Tag Archives: فاديا رستم

ماذا عن المهارة السورية بالنفخ في الزجاج؟

قد انتابتني السعادة وغمرني شعور بالفخر كسورية عندما قرأت في عدة مجلات علمية خاصة بصناعة الزجاج السويدي، ذلك أن موطن حرفة صناعة الزجاج الأول هو سوريا. وهو ما شجعني للقيام برحلة سياحية لمنطقة مشهورة بمعامل صناعة الحرف اليدوية للزجاج على الطريقة السورية الأولى (النفخ في الزجاج)، في مقاطعة سمولاند. في سمولاند، المجتمع الذي بُنيت فيه هذه الحرفة و توسعت اكتسبت إسم مملكة الزجاج، فيها أقدم معمل لصناعة الزجاج في السويد “كوستابودا” ولا تزال تستخدم الطريقة الحرفية اليدوية الأولى. المنطقة واسعة تقع في جنوب وسط السويد غنية بالبحيرات و رمالها و غاباتها التي استغلت منذ القدم لصناعة الزجاج كما قام سكانها على استغلال الطبيعة و شلالات المياه فيها لتوليد الطاقة للمعامل فيها

فكرة بناء معمل صناعة الزجاج بالنفخ تبلورت في عام 1736.. بعد استكمال شروط البناء و الموافقات نشأ أول مصنع في السويد عام 1742.  تستمر هذه الصناعة حتى يومنا هذا بالتوسع  و يصل عدد زوارها الى مليون زائر سنوياً فقط في فصل الصيف. عند زيارتك للمنطقة التي يقع فيها المعمل تستطيع زيارة المعمل الأول وفيه قسم يعد كمتحف لاولي الادوات و المكاتب التي تم استخدامها و للزجاج المصنوع.  تستطيع زيارته دون آجر.ولمن يرغب من الزوار بمعرفة أعمق  يستطيع حجز موعد مخصص  لجولة معرفية حيّة داخل المعمل مقابل دفع أجر بسيط.  يرافقك في الجولة مرشد/ة سياحية تتلو عليك معلومات غنية عن تاريخ المعمل و طريقة عملهم، بينما أنت تستمتع أثناءها في مشاهدة حية لصنع قطعة زجاجية من بداية  مراحلها وحتى نهايتها ( انظر الى الصور المرفقة) .  في قسم أخر تستطيع أيضاً حجز موعد خاص لك مقابل أجر لتتعلّم قليلاً مبادئ الحرفة و تجرّب بنفسك يوماً أو يومين صنع الزجاج كنوع من الاستجمام و صناعة الفن و ربما تتشجع على دخول مدرسة مهنية لتتعلم الحرفة فعلاً.  و لمَ  لا؟!  ففي السويد يوجد ثانوية لتعليم حرفة صناعة الزجاج و فنّه.. تستطيع أيضاً حجز ساعة مقابل أجر لصنع قطعة زجاجية تحت إشراف و مساعدة أحد الحرفيين و تنفخ زجاجتك بنفسك و تشكل الشكل الذي يروق لك لتأخذ لاحقاً قطعتك الفنية التي صنعتها كذكرى من هذه الزيارة.. كنت ارى العائلات و الأطفال خاصة يستمتعون في هذه المشاركة وأعلم أن الأجور التي دفعوها تدعم الحرفة و نقابة الحرفيين و تسعد الزوار لتقرّبهم من منتجات بلدهم للحفاظ على إرثهم الوطني.. وإلى نفس المساحة الجغرافية في سمولاند  تستطيع الدخول دون أجر لمشاهدة غاليري يُقام فيها على الدوام عروض اعمال فنية لفناني الزجاج السويدين

في نفس المنطقة و التي كانت مجتمع وقرية صغيرة و بسيطة تحوّلت الى اجمل مكان سياحي يكتظ بالأفكار الجميلة التي تستثمر المكان لدعم الحرفة. فهناك محلات لبيع الزجاج بأسعار منافسة  لباقي الأسواق في المدن السويدية وهناك سفاري بالقرب منها تقصده العائلات التي تود  ترفيه أطفالها و التعرّف على حيوانات الغابة عن قرب في نفس وقت زيارة معامل الزجاج و هناك هوتيل كل مافيه من الزجاج و كأنك تسكن في غرف زجاجية و إقامته مميزة و جميلة. إضافة إلى محلات أخرى افتتحت لتعرض منتجاتها بأرخص من باقي المدن، كعامل جذب للزوار الذين سيشترون منتج المنطقة بسعر أقل من بقية الأسواق مما يوفّر على الزائر و تمنحه مكسب أكبر من خلال زيارته للمعمل

تحدثنا المقالات المعرفية كما  شرحت أيضاً لنا المرشدة السياحية هناك، أنه أثناء الثورة الصناعية و دخول معامل اوتوماتيكية لصناعة الزجاج تراجعت الحرفة صناعة الزجاج، كما غيرها من الحرف التي تتطلب جهداً و وقتاً للصناعة. فكان الزجاج الصناعي أرخص. هذا دفع نقابة الحرفيين بالتعاون مع الدولة على ايجاد افكار ابتكارية لدعم الحرفة واستمرارها لتنافس الصناعي. فجلبوا فنانين مشهورين من بلدهم و أعطوهم مهمة خلق أساليب جديدة لتقوية هذه الحرفة فقام هؤلاء الفنانون بوضع رسمهم على الزجاج و توقيعهم وخلق أشكال و صناعات تدخل في منتجات جديدة مما ساعد على خلق لهفة عند الشعب لاقتناء هذه المنتجات و منها ما أصبح سعره مقبولاً لاقتنائه  في منزل سويدي بسيط 

طوال زيارتي هناك سكنني تساؤل تلقائي عن وضع هذه الحرفة في بلدي الأم  وكيفية انتشارها و الدعم القائم لها. خاصة ان ذاكرتي عنها لا تحمل الا صور الزجاج المنتشر في الأسواق من الصناعة المستوردة أو الخزفيات التي تُعرَض في اماكن الخمس نجوم التي يرتادها السياح، وقد يقتنون منها ربما قطعة زجاجية سورية للذكرى، فسارعت عند عودتي لقراءة و معرفة المزيد عن هذه الحرفة في سوريا! ا

صدمت  عندما علمت أنه لا توجد في سوريا الا عائلة واحد من ثلاث إخوة  تعمل في مشغلها القائم في أطراف دمشق الشرقية، في خان الزجاج. عائلة الحلاق هي العائلة الوحيدة التي بقيت تتوارث  هذه المهنة وهي  تصارع اليوم لبقائها بالرغم أن أطفالهم يرفضون تعلمها، فهي لم تعد مجدية مادياً

