؤسس لشبكة أينيسيس

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

الشركات الاجتماعية / شركات ريادة الأعمال

التقت شبكتنا أحد الشباب وهو ممن لم تطب له فكرة السفر في سنوات الأزمة وآثر البقاء يقوده الامل بما بقي وبمن بقي في هذه البلاد الى هدف لم تتوضح ملامحه بعد، لكنه حتماً يستشعر وجوده ويستلهم من ذلك طاقته للاستمرار مع فريقه في العمل

في معرض حديثنا قال لنا: أحب وطني ومجتمعي و لدي شغف لا حد له بالعمل لأجلهما لكني لدي أيضاً رغبة عارمة بالخروج عن المألوف فلا أود تأسيس (جمعية/ مبادرة/ تيار … الخ) وأرغب في الوقت ذاته بتحقيق بعض الربح الذي سيضمن لي بكل تأكيد ازدهار عملي ربما خارج الحدود دون أن اكون مستثمرا همه جني الأرباح !!! واستطرد متسائلا،  كيف يمكن جمع هذا كله  في شيء واحد؟! 

وبما تملك شبكة الخبراء من معرفة و امكانيات البحث تمكنا من الاجابة  بنعم ! يمكن تحقيق ذلك كله بتأسيس ما يسمى بالشركة الاجتماعية. فتعالوا معنا لنحملكم في رحلة سريعة نسلط الضوء فيها هذا علي هذا الشكل الابتكاري الجديد الذي يلف العالم اليوم باعتباره الشكل الأمثل لأعمال المستقبل ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتنمية المستدامة 

يعرف عن الشركات الاستثمارية قدرتها على تقديم أفضل الخدمات وأكثرها فعالية، فلم لا يتم استثمار هذه القدرة في مجالات النفع العام وأهمها المجتمع والبيئة ؟! و الاستفادة في الوقت ذاته من الميزات الضريبية التي تمنح للجهات العاملة لصالح النفع العام؟

إن امتلاك فكرة جيدة لصنع عمل / استثمار هو أمر جيد لكنه غير كافي لتحقيق استدامة عمل الشركة الاجتماعية لذلك يجب على الشركة أن تمتلك القدرة على الابتكار والإبداع. فما هي الشركة الاجتماعية و فما هي الشروط التي يجب ان تحققها حتى تتحول الى استثمار ذا أثرٍ مستدام؟

اكتسب مصطلح “المؤسسة / الشركة الاجتماعية” مكاناً سريعاً في السوق كطريقة لوصف حركة جديدة مبتكرة في مجال الأعمال وريادة الأعمال

ينبع عمل المؤسسة / الشركة الاجتماعية من مبدأ يميزه عن بقية أشكال الشركات الاستثمارية فهدف الاستثمار الأساسي ليس تحقيق الأرباح وإنما تقديم حلول لمشاكل تهم الصالح العام ويأتي المجتمع والبيئة عادة في مقدمة هذه الأهداف

غرض المؤسسة / الشركة الاجتماعية هو تحقيق مهمة اجتماعية – مثل توفير الرعاية الصحية أو مياه الشرب المأمونة للفقراء ، وإدخال الطاقة المتجددة ، وخلق فرص عمل للعاطلين عن العمل أو النهوض بمبادرات التعليم

الإيرادات المستدامة تميز المؤسسة الاجتماعية عن المؤسسة الخيرية التقليدية التي تعتمد على التمويل الخارجي كالتبرعات أو المِنَح لتحقيق مهمتها الاجتماعية

 على الرغم من أن الأرباح ليست الدافع الأساسي وراء المشروع الاجتماعي ، إلا أن الإيرادات لا تزال تلعب دوراً أساسياً في استدامة المشروع

 هذا لا يعني أن الشركات الاجتماعية لا يمكن أن تكون مربحة للغاية ، فهذا يعني ببساطة أنه عندما تكون كذلك ، فإن أولويتها هي إعادة استثمار الأرباح في مهمتها الاجتماعية بدلاً من دفع الأرباح للمساهمين في الشركة

