Category Archives: Society’s

مشهد مكرر

استيقظت من نوم عميق تخلله أحلام متشابكة على رنين هاتفها بعد فترة حزن طويلة كانت لاتنام خلالها وهي تتحسر على رحيل والدها الذي كان مثلا للرجولة والطيب ودماثة الخلق،رجل من أوائل الذين انخرطوا في العلم ..أسس عائلة من ثلاثة بنات وشب وأم استبسلت في تنشئتهم جميعا على حب العلم والتزام الأخلاق

  ..سارعت إلى الهاتف واذ بأختها الأكبر تتكلم في حال من العصبية  لتشكو لها تصرف الوالدة وتتهمها بعدم العدل في توزيع الإرث…استمعت لها بإصغاء لكنها تلعثمت قليلا ببعض الردود لأنها لم تكن قد فكرت في الموضوع ..أغلقت السماعة وعادت لتفكر بما روته أختها .. راحت تكمل بعض أعمال المنزل وتهيئ فنجان قهوتها ..واذ بالهاتف يرن أيضا وأختها الأخرى بدت في حالة عصبية من نفس المشكلة التيباتت تعرف بعض  حيثياتها …لم تستطع أن تهدئ اختها التي تشعر بمظلومية من أمها التي اختارت أن توزع الحصص الأكبر للأخ الوحيد…هي تدرك مخاوف أمها على ولدها في مجتمع يحمّل مسؤولية بناء العائلة على الرجل ..رغم أن  القوانين في المجتمع المسيحي الآن باتت تقر بأن جميع الورثة ذكور وإناث يتقاسمون تركة الأب أو الأم بالتساوي وتغييرات كثيرة حدثت ..لكن التقليد والموروث من أعراف المجتمع ليس من السهل تغييره  وعمليات التلاعب للتشبث بمفاهيم قديمة غالبا ماتحدث

فكرت كثيرا بعد هذه الأحاديث ..جلست تفكر بأمها وهي تحاور نفسها ..أمي إنسانة مؤمنة جدا وتصلي كثيرا وأغلب أيامها تقضيها بصوم وخشوع ولم يكن يوما أخي أقل التزاما بالكنيسة فكيف تحصل مثل هذه الأمور بعائلتنا

…والآن تذكر كيف كانت تسمعه ينتقد الآراء المتخلفة حول المرأة وعملها  وقد تزوج بعد علاقة حب غارقة في الرومانسية 

..لماذا يريد أن يخسر محبة أختيه بأنانية لم نكن نعرفها يوما ،دارت الأفكار وصور الطفولة ومواقف جميلة بحياتهم معا …وصرخت لا ..!! لااأريد لعائلتي أن تنهار 

لم تعد تريد الانتظار أكثر  …سارعت إلى خزانتها لبست بسرعة و اتجهت إلى بيت أهلها أرادت أن تسمع رأي والدتها قبل أن تناقشها بأسباب امتعاض شقيقتيها علها  تستطيع فهم وجهة نظرها بطريقة ما ..وما إن دخلت حتى وجدت الأخ يخرج من البيت بطريقة عصبية والتفت إلى أخته قائلا ..اتفضلي حضرتك ..شو بتأمري كمان..قالت له حبيبي الاولاد  يسألونني  عنك ..من اسبوع لم يسمعوا صوتك ..أكمل طريقه ..وهو يقول لها أختي اذا ماقدرتوا وضعي ووضع عائلتي  قولي لهم لم يبقى لكم خال ..استغربت الأخت..سمعته يكمل حديثه ..خال..بلا خال بلا بطيخ .. وصفق الباب بشدة بعد خروجه