صحيح أن الحرب على سوريا دفعت هذه المهنة للتراجع لعدم توفّرالطلبات الكافية. و لكن الحقيقة ايضاً أن هذه الحرفة أُهملت تماما حتى قبل الحرب ولم تتلقِ الدعم الكافي الذي يضمن استمرارها او تنشيطها و توسعها.. هناك الكثير من التصريحات التي نقرأها في الصحف السورية المحلية أو من تصريحات المسؤولين في وزارة الصناعة خلال فترة الحرب واليوم تتحدث عن اهتمام  الحكومة بدعم الصناعة و الحرف اليدوية و لكن بالرغم من كل هذه التصريحات لم تلمس  صناعة الزجاج التقليدي أي دعم او تطوير ولا حتى الآلي الذي أصبح الآن  يطالب الوزارة في تسهيل عملية استيراد الزجاج للصناعة.. أتوقف هنا و أتساءل أين تذهب نفايات الزجاج إن لا تُستثمر في إعادة تدويرها و تساهم في صناعة الزجاج؟ و ماذا  ينقص بلد كسوريا لإحياء صناعة الزجاج الحرفية و استثمار الخبرات السورية لتزدهر هذه الحرفة و تنافس الزجاج العالمي مجدداً، و تنشط السياحة الداخلية والخارجية للقدوم الى ورشات الزجاج كما السويد؟

و عند سؤال السيد “طلال معلا”، وهو الفنان التشكيلي والباحث في الجماليات، اضافة الى نجاحه في تسجيل تراث مسرح الظل في منظمة اليونيسكو باسم سوريا بدعم من الأمانة السورية للتنمية، عن حال هذه الحرفة و كيفية توثيقها و الحفاظ عليها كما فعلو مع مسرح الظلّ، أضاف: حاولت كثيراً الالتفات لدعم صناعة الزجاج اليدوي بإعادة تشغيل أفران التكية السليمانية وتم وضع مخططات لمشروع متكامل للتشغيل لكامل المنطقة بما فيها الصناعات الزجاجية اليدوية لكن عوامل كثيرة حالت دون تحقيق المشروع ليست الحرب اولها ولا التشريعات آخرها.  لقد هجر المهنيون مواقعهم للعمل في لبنان (صيدا) ومواقع أخرى لعدم وجود سوق لبيع المنتجات في سوريا مع توقف الحركة السياحية وبفعل الحصار الاقتصادي … الخ

القصة تمتد لمحاولات إيجاد قوانين تحمي الحرفيين، وخاصة المهن التراثية والثقافية، وقد أنجزنا جزءاً هاماً  فيها لكنها لم تعتمد لعدم صدور قانون التراث الثقافي الجديد الذي عملنا عليه لسنوات

و لهذا تتراكب فان عوامل كثيرة في عمليات صون هذه المهن والحرف التقليدية وقد اشرت أنتِ الى ان الامر يحتاج الى توثيق و تسجيل الحرفة في اليونيسكو كما قمنا به في خيال الظل، فالعملية متكاملة لنقل المهنة من جيل الى جيل بأسلوب معاصر وضرورة دعم المتدربين لايجاد محترفاتهم من جهة، وتحقيق اسواق لمنتجاتهم التي لابد ان تأخذ لمسات عصرية

أن تنمية جزئية لموارد التراث الثقافي الوطني لاتكون ناجعة إلا في إطار سياسة ثقافية واضحة تركز على استثمار التراث الثقافي دون الإخلال بأصالته وقيمته الإنسانية والمجتمعية، فحرفة الزجاج اليدوي مرتبطة بمجاوراتها من الحرف والمهن الثقافية واذا كان قد تم تحويل اساليب استثمار الزجاج اليدوي من مكمل جمالي وثقافي واجتماعي الى كماليات تزيينية، فإن ذلك يقتضي التعمق في دراسة الموقع التنموي الذي يمكن ان تشغله هذه الحرفة على المستوى الإبداعي وضرورة الربط بينها وبين مهن صاعدة ومؤثرة كالتصميم الفني والمعماري وسواهما من مجالات استخدام المتج وابتكار أسواق معاصرة داخل البلاد وخارجها.. كما ان الربط بينها وبين حرف تزيينية أخرى يجري استخدامها في الديكورات كالعجمي والتصديف والمحفورات الخشبية وسواها من الحرف التراثية التي تعاني هي الأخرى من الهجرة والنزوح، ستشكل النظرة الرشيدة للسياسة الثقافية التي يمكن أن  توليها وزارة الثقافة طريقاً مهماً لاقتراح صون هذه المهن التراثية وطنياً قبل وصولها الى الصون العاجل في اليونسكو أو سواها

أصل صناعة الزجاج

في البداية تم استخدامه للزخرفة و للأعمال الفنية. و وفقاً لما دوّنه المؤرخ الروماني القديم، بليني الأكبر، فإن التجار الفينيقيين إكتشفوا مرّة عندما رست سفينة لهم محملة بالنيتروم على الشاطئ السوري وقاموا باستخدام كتل النيتروم لدعم أواني الطعام أثناء طهي طعامهم و إشعال النار من تحتها. دمجت النار النيتروم بالرمال و تدفق سائل شفاف تحوّل الى زجاج عندما برد

تقول مصادر أخرى أن مصر آيضاً دولة أخرى اشتهرت فيها صناعة الزجاج في وقت مبكر، يُعتقد أنّ أقدم جسم زجاجي تمّ إنشاؤه حوالي (3500) قبل الميلاد في مصر وشرق بلاد ما بين النهرين، أقدم عينات الزجاج من مصر وتعود إلى (2000) قبل الميلاد، في عام 1500 قبل الميلاد، كانت الصناعة راسخة في مصر، بعد 1200 قبل الميلاد تعلّم المصريون ضغط الزجاج في قوالب.

في القرن الأول الميلادي اكتشف السوريون أن الزجاج يمكن تشكيله بالنفخ في أنبوب نفخ زجاجي مجوف. مما ينتج عنه بهذه الطريقة كميات كبيرة من الزجاج الشفاف

 بما أن سوريا كانت تنتمي آنذاك إلى الإمبراطورية الرومانية،  انتشر فن نفخ الزجاج أيضاً من خلالها في أوروبا.  تم استخدام الزجاج في أهم المباني في روما وفي الفيلات الفاخرة في بومبي.  حتى العصور الوسطى، كان الزجاج يستخدم بشكل رئيسي في الكنائس والقصور.  في وقت لاحق ، تم استخدام النوافذ الزجاجية أيضًا في المباني العامة والنزل والمنازل التابعة للمواطنين الأثرياء

بقلم السيدة: فاديا رستم

تدقيق لغوي: أميمة ابراهيم

إنتِ من وين؟؟

مع كل مرة كُنت أُسأل هذا السؤال اتذكر سكيتش غنائي لفيروز في مسرحية جبل الصوان تقول فيه فيروز

بيضلوا يسألوك إنت شو إسمك؟

بتقلن إسمي فلان

ما فيك تكون بلا إسم

بيضلوا يسألوك إنت منين؟

بدك تقول منين

ما فيك تكون مش من مطرح

كانت هذه الأغنية تراودني و أبتسم مفاخرة بالجواب

!أنا من سوريا

بتُّ أدرك تماماً ما يرمون إليه عبر سؤالهم هذا، وأتقصّد من خلال جوابي، لفت انتباههم و إمهالهم، لبرهة من الوقت، ليفكروا بما أقول