 المشروع الاجتماعي الناجح هو الذي يوازن بين دعم المهمة الاجتماعية لمنظمتهم و تعظيم إنتاجية مشروعهم التجاري لضمان الاستدامة: الفرق بين المشروع الاجتماعي والعمل الأخلاقي

 تجدر الإشارة إلى الاختلافات الواضحة بين المشروع الاجتماعي والعمل الأخلاقي.  تتمحور المؤسسة الاجتماعية حول مهمة اجتماعية وتستخدم التجارة كأداة لتحقيق أقصى قدر من الاستدامة والتأثير.  تتمحور الأعمال الأخلاقية حول تحقيق منفعة لمساهميها ولكنها تتبع نهجاً قائماً على الأخلاق في قضايا مثل البيئة والممارسات التجارية وتنمية المجتمع

أمثلة و أنواع الشركات الإجتماعية

 اذن كما ذكرنا يتم تأسيس الشركات الاجتماعية لحل مجموعة من الاحتياجات الاجتماعية وغالباً ما تختلف في نموذجها.  نقدم لكم هنا أدناه ثلاث طرق شائعة مع بعض الأمثلة الأفضل في فئتها لكل نموذج

نموذج الابتكار

  Solar Sister 

 شركة هي مثال لشركة تتعامل بشكل مباشر مع حاجة اجتماعية من خلال منتجات مبتكرة.  تجلب الشركة تكنولوجيا الطاقة النظيفة حتى إلى أبعد المجتمعات في المناطق الريفية في إفريقيا من خلال شبكة مبيعات مباشرة تتمحور حول المرأة. ومن الشركات الاجتماعية الأخرى التي تقدم منتجات وخدمات مبتكرة لحل مشكلة اجتماعية

BioLite و Kiva و Drink Soma و FairPho

نموذج خلق فرص العمل

هي مثال على نموذج التوظيف العادل Faire

هي مثال لمؤسسة اجتماعية تخدم الصالح العام من خلال توظيف الأشخاص المحرومين بأجر عادل.  تستأجر الشركة حرفيين في العالم النامي لصنع المجوهرات التي تُباع في الأسواق الدولية ، وتوفير أجور كريمة وبرامج اجتماعية شاملة للحرفيين تبعدهم عن الفقر.  ومن الشركات الاجتماعية الأخرى التي توظف الأشخاص المحرومين لكسر حلقة الفقر

Raven + Lily ، عشرة آلاف قرية ، The Giving Keys ، Krochet Kids ، Divine Chocolate

نموذج ردّ الجميل

– Better World BooksRoma Boots /Roma Boots

‏ هو مثال لنوع ثالث من الشركات الاجتماعية التي تخدم الصالح العام من خلال رد الجميل مقابل كل عملية شراء يتم إجراؤها

 فمقابل كل زوج جديد من أحذية روما يتم التبرع بمستلزمات تعليمية لطفل محتاج.  يمنح هذا النموذج المستهلكين قياساً ملهماً وملموساً لتأثيرهم. ومن الشركات الاجتماعية الأخرى التي تعيد تدوير عمل الخير مقابل كل منتج يتم شراؤه

Sackcloth And Ashes ، TOMS ، Skyline Sock

جميع هذه النماذج تتشارك في النقاط التالية

الشغف: الرياديون لا يبادرون إلى هذا النوع من الأعمال بحثاً عن توفير سبل عيشهم، وانما هم يحققون بذلك هدفاً غالياً على القلب 

روح الفريق: الرياديون يؤسسون على عكس المستثمرين التقليديين فريقاً

اثارة حماس الزبائن: لان المشاريع تستهدف هموم الزبون مباشرة وهو ما يسهل اكتساب دعم شريحة أوسع من الزبائن على خلاف الشركات التقليدية

