Tag Archives: Zena Naser

الوطن الموروث و الوطن المبتكر

كان يحكي لنا والدي كثيرا عن لقاءات السوريين شبه اليومية في مغترباتهم وكم كانت أمراً لا بد منه! كان يعتبر أن سنوات دراسته في جمهورية تشيكوسلوڤاكيا لمدة ٤ سنوات كانت كفيلة أن تغني وتجذي شعلة الوطن في ذاته وتشده أكثر للعودة .. هذه الرغبة هي ما كان يدفعه وغيره من الطلاب السوريين للاجتماع بشكل دائم لصنع جسور تصلهم بالوطن في وقت الغربة المستقطع … واذكر تلك الصورة التي رسمتها في مخيلتي الطفلة … لشارع معتم بعد منتصف الليل و لنافذة منيرة بضوء خافت تنير بحياء ما حولها.. كان يقول بيقين مطلق ونوع من الفخر “نافذة مضيئة في ليل الغربة تعني أحد أمرين إما أنه طالب ڤيتنامي يعد لامتحاناته أو أنهم سوريون يتبادلون الحديث في السياسة !!!” طبعا فالسوريون محنكون بالسياسة ، فاضافة  أن هذا النوع من الاضطلاع كان موضة دارجة في كل بقاع العالم في حقبة معينة تمسكنا به نحن لسبب ما. ليس فقط بسبب موقعنا الجيوسياسي الذي شغل العالم منذ بدا التاريخ ! …فحتي قبله ، قبل  ولادة المسيح السوري فيها بزمن بعيد كنا نبحث لأنفسنا عن مكان تحت الشمس. تمسكنا ببعض الوعي الذي تحصلنا عليه كابناء تسلسل حضارات انسانية ذات اثر اذ  لم يكن هذا الوعي نظراً لمنطقتنا عفويا وسهل المنال

 و كان يسكنني الإيمان المطلق  بان هذا الوعي فقط هو ما سيحمينا في الأزمان التي لا تعرف الرحمة . وجاء عام  الاختبار الكبير في مد لا يشبهنا. ولم يستطع ما تسلحنا به من تنور ووعي وولع في السياسة ان يحمينا من آلة فرم الأوطان الأصيلة والمتفرّدة  لاستبدالها بتلك الحديثة مسبقة الصنع . وتبعثرنا في شتات البحث عن الامان  …و عن المستقبل  … وعن الذات وامسينا  و نحن احوج ما يكون لمرآة انفسنا مع السوريين مثلنا ابعد ما يكون عنهم و عن أنفسنا. امعنا  في غربتنا عن الوطن حتى ونحن نسكنه و بتنا مولعين بتعزيز الشقاق وتقزيم حجم الأوطان، وقد نصل في ذلك حد تغيير حدودها مبررين لانفسنا ان جرحنا عميق ونازف.. دون أن ندري أننا نحن من نجهد في العبث واللوث فيه مراراً وتكراراً علّه لا يندمل

 أمسى أي جدل في السياسة يبدو لي ثرثرة ممجوجة بحقد اتعجب من اين لنا أن نحمله واي موروث أورثنا إياه هذا “الوطن”؟؟! واجهد في معرض كتابتي لهذا المقال في البحث عن تعريف لهذا التعبير الذي كان جوهر الكثير من البطولات الأدبية، فمن أوديسا التي انتهت بعودة بطلها الى وطنه فيما بقي فكره هائماً خارج حدوده، الى لوركا شهيد حرية الوطن الى جبران المعذب في منفاه الاختياري ..الى كونديرا الذي سمى الحنين الى الوطن “جهلاً”  … ولا ننسى أيضاً  كل ما تعلمناه في مدارسنا من ملاحم ..اه  كم كنا نحب هذا الوطن!؟ واه كم توقفنا اليوم عن حبه؟

أصبح الوطن اليوم للكثيرين شيئاً هشاً كالبرشام في يد طفل صغير … جزعت عندما سمعت أحدهم مرة يقول “الوطن مات”! لكن ذلك حفزني للتساؤلات التي تلي خبر موت الأوطان. فإن مات وطني حقاً! ألا يعني هذا أننا قادرون على خلق وطن جديد بأدوات جديدة ومفاهيم جديدة؟! قد يكون الميت هو الفكرة الرومانسية فقط تلك التي ورثناها كما ورثنا الطبعة الدينية التي تُطبع على جبيننا بحكم الولادة دون ان نُسأل رأينا فيها وحتى عندما نبلغ سن الرشد لا يتكبد أحدهم عناء سؤالنا ما إذا كان الأمر جيدا بالنسبة لنا… هو الوطن كما علمنا آباؤنا.. لكن ألسنا نعتقد جميعاً يقيناً بأن ما علمنا إياه آباؤنا ليس صحيحا بمطلقه؟! وأنه نتاج خبرتهم و موروثهم فقط؟! واننا بخبراتنا وتجاربنا الجديدة قادرون على أن نغني أنفسنا ومحيطنا … خاصة إن كان هذا المحيط في طور تغيير جذري لا مفر منه

قد يكون البحث عن إجابات حتمية لاسئلتنا الكثيرة في زمن الشتات أصبح مضنياً، لكن يبدو من التعقل التوقف للحظة عن إرادة وجود إجابات فوجود أسئلة مفتوحة ليس عبثياً بالضرورة! فلننطلق من حاضرنا ولنختر مما ورثنا، إذ لم يخلق كله ليكون جزءاً من مستقبلنا ومستقبل أبنائنا … نحن نحمل اليوم ما نحمل.. من جروح وآلام وآمال لا تخبو في قلوبنا … نريد لهذا الكائن الغير مرئي الساكن في وجداننا “الوطن” ان يحيا وأن يحيا عزيزاً فقط … ليس لهذا الكائن سماهٌ محددة  ولا أسماء ولا يشبه أياً منا، ولا يمكن أن يُختزل لا بشخص بشريٍّ ولا بتكوين إلهيٍّ … فالوطن أكبر من ذلك كله … نحمل على عاتقنا اليوم مهمة قد تبدو شبه مستحيلة لكني لن اسلم باستحالتها طالما أملك ما أتمسك به وما اعتقد انه يستحق … وفي تلك البقعة الجغرافية المحاصرة التي تغفو اليوم بِجَزَع على الساحل الشرقي للمتوسط وتتوسد التاريخ مازال هنالك الكثير مما يستحق … 

 دمتم والأوطان بخير      

بقلم زينة ناصر
اللوحة للفنانة سلام برهوم

1مقالات ذات صلة

2مقالات ذات صلة