نعم من سوريا! فلست أنتمي لقرية، قبيلة، أو مدينة، ولا حتى مدينة أبي، لأنّ لي أمّاً أفتخر بوجودها ككيان هام و أصيل ساهم مع أبي في تكويني، بل ربما لها الفضل الأكبر في ذلك، فأنا أنثى مثلها

فما الذي يدعوني للتعصّب لنسب أبي وطرح نسبها جانباً ؟ و لماذا أتعصّب لانتماء والديَّ و تأثير المدارس و المدن التي عشت فيها عليّ، كان أعظم من تأثير أهلي ؟

لم أتعمق يوماً ولم يشغلني هاجس السؤال الذي دأب السويديّون على طرحه عليّ، منذ بدأت غربتي بعمر صغير (١٩ عام) : من أين أنتِ؟ فالجواب كان سهلاً جداً وبديهياً إنّني من سوريا.. و هل هناك أجمل من جواب ينطلق تلقائياً بكل سلاسة دون حاجة للتفكير فيه، أنا لست من السويد إنّما أنا من سوريا

 بعد إنقضاء بضع سنوات في الغربة، بدأ بعض شعور بالغرابة بالتسلّل إلى نفسي خلال زياراتي للوطن، بدأت ألحظ استغراب البعض من بساطة واختلاف ملبسي، أو من سذاجة أسئلتي -حسب رأيهم- ، حين يبادرني سائلاً : من وين إنتِ؟ 

و كأنّها محاولة لتنبيهي إلى أنّني لا أنتمي إلى هنا …أيّا كان ما يقصده ب “هنا”، فكان الأمر يلتبس عليّ وأبدأ بالتشكّك… ؟ 

هل بت ّلا أنتمي لسوريا حقّاً ؟ 

وهل بدأ أثر البلد الآخر بالظهور عليّ، بشكل  أشدّ  وضوحاً، من أثر سوريتي! ؟ 

عندما كنت أسأل أصدقائي في السويد ذات السؤال، كانت الإجابة تأتي، غالباً، ذاكرة المدينة التي وُلِدوا أو تلك التي عاشوا فيها طفولتهم.. حتى ولو كان أهلهم موُلِدين في مدينة غيرها

عندما انتقلت مع طفلتي الأولى الى مدينة أخرى، وذلك لمباشرة العمل بأولى وظائفي الثابتة، كان زملاء طفلتي الجدد في المدرسة، يتعرفون على بعضهم البعض و يسأل كلٌّ منهم الآخر من أين أنت ؟ كان كل طفل يذكر اسم مدينته التي وُلِد فيها، و يتمازحون قائلين ( واضح من اللهجة ) مُلقين الدعابات حول لهجات بعضهم.. لم يسألها طفل من أين أنتِ أصلاً، بسبب لونها أو شكلها الذي يشي بأنّها ليست سويدية، لم يسألها أحد أو يهتمّ بأصل أبويها، لم يهتموا لنسبها لأنهم أبرياء التفكير و السريرة، و هذا ما يعمل الأهل على الحفاظ عليه تحديداً، وذلك منعاً من خلق حالة تفكّك في المجتمع. فالصديقة الجديدة هي كما هي إنسانة لها هويتها الخاصّة، و ستنضمّ إلى ذات المدرسة و تأخذ نفس الدروس، و هذا مايهمّهم .

توارت آثار السؤال الغريب إيّاه مع استقراري في المكان، وازدياد الوعيّ المدعوم بالتقدم في السّن … واستمر ذلك  لفترة طويلة، ولم أكد أرفل في نعيم الاعتقاد بأنّ المراحل الهادئة للتأمّل و التعمّق في الحياة قد حانت، حتي بدأت الحرب في سوريا، وحَملت إليّنا فيما حَملَت، صغائر لم يكن في الحسبان أنّها جديرة بالتعمّق بالتفكير، خاصّة بظروف الحرب العصيبة من تدمير وتشرّد وتيه وضياع انتماء

وعاد ذاك السؤال ليُطرح عليّ من جديد، لكن هذه المرّة، كان مطروحاً من السوريّين أنفسهم

 من وين إنتِ ؟ و كنت أجيبهم كالعادة، أنا من سوريا، وفي خضمّ إعادتهم لطرح السؤال، مع إصرارهم على استحصال بعض التفاصيل أو الكثير منها، عبر عبارات من نوع : منعرف إنّك من سوريا قصدي أبوكي من وين ؟ أصلك أصلك من وين؟ شو خايفة ندبحك إذا عرفنا إنتِ من وين؟ ماحدا رح يوصلّك إنتِ بالسويد ؟ جزعتُ

فقد تكشّف لي أنّ الكثير من الخوف، بات يُسيطرعلى حياة أبناء بلدي حتى وهم خارج حدوده، وأنّ ما عانوه في هذه الحرب البغيضة، التي ارتدت أثواب كل الحروب التي خيضت على مرّ التاريخ، قد لا يزول بسهولة، ولست أُنكر أنّ التاريخ قد حمّل هذه المنطقة ما لا تُطيق من بطش الحروب وصنٌاعها.. فكانت ذاكرة التاريخ الأسود تُعيد نقل ذات المشاهد في كل حرب، ناشرة الخوف ذاته 

ومع تيقُّني وعلمي بكل هذا… إلّا أنّني، وفي لحظة إجابتي عن السؤال حول انتمائي، كنت أطرد عتمة التاريخ من رأسي و أُجيب بما يتماشى مع قناعاتي و مبادئي، وقد يكون مردّ ذلك محاولتي الحثيثة دعوة السائل للتفكير خارج الصندوق .. إيّاكم والانصياع لضيق الأفق، الذي حُمِلتُم عليه بحكم كل ما يُحيط بتلك البقعة، ودعوا الإرث الأسود ليندثر.. تعلّموا الانفتاح على الحياة والمستقبل جميعاً، وتشبّثوا بما يُغني عقولكم وأرواحكم

تعلّمت، في سنيّ غربتي، كيف أصنع نفسي وأُعيد صياغة هويتي …. من   دراستي، إلى المجتمعات المختلفة التي عِشت فيها فأثّرت بي وأثّرت بها كذلك، فقراءاتي و اختلاطي بجنسيات وقوميات عديدة ومختلفة، وصولاً إلى عملي و خبراتي، تربيتي لأطفالي ….إلخ

هويتي أنا من يصنعُها، و ثقافتي هي هويتي

لا أعلم أين ومتى تحديداً، بدأت بعض الثقافات بربط هوية الطفل وتقيّيدها بهوية الأب

هويتي مطبوعة بأثر ذاكرتي وذكرياتها التي لا تُمحى، تلك التي أحملها معي أيّنما ذهبت وحيثما أقمت … فأنا أنتمي لمكان ولادتي و للنسيم المُحمّل بعبق الياسمين الدمشقيّ الذي تنشقته في بيتنا الشاميّ العتيق ؟ 

و أنتمي إلى حلب القلب التي نشأت و ترعرعت فيها، وكان لها الأثر الأكبر في تكوين شخصيتي حيث المجتمع الذي احتضن نشأتي، إذ غالبا ما يكون لذلك المجتمع الأثر الأكبر على الإنسان و تكوين هويته، وفقاً لعلماء الاجتماع