روح الابتكار: معظم الرياديين يجلبون معهم ابتكاراتهم التقنية الخاصة بهم الى السوق

قد يواجه رياديو الأعمال الراغبين في تأسيس شركة اجتماعية في العالم كله مشاكل عامة قد تقود للاعتقاد أن  نشوء هذا النوع من الأعمال ضمن الظروف المهيمنة في سوريا هو ضرب من المحال، أهمها الصعوبات المالية في مرحلة التأسيس باعتبارها نموذجاً يرغب على وجه الخصوص الجيل الشاب الجديد بتطبيقه والشباب قد ينقصهم بطبيعة الحال المال للتأسيس وكذلك للاستمرار في المراحل الأولى. إضافة الى الحاجة الى شبكة من الداعمين والمؤمنين بهدف الشركة لضمان استدامة عملهم. وأخيراً وليس آخراً يحتاج هذا النوع من الشركات لدعم الدولة والقانون عن طريق ترخيصها وتحديد هويتها القانونية وتأمين بيئة تشريعية حاضنة ومرافقة لها.  علماً انها تعد نموذجاً حديث الولادة نسبياً في العالم ومازالت الكثير من الدول في طور تبنيه ودمجه وترخيصه. * ألمانيا قامت بالاحتواء التشريعي فقط منذ عام ٢٠١٣

لكن ان علمنا أن بعض الأعمال القائمة في سوريا تملك بالفعل مقومات الشركة الاجتماعية التي ذكرناها وتحقق شروط نجاحها بجدارة لكنها لم تجد الا بدائل التأسيس المتاحة كشركة تجارية أو جمعية وما الي ذلك ، و نسوق من الواقع امثلة عن مشاريع نعرفها مثل: سماور و أبهة و عِنات و العديد من الجمعيات والشركات المشابهة.  قد يقودنا ذلك إلى الدعوة من خلال هذا المقال لدراسة ترخيص هذا النوع الجديد من الشركات. خاصة أن بوادر حماية هذا النوع من الاعمال ظهرت في مشروع قانون الاستثمار في سوريا و الذي يخصص امتيازات واضحة و واسعة للجهات التي تستهدف في أعمالها تحقيق النفع العام. فإن بدأنا اليوم في سوريا لن نكون آخر الواصلين حتماً 

دمتم و دامت سوريا بالف خير

بقلم الفريق المؤسس لشبكة أينيسيس

*
Social Entrepreneurs in Deutschland: Raus aus der Nische – 154.000 „junge“

Sozialunternehmer im Jahr 2017

پينوكيو 140 عام وتستمر الحكاية


دخل  كارلو لورينزيني المشهور ب كارلو كولودي عالم الكتابة كمراسل في البداية ثم قام بتأسيس صحيفة ساخرة 
Le Lampion 

نشرت الصحيفة مائتين واثنين وعشرين عددًا لكنها اضطرت للتوقف بعد تسعة أشهر ، عندما تمت الإطاحة بحكومة فرانشيسكو دومينيكو غيرازي 

في 11 أبريل 1849 انتقل بعدها للمسرح الذي كان شغفه منذ البداية 

أسلوبه  المباشر والساخر  كان خطوة نحو حداثة اللغة الإيطالية.  أشاد به النقاد  باعتباره أحد أهم الأقلام التي  رفعت الكتابة الصحفية إلى مرتبة الفن.  لكن نشاطه السياسي أخصعه لرقابة السلطة مما دفعه للكتابة باسم مستعار فاختار، كولودي وهو اسم القرية التي أمضى فيها طفولته

، ينضم كارلو لورينزيني إلى جمعية تشجيع المسرح.  في عام 1864 تمت ترقيته إلى سكرتير من الدرجة الثانية لإدارة مقاطعة فلورنسا

في عام 1868 ، عينه وزير التعليم العام ، إميل بروجليو ، عضوًا استثنائيًا في “مجلس جمع المفردات المستخدمة في فلورنسا ” ، وهو تعهد كان من المقرر أن ينتج عنه قاموس للغة التوسكانية

في عام 1870 ، انتفض في الصحافة ضد الزيادة في الضريبة وأصابه اليأس وهو  المشروع السياسي لشبابه وقد تحول إلى فضائح مالية ومشاحنات شخصية وقوانين عبثية