كلّنا يعلم أنّ لكلّ مدينة سوريّة خصائصها التي تسم بها أولادها بالإضافة إلى اللهجة

أنا لا لهجة محدّدة لي، أنا مزيج  سوريّ بامتياز .. والدي -الذي أُقدّس-حملت طباعه الكثير من طباع أبناء ساحلنا، وعاش، بحكم عمله ، مُتنقّلاً بين مختلف مدن سوريا، حيث اكتسب من خصال أهلها ما أحبّ وترك ما لم يتوافق وهواه، و أُميّ المولودة في زحلة، و التي عاشت بين حمص و حلب، ثمّ تنقّلت مع أبي وحلّت حيثما حلّ ..  ذلك التنوّع كان ما يُوجّهني منذ البداية، ومنه بدأت أتعلّم كيف يمكن للإنسان  أن يصنع هويته الخاصّة به دون الإلتصاق بجغرافيا منطقة مُعيّنة. فالإنسان نتاج مراحل عدّة و يحمل الوفاء و الإخلاص لكلّ بقعة عاش فيها، يُشبه في ذلك الأُمّ التي تُكِنّ الحبّ لجميع أطفالها بالتساوي غير قادرة على  تفضيل أحدهم على الآخر، فكلّهم أجزاء منها و تنتمي لهم مجتمعين، نضجت معهم وأصبحت  ماهي عليه بفضلهم جميعاً،  في سرّها فقط،  تعي حقيقة أن أحدهم يًشبهها إلى حدٍّ كبير، فلا تجعله الأثير عندها وإنّما تفخر بهذا التقارب والشبه … كما أفخر أنا، في جهري و في سرّي، بأنّ حلب هي طفلي الذي يُشبهني 

هويّتي هو ما حملته معي من عطرٍ سوريٍّ مُكثّف من كلّ مدينةٍ أحببتُها، و مزجّته بالمجتمع الجميل الذي كبرت فيه و اكتسبت أجمل خِصاله ..وما زلت اكتسب العطر وأنثره في محيطي يوماً إثر يوم ….! أليس أجمل جواب يُمكن أن يُقال بعد كل هذا الشرح أنّني ..من بلد الشبابيك المزروعة بالحبّ المفتوحة عالصدفة، من بلد الحكايات المحكيّة عالمجد المبنيّة عالإلفة ..بأنغام الرحابنة و شدوِّ فيروز ؟

هذه هي هويّتي

بقلم فاديا رستم

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

اللوحات المرفقة ادناه للفنانة و المعلمة سلام برهوم

نظام الضرائب كطوق نجاة – التجربة السويدية نموذجاً

الحالة المعيشية في سوريا تزداد سوءاً، و الأسعار تُحَلِّق في تصاعد مستمر دون أن يستطيع الاقتصاديون في البلد ضبطها. و بالرغم من محاولات  المصرف المركزي تعديل و ضبط سعر صرف الدولار، واتخاذ إجراءات مختلفة لمنع انخفاض الليرة السورية إلا أن الوضع الاقتصادي مستمر بالتراجع.. حتى أن محاولة الدولة زيادة رواتب موظفيها , كإجراء إسعافي , لم تؤدِّ إلى تخفيف صعوبات المعيشة على المواطن، لأن الأسعار كانت ترتفع عند كل زيادة للرواتب دون أن يلمس المواطن أي تغير أو تحسُّن في معيشته.. الأثرياء الكُثر في البلد، و الذي ازداد عددهم بعد دخول الأثرياء الجُدد الى طبقة مستهلكي الرفاهية، يحول دون امكانية  تحقيق  تحسن  أو انخفاض في أسعار السوق، خاصةَ و أن طبيعة حياتهم المرفّهة تتطلب شراء السلع  باهظة الثمن مهما كان سعرها، إضافة إلى أنهم يطلبون الماركات الأغلى دائماً، ويزداد طلبهم عليها في السوق بشكلِ مستمر. هذا أحد العوامل التي تؤدي إلى بقاء الأسعار مرتفعة، وغير قابلة للانخفاض مادام هناك طلب كبير و متزايد عليها

 فهل هناك حلّ آخر؟ هل تعديل قانون الضرائب يمكن أن يساعد في تحسين سعر السوق؟ دعونا نستعرض تجربة السويد خلال الحربين العالميتين الأولى و الثانية، و ماذا فعلت  لتنهض البلاد وتتجاوز عقبتي الفقر و الاقتصاد المنهار آنذاك. وهي صورة مشابهة لما حصل في باقي دول غرب أوروبا، وإن كانت لم تقع حرب فعلية على أرضها كما باقي الدول

 لقد كان للحرب العالمية الأولى تداعيات كبيرة في مجال الضرائب، ففي الفترة السابقة للحرب كانت الضرائب التي تجبيها الدولة عبارة عن جمارك و رسوم الإنتاج فقط . ذلك لأن أغلبية الشعب ان ذاك  كان يعمل  في الزراعة ويعيش على إنتاج أرضه. و من مبدأ أن إنتاج الأرض الزراعية من الطبيعة فإن الدولة لا يمكن أن تجبي ضرائب من الفلاحين. الضرائب كانت تستخدم معظمها لتمويل جيش البلاد وحماية الوطن. ثم جاءت الحرب و قرر السياسيون آنذاك أن على الجميع ان يساعد في حماية البلاد فازدادت الضرائب لتمويل الجيش. و قرر السياسيون،آنذاك، أن تكون الضرائب تصاعدية ( حسب دخل المواطن)، و مؤقتة بسبب الحرب، و لذلك كانت تسمى بضرائب “الدفاع عن الوطن”

بعد الحرب حان الوقت لإصلاحٍ ضريبي جديد. فتم وضع نظامٍ ضريبي جديد على الدخل و لكن مَرِن،استطاع أن يقدم إعفاءات أساسية سخية نسبياً، تعتمد على حالة الأسرة وتكلفة المعيشة في المنطقة التي يعيش فيها المواطن . فإن كان الشخص متزوجاً ولديه الأطفال يدفع ضريبة أقل، و إن كان يعيش في منطقة بعيدة تحتاج منتجاتها تكاليف أعلى فإن ذلك يخفف من دفعه الضرائب المتوجبة عليه

 ثم جاءت الحرب العالمية الثانية و جلبت معها تغييرات جديدة على نظام الضرائب، و كانت كلها تتمحور حول ضرائب الدخل. مثلاً  تم تخفيض حصة الثروة التي كانت تُضاف على الدخل، و ازدادت قيمة الضرائب على الميراث  والعقارات

 بعد الحرب بدأ قانون “الكشف الذاتي” عن الدخل (التصريح عن الدخل) دون تدخل موظفي الجباية و الضرائب. حيث يقوم كل مواطن سنوياً بملء استمارة تتضمن تصريحاً عن دخله خلال السنة وما دفعه من الضرائب، وبالتالي يضمن أنه مُسجّل عند الدولة في التأمين العام كالطبابة ، التقاعد ، فقدان العمل،المرض والإصابة …… الخ

هذه الشفافية في الكشف الطوعي عن الدخل , ساعدت الدولة و المواطن بشكل كبير في الاتجاه نحو بداية نظام ضريبي عادل. ففي عام 1947 قُدِّمَ أيضاً مايسمى بنظام “الضريبة المقتطعة” ، الذي يعني أن صاحب العمل أصبح مضطراً لخصم الضريبة (الأولية) مباشرة من دخول العمال. ثم يدفع صاحب العمل هذه الضريبة إلى سلطات الضرائب . بينما كان الأمر في السابق يعتمد على العمال أنفسهم، حيث يقومون  بدفع الضرائب بأنفسهم، مما يؤدي، في الكثير من الأحيان إلى تأخر في الدفع يتراكم لاحقاً كدَينٍ للدولة, وينقص المال المتوفر في خزينة الدولة

يختلف نظام الضريبة المقتطعة هنا عما هو الحال في سوريا، حيث لا يدخل اشتراك النقابة ضمن الشرائح التي تخضع للضريبة المقتطعة ،إذ يتم دفعه في السويد على حدى و بشكل فردي ، الأمر الذي يُحفز النقابة على العمل بجدية كبيرة لكسب الأعضاء من خلال أنشطتها المختلفة والدفاع عن حقوق أعضائها أمام أصحاب العمل

 على عكس الفترة التي سبقت الحرب العالمية ، اتسمت فترة ما بعد الحرب بالتضخم الاقتصادي المستمر. تسبب التضخم الاقتصادي في الضغط على دافعي الضرائب ذوي الدخول المنخفضة. و لم تكن للزيادات الضريبية التي سببها التضخم خلال فترة ما بعد الحرب أن تمر دون أن يلاحظها أحد سلبياً، لذلك قام السياسيون وقتها بخفض ضرائب الدخل ، خاصة لأصحاب الدخل المنخفض

 من ناحية أخرى، شهد أصحاب الدخل المرتفع ضرائب هامشية متزايدة . ومع ذلك ، استمرت زيادة التضخم خلال السبعينيات . ازدياد التضخم أدى إلى مطالب بزيادات عالية في الأجور ، مما ساهم في زيادة الحد الأدنى للأجور، و اقتربت وقتها الفئات في المجتمع من بعضها في الدخل المعيشي، و هذا ما ساعد في بدء تبلور مرحلة تحقيق مسيرة العدالة الاجتماعية

 كما رأينا أعلاه لقد لَعِبَت الجوانب السياسية والأيديولوجية جنبًا إلى جنب مع زيادة الديموقراطية في المجتمع دوراً في كيفية تغيير النظام الاقتصادي والسير باتجاه المساواة و العدالة. إن إدخال نظام ضريبة الدخل التصاعدية ( كلما ازداد الدخل ازدادت الضريبة مع تحديد سقف معين لذلك طبعاً) و “سلّم الكفاف” للمواطن السوري لمعيشته الذي يعتمد على سعر الليرة، و سعر المنتجات التي تضمن له كرامة العيش، و إعفائه من دفع الضرائب إن لم يتوفر له الدخل الذي يحتاجه للمعيشة، قد يكون هو المدخل الموضوعي لتحسين الوضع الاقتصادي،والنهوض بالاقتصاد

 ما الذي جعل المواطن السويدي …يثق بنظام الضريبي و يراه نظاماَ عادلاَ ومفيداَ لمصلحته كفرد؟ 

عندما يثبت النظام الضريبي للمواطن أنه من خلال التزامه و تصريحه عن الدخل الذي يحصل عليه شهرياً سيحصل على مبلغ مناسب لكل ولد من أبنائه ورعاية لهم في الحضانات والروضات  والمدارس ..الخ ، وانه سينال في نهاية المطاف مبلغاً تقاعدياً شهرياً و رعايةً صحيةً مضمونة مع تقدمه في السن، سينخرط المواطن طوعاَ بالنظام الضريبي وهذا ما حصل في السويد 

الحصول على الدخل عبر الحساب البنكي يساعد بالطبع في تسهيل العملية، ويجعلها أكثر دقة وموثوقية، وتحت المراقبة المشددة لمنع أصحاب العمل من التلاعب بالأموال و الفساد

 النظام الضريبي كان موحّداً و عادلاً تجاه كل اصحاب الدخل سواء كانوا في القطاع العام او الخاص، سواء كانوا تجّاراً وأصحاب شركات، أو كانوا أصحاب أعمال حرّة، فالجميع يضمن أن مستقبله تحميه الدولة لا الجمعيات الخيرية او الدينية، ولا يتكّل على وجود أبناء له،أو يربط مستقبله بوجود أبناء يرعونه في مرحلة عجزه

 هل من الممكن الاستفادة من التجربة السويدية ؟ إن تجديد تصميم النظام الضريبي ضروري لزيادة إمكانية الخروج من الفقر، وتوليد عائدات ضريبية يمكن استخدامها لسد الفجوات بين الطبقات و الفئات الاجتماعية، وأيضًا وسيلة فعالة للحد من الآثار البيئية والمناخية

 الهدف من النظام الضريبي هو ضمان تمويل القطاع العام والمساهمة في مجتمع يعمل بشكل جيد و عادل لكافة الناس و لكل الشركات والمؤسسات ، إضافة الى مكافحة الجرائم

 يجب أن تخلق السياسة الضريبية أيضًا الشروط لـ: التنمية المستدامة والعمالة المتزايدة، توزيع الثروة بالتساوي، مجتمع مستدام بيئياَ واجتماعياَ من أجل التمكُّن من دعم السياسة الاقتصادية بشكل فعال

 :يجب تصميم السياسة الضريبية وفقًا لأربعة مبادئ توجيهية

نظام ضريبي مشروع وعادل: يجب أن يتمتع المواطنون والشركات بمستوى عالٍ من الثقة في النظام الضريبي، و يجب فرض الضرائب بطريقة آمنة قانونياَ

قواعد عامة وواضحة متاحة للجميع: يجب أن تكون القواعد الضريبية عامة و واضحة ، مع قواعد ضريبية واسعة، و معدلات ضريبية متوازنة بشكل جيد مع أهداف السياسة الاقتصادية. هذا يساهم في نظام ضريبي شرعي وعادل. ويجب أن لا ننسى نشر التوعية و الثقافة الضريبية كشرط أساسي لنجاح النظام الضريبي، و هذا يتطلب البدء به في المراحل الأولى من الدراسة الابتدائية بالتعريف عن أهمية جمع الضرائب و عدالتها

الضرائب على علاقة وثيقة مع ساعات الدخل: يجب أن يتم فرض الضرائب ، قدر الإمكان ، فيما يتعلق بساعات العمل الفعلي. يؤمن انخفاض وجود الإعفاءات الضريبية في استثناءات محددة مثال عدد الساعات التي لا تتعدى ١٢٠ ساعة سنوياً 