ولادة پينوكيو

في الخمسينات من عمره  كتب كارلو الفصول الثلاثة الأولى عن ماريونيت خشبية في الحقيقة عودته للكتابة حينها كانت لأسباب مالية ” إدمانه للكحول والقمار ” وهذا مايفسر قتله لبطل القصة حيث ينتهي الفصل 15  بانتحار پينوكيو الذي صدم القراء فليس من عادة الكتاب وخاصة القصص الموجهة للأطفال أن ينهوا حبكتهم بقتل البطل

إلا أنه لم يكن يتوقع هذا النجاح لروايته فاضطر لإحيائها من جديد ومواصلة المغامرات من شباط 1882 وحتى يناير 1883 ليكون الفصل 36 هو الفصل الأخير بعد ان جمعها كارلو في مجلد واحد مع رسوم للشاب انريكو مازانتي*

ترجمت هذه الرواية إلى أكثر من 240 لغة وتجاوزت مبيعاتها 10 ملايين نسخة لتصبح ثاني أكثر الكتب مبيعاً في إيطاليا بعد الكوميديا الإلهية لدانتي

ما الذي قدمته هذه الرواية  و لِمَ هذا الاسم ؟ 

أراد كارلو كولودي ترسيخ الفضائل والقيم الأخلاقية لإيطاليا الريفية

….. ( الأسرة ، التعليم ، العمل ، مساعدة الآخر )

جاء اسم پينوكيو من

pignon في لغة توسكان*  pinolo  

في اللغة الإيطالية وتعني بذرة الصنوبر وهي الشجرة التي أخذ منها الجذع الذي صنع به النجار الدمية  پينوكيو

أولى القيم التي قدمتها الرواية هي احترام الوالدين حيث يوبخ جيپيتو النجار ” ابنه” پينوكيو حين سخر منه – لم أكد أنته من صنعك بعد وها أنت تهزأ بي هذا سيء يابني فعل سيء

القيمة الثانية أهمية التعليم وضرورة المدرسة مهما كانت الصعوبات فقد باع الأب معطفه الوحيد ليشتري لابنه كتاب الأبجدية في المقابل نرى الطفل المشاكس الفوضوي يرفض الذهاب للمدرسة مفضلاً الانطلاق برحلة ممتعة نحو مسرح العرائس وخلال هذه الرحلة سيتعلم بينوكيو ألا يثق بالغرباء وأن الصحة شيء مقدس لا يجوز التهاون به ثم تأتي القيمة الأشهر في الرواية (( لا تكذب )) فعندما تكذب سيطول أنفك – بني الأكاذيب تظهر على الفور

في كل مغامرة كان يتعلم شيئاً جديداً وإن كان الدرس قاسياً كما حدث عندما سرق عنقود العنب فأدرك بعدها أن الأمانة ضرورة والسرقة فعل مشين ومع كل تجربة كان هذا الصبي الخشبي ينضج قليلاً – أفضل شيء تقدمه للموتى هو أن تدعهم يرقدون بسلام

تتبلور هذه الشخصية وتظهر شجاعة ومسؤولية عند غرق الأب – إنه أبي علي أن أنقذ أبي 

ثم تأتي قيمة العمل وهي الرسالة التي كررها كارلو في أكثر من فصل خاصة في الأجزاء 24/26 – الفقراء يحتاجون للمساعدة الفقراء الحقيقيون هم فقط العجزة والمرضى الذين لا يستطيعون خدمة أنفسهم هؤلاء فقط هم الفقراء وعلينا أن نساعدهم أما الآخرون كلهم عليهم أن يعملوا

قدم پينوكيو المساعدة أيضاً للجنية والتي كافأت أعماله بتحويله إلى صبي حقيقي في آخر الرواية – پينوكيو لقلبك الطيب أسامحك على كل أخطائك السابقة الأطفال الذين يعطفون على آبائهم ويعاملوهم بشكل جيد يستحقون دائما التمجيد