:في الجزء الثاني من المقالة سنتناول الأسئلة التالية

١-هل الضرائب و تزايد نسبتها يضرّ الإنتاج و الاستثمار؟ 

٢- ما هو الأكثر إفادة لي كفرد في المجتمع، ضرائب خفيفة أو ضرائب عالية؟ 

بقلم المستشارة الإقتصادية فاديا رستم 

الاقتصاد ما بعد جائحة كورونا 2019 ، دروس وعبر

في عام 2020 ، تضرر اقتصاد الهند  الذي كان يُعدّ ، و لسنوات عدّة ، الأسرع نمواً وخامس أكبر اقتصاد في العالم (بعد الولايات المتحدة ، الصين ، اليابان وألمانيا) ، و انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة بلغت 7,7 بالمئة خلال العام المالي 2020-2021 بسبب كورونا كما ألحقت جائحة الكورونا أضراراً اقتصادية هائلة بدول العالم المصنفة بأنها غنيّة ، و الأمر الّذي لم يكن من الممكن   توقع حدوثه قبل عام 2019 . ففي ذلك الوقت ، كان الاعتقاد بأن الڤيروس الجديد سيشكل خطراً أساسياً على البلدان ذات “أنظمة الرعاية الصحية الضعيفة” أودى فيروس كوفيد -19 ، في كل من الولايات المتحدة وأوروبا ،  بحياة أكثر من 400 ألف شخص حتى الآن

تباطأ النمو الاقتصادي خلال  الربيع الماضي في تلك الدول ، ليعاود نشاطه الآن ، ولكن بنصف السرعة المعهودة في تلك الدول ، بعد أن اجتاحتها الموجتان الثانية والثالثة من الوباء ،  ويُضاف إلى ذلك تكاليف اللقاحات التي يجب تأمينها لتعود دورة الإنتاج و تحريك عجلة الاقتصاد المطلوبة . و لكن ، وبعدما  أصبحت اللقاحات الآن حقيقة واقعة ، تعتري عملية الإنتاج والتوزيع مشاكل كبيرة حتى الآن ، حجزت البلدان الغنية ، التي يسكنها مليار نسمة من سكان العالم ، 4 مليارات جرعة من اللقاح ، و تم تخصيص 625 مليون جرعة فقط ، للدول الفقيرة والدول النامية ، و التي تتفوق من حيث عدد السكان على الدول الغنية بأضعاف مضاعفة . في أوروبا والولايات المتحدة ، سيُنجز التطعيم بالكامل بحلول الخريف. ومن المتوقع أن تستغرق عملية التطعيم ، عدة سنوات ، في أجزاء واسعة من نصف الكرة الأرضية الجنوب :تُرى ، هل تدرك الدول الغنية أن اقتصادها سيزداد سوءاً إذا لم تعمل على توفير اللقاح للدول الفقيرة أيضاً !؟

:دعونا نستعرض مايلي

أولاً: إن ضمان توفير اللقاحات ليس مجرد واجب أخلاقي ، بل إن ذلك يصبّ في مصلحة الدول الغنية

 في الأجزاء الأكبر من العالم ، حيث يُسمح للفيروس بالانتشار بحرية ، يزداد احتمال خطر حدوث طفرات جديدة ففي الأشهر الأخيرة ، أُجبرنا على معاينة مخاطر الطفرات في ڤيروس كورونا ، وقد أثبتت الوقائع الأخيرة أن الڤيروس “بنسخته البريطانية” أشد شراسة و قابلية  للعدوى ، ويُعتقد أنه يقف وراء الانتشار المتزايد في العديد من الدول . في جنوب إفريقيا والبرازيل ، تم تحديد أنواع أخرى مثيرة للقلق.. وكما صرح رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس مراراً وتكراراً ، “لا أحد سيكون بأمان إلا عندما يصبح الجميع آمنين” ، فإن اقتصاد الدول لن ينمو بالشكل المطلوب ، سواءً كان ذلك  يعود إلى

  إجراءات  الاغلاق الحكومية أو لأن الناس أنفسهم يختارون البقاء في المنزل خوفاً من العدوى  ثانياً: تضررت اقتصادات الدول الفقيرة والمتوسطة الدخل بشكل خاص بسبب ضعف القدرة على الحفاظ على استمرارية عجلة الإنتاج والعمل  وهو ما أثر بشكل مباشر على مجمل العملية الانتاجية في البلاد 

يُقدّر صندوق النقد الدولي أن الوباء سيكون ، بحلول عام 2022 ، قد أدى إلى خسارة في الناتج المحلي الإجمالي تزيد قليلاً عن 2 بالمئة تقريباً في الولايات المتحدة ، و ما يزيد قليلاً على 2,5 بالمئة تقريباً. في أوروبا ، أما في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا – باستثناء الصين واليابان – فستتجاوز الخسارة عتبة 6 بالمئة 

 كما يُظهر تقريرٌ جديدٌ لمنظمة الصحة العالمية ، أن انتعاشاً ضئيلاً في اقتصادات البلدان النامية سيصيب الدول الغنية أيضاً ، ويتجلى بانخفاض الطلب على شركات التصدير لديهم

 ثالثاً، يضاف إلى ذلك مخاطر أزمات الديون ، التي نتجت عن ارتفاع معدلات الاقتراض ، والتي اضطرت العديد من الدول الفقيرة إلى اللجوء إليه خلال فترة الوباء ، وهذا يمكن أن يخلق موجات تضرب الأسواق المالية العالمية  في أوروبا والولايات المتحدة أيضاً

إنّ الدرس الّذي لا مفر من تعلمه ، تقريبا ، من جائحة كورونا ، هو أنه يجب على البلدان جميعاً إعادة تطوير نظام الرعاية الصحية 

 ففي تقرير حديث ، صدر منذ أيام ، قدّم فريق باحثين ، تابع للاتحاد الأوروبي ، في بروكسل تقريراً يُوضح أن السبب وراء الارتفاع الكبير في عدد الوفيات أثناء جائحة كورونا ، كان تقديم الدول الدعم الأكبر لافتتاح مراكز الرعاية الصحيّة الخاصة على حساب العامة ، الأمر الّذي أدى الى تقليص ميزانية الدولة الخاصة بقطاع الصحة العام ، و توفير الفرصة المريحة  للخاص ، الذي تملّص من مسؤولياته أثناء جائحة كورونا ، حيث لم تستطع المشافي العامّة تقديم الرعايّة لمحتاجيها كما يجب ، ففي التقرير قال أوليڤر هوديمان ، الباحث و رئيس مجموعة الباحثين التي أعدّت التقرير : ” تقوم المستشفيات الخاصة بجنيِّ الزبيب من الكعكة ”  مؤخراً ، أعلنت الهند في ميزانية السنة الجديدة ، عبر وزيرة المالية نيرمالا سيتراما عن مضاعفة الجهود ليتم استثمار مايعادل 2 % من إجمالي الناتج المحلي في الرعاية الصحية