بالتأكيد هذه الرواية تعليمية وترفيهية إلا انها لم تكن فقط للأطفال كارلو كان متأثراً بالأحداث التي مرت بها إيطاليا والحركة اللاسلطوية فقام بإظهار النقاط الإيجابية والسلبية لها من خلال شخصية پينوكيو المتمردة الفوضوية والتي لايتم تهذيبها حتى أواخر الرواية وبعد العديد من التجارب والصدمات تماما كبذرة الصنوبر التي لا نحصل عليها حتى نكسر قشرتها بدأت الرواية بالسلوك السلبي الذي قام به پينوكيو من سخرية واستهزاء بوالده ثم بعنف موجه ضد الصرصار”غريلون پارلانت” الناطق والهروب من المدرسة رفضه للعمل الكذب والسرقة بعدها نرى نتائج هذه التصرفات التي صقلت هذا الصبي وحولته إلى صبي لطيف محب وملتزم يساعد ويطيع وهي بالضبط صورة للمواطن المثالي 

الرواية مقسمة إلى 36 جزء خصص الأول منها للأب جيپيتّو والذي يرمز بشكل ما للمجتمع ثم يختفي بعدها ليظهر في الفصول الأخيرة من جهة أخرى لدينا الجنية ذات الشعر الأزرق وهي العنصر الأنثوي الوحيد في الرواية والتي ترمز للأم الأم التي تنصح وتهذب وتعالج وبين هاتين الشخصيتين ومعهما صوت الصرصار ” صوت الضمير ” يتم تهذيب پينوكيو وتحويله إلى الصبي الجيد

هكذا كانت رحلة پينوكيو التي أدت إلى ولادته من جديد دون أي ذكر للدين في هذه الرواية

لذا أصبحت پينوكيو أيقونة في عالم الأدب الموجه للأطفال وتم تبنيها في المسرح والسينما وإعادة إصدارها بحلل جديدة غيرت أحياناً في أحداث القصة ومجرياتها إلا أن پينوكيو بقي خالداً على مدى 140عام سواء كشخصية روائية أم سينمائية بل حتى في الطوابع البريدية والموروث الشعبي العالمي 

《أنفك سيطول عندما تكذب 》 

《 إن كنت كسولاً في المدرسة ستطول أذناك كالحمار 》

و من خلال موقع أينسيس أدعوكم اليوم لإعادة قراءة هذه الأيقونة فهناك الكثير بعد للحديث عنه ، وربما تكون دعوة لإعادة النظر فيما نقدمه لأطفالنا في سوريا خاصة وأن لدى جداتنا الكثير بعد من الحكايا التي مازال صداها يتردد في ذاكراتنا فلم لا نجمع تلك الحكايا الشعبية السورية الأصل ونوثقها من يدري قد نجد بينوكيو آخر في كهوفنا وإن لم نجد فلنخترع

بقلم: روكسانا سيمونيه

هوامش

1-

توسكانا : toscana

(في الإيطالية: Granducato di Toscana) هي مقاطعة مستقلة  كانت موجودة بين عامي 1569 و 1801 ثم بين عامي 1815 و 1859 في إقليم يقابل تقريبًا المنطقة الإيطالية الحالية التي تحمل الاسم نفسه

2-

إنريكو مازانتي (فلورنسا ، 5 أبريل 1850-3 سبتمبر 1910) هو مهندس ورسام كان أول رسام لپينوكيو. 

3- 

الأناركية ( اللاسلطوية )   تيار فلسفي /سياسي  ظهرت في القرن التاسع عشر  قائم على مجموعة من النظريات والممارسات المناهضة للسلطوية والداعمة للديمقراطية المباشرة والحرية الفردية كقيمة أساسية. لا تدافع عن غياب القانون ، لكنها تناضل بحيث تنبع صياغتها مباشرة من الشعب (المبادرة الشعبية) ، بحيث يتم التصويت عليها وإقرارها من قبل الشعب

« Older Entries