ماذا عن سوريا  ، التي عانت حرباً خلال العشر سنوات الأخيرة و لازالت تعاني؟  لقد خسرت العديد من أطبائها و من الطاقم الطبّي الّذين أصبحوا  خارج البلاد ، هل تستطيع تأمين اللقاح لمواطنيها ؟ ، هل سيساعدها الحلفاء في تأمين اللقاح لتعود دورة الإنتاج ؟ ، هل ستعمل الحكومة  على تطوير الرعايّة الصحيّة و زيادة ميزانيتها ، متخذة الهند مثالاً جيداً يُحتذى به ، للاستفادة من درس جائحة كورونا ؟ ، خاصة و أنّ الرعاية الصحية في بلادنا غير كافية ، وعفا عنها الزمان ؟ هل ستعمل وزارة الصحة على استقطاب واجتذاب الأطباء المغتربين للعودة و العمل في قطاعها ؟ ، هل سترفع وزارة الصحة سويّة المشافي العامة لتنافس الخاصة ، و تحافظ على خبراتها داخل البلد و ضمن القطاع العام ؟ ، 

!فاقتصاد البلد يتعافى بتعافي مواطنيه

بقلم المستشارة الاقتصادية فاديا رستم

بروتوكول مؤشر الصحة و العافية

تُعد بيئة العمل وصحة الموظفين أمرين هامين ، حظيا باهتمام أكبر في سوق العمل ، على الأقل في القطاع العام في هذا المجال ، بدأت دراسة استخدام  طريقة جديدة في التفكير لقياس ومتابعة الآثار المعززة للصحة

تقرير التقييم السنوي الصحي (بروتوكول مؤشر الصحة والعافية ) هو مفهوم جديد بدأ باكتساب  موطئ قدم له . تعتبر نتائج أبحاث مالمكفيست ٢٠٠١, يوهانسون ٢٠٠٧ (Malmquist، 2001؛ Johansson، 2007)  

أن إبراز العلاقة بين صحة الموظفين/ العمال وتحسن اقتصاد المؤسسة/ الشركة أمر أساسي للغاية ، وذلك للنجاح في الوصول إلى تقليل عدد الموظفين المرضى وتأثيرهم السلبي على سير عملية الانتاج و تقديم الخدمات . تم اختبار قابلية تطبيق برنامج الحسابات الصحية عبر مشروع التطوير في مشفيين في منطقة في السويد

هدف البحث : الهدف من هذه الدراسة كان توضيح الفرص والصعوبات من خلال إدخال تقييم صحة الموظفين إلى التقييم السنوي المعتاد وفوائده

:استرشدت الدراسة بالأسئلة التالية

كيف ينظر المدراء ، في العمل ،  إلى المشاريع المعززة لصحة الموظفين ، وكيف يتابعون نتائجها ؟

ما الفوائد التي يجنيها المدراء من وراء  وجود حسابات صحية للموظفين؟

كيف يدعم توفر الحسابات الصحية تقييم مبادرات تعزيز الصحة ؟

كيف يدعم توفر الحسابات الصحية تقييم مبادرات تعزيز الصحة ؟

طريقة البحث : تتبع الدراسة نهج البحث العملي و النهج الاستقرائي والنوعي معا . تم تضمين قسمين  في مشفيين  ضمن الدراسة ، نظراًلامتلاكهما  مشاريع صحية حقيقية مستمرة تستهدف موظفيهما . تم الاعتماد على تقارير صحية سابقة أوضحت مدى  التحسن الذي طرأ على بيئة العمل والعائدية لتنفيذ فكرة الحسابات الصحية للموظفين ، ضمن القسمين ، شارك سبعة مدراء في مقابلات شبه منتظمة ، تم تحليل بيانات المقابلات عبر تحليل المحتوى النوعي

نتائج البحث : تم اختبار الحسابات الصحية على نطاق محدود ، وتم إبلاغ المدراء بوجودها ، من خلال حوار دار حول بعض مفاتيح المعايير الرئيسية الموجودة مسبقاً في نظام تقييم المؤسسة ، وبعض المفاتيح الجديدة  التي تم إبتكارها ، من قبل الباحث ،  خلال فترة الدراسة ، كان”بروتوكول مؤشر الصحة والعافية” قادراً على إظهار مجمل الحالة الصحية للموظفين ، والتي لا يمكن أن توفرها المفاتيح الصحية التقليدية الرئيسية . نظر المدراء إلى الحسابات الصحية على أنها معلومات إضافية طال انتظارها ، وأرادوا الاستمرار في إتباع نفس هذا المسار . لم تكن الفائدة في”بروتوكول مؤشر الصحة والعافية”  مجرد صورة شاملة لصحة الموظفين  ، بل كانت مفيدة أيضاً في مسألة التخطيط و توزيع العمل و الوقت بين الموظفين

الاستنتاجات ونتائج النقاشات : من أجل خلق بيئة عمل داعمة للصحة ، لا يكفي توفير الوقت والفرصة للموظفين للقيام بالنشاط الرياضي أثناء العمل ، ولكن ،  يتطلب ذلك أيضاً عملاً جاداً طويل الأمد ، مثل العمل القائم على نموذج الحسابات الصحية . تلعب عملية الدعم ، على شكل حوار مع المدراء المعنيين ، دوراً مهماً في الحسابات الصحية . تشير النتائج أيضاً إلى أنه ، وبمساعدة الحسابات الصحية ، يمكننا دعم دور المدراء بما يسمى القيادة المعززة للصحة . ومع ذلك ، لا يمكننا حث المدراء على اتخاذ الموقف الصحيح ، إلا عبر المتابعة و التقييم

كانت بيئة العمل والصحة موضوع العديد من الدراسات ، نظراً لتأثيراتها على الإنتاج ونوعية الحياة العملية والمجتمع

تعرف منظمة الصحة العالمية , الصحة بأنها غياب المرض والشعور بالرفاهية . أدى وجود  الإجازة المرضية إلى قيام العديد من المنظمات بالعمل على معالجة هذه الظاهرة ، الأمر الذي يقلل من ساعات عمل الموظفين  المُخططلها ، ويتسبب بتكاليف إضافية كبيرة تتبدى (Cederqvist ، 2005 ؛ Sjöblom ، 2010 ؛ Liukonnen ، 2003) على شكل موظفين مؤقتين وإعادة تأهيل

 ففي عام 2002 ، كلفت استحقاقات إعادة التأهيل والمرض المجتمع في السويد 44 مليار كرونة سويدية ، وهو ما يعادل 2.8 بالمئة من الناتج الإجمالي المحلي . على أمل لفت انتباه أرباب العمل إلى أرقام اعتلال الصحة ، والاستفادة من متابعتها ، تم تمرير مشروع قانون في عام 2002 (2002/03: 6) يقضي بإلزام أصحاب العمل بالإبلاغ عن المعلومات المتعلقة بالإجازات المرضية للموظفين في التقرير السنوي للمؤسسة

:هامش

بروتوكول مؤشر الصحة و العافية هو عبارة عن تقرير يتضمن تقييما لمعاير الصحة و قياساتها و حساباتها. المعايير تضعها الحكومة المركزية و تتبّعها المؤسسات و الشركات خلال قياسها الشهري أو الربعي و لكن من المؤكد احتواؤه على تقرير سنوي لكل القياسات و الحسابات ، ويمكن لكل قيادة لامركزية أن تضيف إلى بروتوكولها الصحي معايير أخرى تتبعّها لتحقق أفضل المقاييس لصحة موظفيها

بروتوكول مؤشر الصحة و العافية هو جزء مكمّل للتقرير السنوي الخاص بكل مؤسسة و شركة ، والذي يُطبع سنوياً و يُنشر للعامة ، ويتضمن الوضع الاقتصادي والإنتاجي و حالة الموظفين

مثال على حسابات الصحة : إضافة للتقيم الشهري لعمل أي مؤسسة  يوجد تقييم خاص بنسبة صحة الموظفين أيضا ( عدد أيام المرض مقسومة على عدد أيام العمل الطبيعية لكل موظف) . عندما تبلغ النسبة ٣ ٪؜ تُعد حالة طبيعية ، و لكن عندما ترتفع ل ٦-٧ ٪؜ يُقرع ناقوس الخطر  عبر إعطاء مؤشر لمسؤولي  كل مؤسسة و شركة ، ومثل ذلك ، هناك معيار لنسبة عدد المرضى ، نسبة الراحة النفسية بالعمل ، نسبة الممارسة الرياضية ، نسبة حرية العمل باستقلالية ، نسبة الساعات الإضافية بالعمل ، نسبة الدورات التدريبية التي يخضع لها كل موظف إلخ

كل هذه المعاير  تعطي مؤشرا لصحة الموظفين و عافيتهم على سبيل المثال . إضافة إلى ذلك ، نقسم ، في التقرير ، نسبة المرض ، بين مرض يستغرق علاجه وقتا طويلا ، متل الأمراض الخطيرة ، و الذي يحتاج تأهيلا طويل الأمد ،  و نسبة مرض يتطلب شفاؤه وقتا قصيرا مثل الرشح أو إجراء عملية بسيطة

الآن ، و انطلاقا من نتائج البحث أعلاه ، نجد أن اقتراح تطبيق ما سبق على المجتمع السوري ، داخل المؤسسات الحكومية و الخاصة وشركات الوطن أمراً مهماً للغاية ، و لا يحتمل التريّث  أو التأجيل.. ربما سينظر البعض إليه باعتباره نوعا من الترف و الرفاهية ، و سيقول أن الأولوية الآن ، بالنسبة للمواطن السوري هي رفع الرواتب بما يُؤمن  لقمة الخبز و العيش الكريم ، و سيفترض أن تطبيقه أمرٌ مكلف جداً يضيف أعباءً على الدولة

بينما نعتقد العكس تماماً ، فهو من ضروريات بدء عملية الإعمار ، و إعادة ثقة المواطن والموظف بمؤسسات الدولة و مدرائها . فالأمر ليسمكلفا البتة ، إذا بدأنا الآن بخطوات صغيرة و ثابتة ، تعزز الثقة و تعيد الأمل و حب العمل للموظف الذي خاب أمله طوال سني الحرب ، وربما قبلها أيضاً.. دعونا نولي صحة الموظف و العامل اهتماما ونجعلها أساساً في إداراتنا ، دعونا نرفع المؤشرات الصحية ونرفقها بتقارير التقييم بشكل علني ،  ليشعر الموظف و العامل أن هناك إدارة عليا تهتم بصحته و تريده أن يكون بخير ، كما تهتم بتقديم المزيد مما يساهم في تطوره ، و بالتالي فهي تقيّم عمل مدرائه من خلال بعض المؤشرات التي تريد أن يتّبعها كل مدير و أن  يصحح مسارها . من الطبيعي بداية ألا نتمكن من تطبيق جميع المؤشرات ، و لكننا نستطيع البدء بمتابعة و تقييم بعض المؤشرات التي من الممكن قياسها ، و نجمع الإحصاءات الصحية لكي نمتلك حسابات نستطيع العمل على تحسينها في الوقت الأنسب و مع فرص اقتصادية أفضل.. مثال على بعض مايمكن البدء به الآن :  كم تبلغ نسبة الموظفين و العمال الراضين عن طبيعة عملهم و حجم الواجبات الملقاة على عاتقهم ، و ذلك استنادا إلى استبيان الكتروني يستطيع كل موظف الاجابة عليه بسرية تامة ؟ ربما نستطيع أيضا ، تقييم عدد الإجازات المرضية بمنهجية شفافة و نظاممُتابع بإحكام  ، و لما لايشمل التقيّم المدير لمعرفة ما إذا كان يُخصص ساعة أو ساعتين من وقته سنوياً ،  للاستماع إلى مشاكل موظفيه واهتماماتهم و أفكار كل موظف على حدى؟

هذه الإجراءات البسيطة لا تكلف شيئا ، وتعطي انطباعا باهتمام الإدارة العليا بصحة موظفيها ، كما و ستجمع المعلومات ، لكي تستطيع لاحقاً ، وضع برامج تطويرية و تعليمية للموظفين

Business Advisor/ Fadia Restom/ Sweden بقلم المستشارة الإقتصادية فاديا رستم

Referens:

Aldana, S (2001). Financial Impact of Health Promotion Programs: A Comprehensive Review of the Literature. American Journal of Health Promotion, vol 15, no 5 pp. 296-320.

Argyris, C. och Kaplan, R.S., (1994), “Implementing New Knowledge: The Case of Activity-Based Costing”, Accounting Horizouns, vol.8, sid 83-105.

Deming, W., (1993).The New Economics: för industry, government, education. 2nd ed

 Drucker P, (1999). Management Challenges for the 21 st Century. Harper Business.

 Elg, M.,(2001): Visualisering av mätetal för bättre beslutsfattande. Förändringskraft CMTO; Linköpings universitet.

Graneheim, U.H., & Lundman, B. (2004). Qualitative content analysis in nursing research: concepts, procedures and measures to achieve trustworthiness. Nurse Education Today. 24, 105-112.

Liukkonen, P. (2003). Hälsobokslut-vägen mot bättre hälsa och bättre arbetsmiljö. Oskar Media AB, Vasa, Tallin. 

Malmquist, C. (2001). Kostnader för produktionsbortfall i samband med arbetsbetingad ohälsa och stress, Näringsdepartementet. 

Johanson, U.& Cederqvist, S., 2005: Hälsobokslut. Försöksprojekt i sjuk svenska kommuner. Rapport till regeringen. IPF, Uppsala. 

Sjöblom A (2010). Hälsobokslut ! En drivkraft för förändrad verksamhetsstyrning? En longitudinell studie av tre kommuners försök att minska sjukfrånvaro genom användning av verksamhetsstyrning modeller. 

Minzberg H. 1973. The nature of managerial work. Harper & Row

Nelson & Winter (1982), An Evoullltionary theory of Economic change 

Nelson EC, Batalden PB, Godfrey MM. (2007) Quality by Design: A Clinical Microsystems Approach. San Francisco: Jossey-Bass/Wiley

Patton, MQ. (1990). Qualitative evaluation and research methods. scond edition.Sage.

Purdy N, Spence Laschinger HK, Finegan J, Kerr M. & Olivera, F. Effects  of work environments on nurse and patient outcomes. Journal of nursing management, 2010 vol. 18, ss. 901-913.

Robbins S.P.1997. Essentials of organizational behavior. Prentice Hall International. 

Rothstein  M A, Harrell, HL. Health risk reducation programs in employer-sponsored health plans:part I- efficacy. J Occup Environ Med 2009;51:943-950.