راقبت والدتها الموقف ..قالت لها أخوك مزعوج  منكم …تريدون حصصكم وهذا يحرمه  من قسم كبير من مال أبيه ..فأسرعت لتفاتح والدتها بما لديها من معلومات عن مشاعر أختيها …لم تتركها الأم تكمل حديثها ..وراحت تحدثها ..  الرجل برقبته بيت وأولاد وزوجة ودخله لايكفي  ..وهم بحاجة …قالت لها لماذا اذا نحن أخوة ..ألسنا في نفس الحال و الوضع الصعب على الجميع ..أمن السهل عليه أن يجد أخته بحاجة وصعب جدا أن يجد زوجته بحاجة  ..هنا صمتت الأم قليلا وقالت لها ..أنا لا أغير مجتمع بحاله ..قالت لها يا أمي أنت أخذت من ميراث أهلك ما أنصفك وأرضاك ..لماذا لا تريدين العدل بيننا .. ردت الأم ..أنا ابني مسؤول عني في حال مرضي أو حاجتي ..ولن أطلب من الصهر في حال  احتجت لشيء ..قاطعتها لكنك ستطلبين مني انا  ابنتك ساعة تشائين …طال الحديث بهذا الاتجاه حتى وصلت الأم لحالة عصبية..قالت لها ..اتفضلي اتركي لأخواتك حصتك مادمت تطلبين لهم زيادة من حصة أخوك لكي نرضيهم ونحفظ حصته  …لم تعد تدرك ماعليها قوله ..توقفت للحظة ..كانت تريد ان تفصح عن رؤويتها اولا أن لأصحاب المال الحق بوهب مالهم لمن يشاؤون لكنها ليست متاكدة مما ترويه والدتها على لسان الوالد بأنه أوصى بكل ذلك ولن تستطيع أن تقول لها لماذا لا تطلبين من أخي أن لايكون أناني ويعتبر أن حقه ليس أن يأخذ حقنا  …صمتت  لحظات ..ثم قالت لها أنا جاهزة يا أمي سأترك لهم كل حصتي  ..علهم يسعدون بما يأخذونه …مادام القانون لم يغير عقليتنا علينا أن ننتظر كثيرا لننعم ببعض العدل الأسري….هي حقيقة لم تكن تنوي  أن تترك حصتها و كانت ستفخر بأهلها أكثر أمام زوجها عندما يحفظون لها حقوقها ..لكنها كانت تدرك أيضا حجم الشقاق العائلي الذي كان يدور وهي لا تريده أن يستمر ..وتعلم جيدا أن كل الأطراف متمسكة برأيها وتنتظر التقسيم والحصول على المال بالسرعة القصوى…لم يكن هذا الحل سهل عليها لكنها افتدت به بعض المشاكل

 ..ذهبت وهي تقول لنفسها لابد لأحد منا أن يقدم من نفسه ليفتدي الجماعة..الطمع بطبع البشر عادة يصعب شفاءها إن وجدت والمحاكم ليست سهلة  ..وعلى مايبدوا لن يكون احد غيري في هذا الموقع ….عالجت الفكرة بألم وهي تمني نفسها بذكرى والدها وتحاكي روحا افتقدت حنانها…لن أزعج روح والدي مادمت قادرة على ذلك

بقلم المهندسة نيللي مرجانة

اللوحات للمهندسة و الفنانة نيللي مرجانة

القطاع الثالث أو القطاع غير الربحيّ

في ظلّ حرب السنوات العشر الأخيرة ، وضعف قدرة أجهزة الدولة على احتواء تداعياتها ، و التّخفيف من وطأتها على المواطن على خلفية العقوبات الاقتصاديّة المفروضة ، يزداد التّركيز اليوم على ما يمكن أن نُطلق عليه مجازاً تسمية “القطاع غير الربحيّ أو القطاع الثالث” ، وهو العنوان العريض الذي تنضوي تحته مختلف أشكال التّنظيمات و المبادرات الاجتماعيّة ، المدنيّة منها والأهليّة والخيريّة ، والتي تهدف إلى تحقيق هدف غايته خدمة المجتمع وبالتالي المواطن ، سواءً بصورة مباشرة أو غير مباشرة .  إن تسليط الضوء على عمل القطاع غير الربحيّ يُعتبر اليوم ضرورة لسببين ، أوّلهما : استنزاف إمكانيّات القطاع الحكوميّ المُتعلّقة بالخدمات الاجتماعيّة إضافة إلى ظروف الاستثمار الطّاردة للقطاع الخاصّ في هذا المجال . ثانيّهما : أنّ صعود القطاع غير الربحيّ بات ظاهرة عالمية سُمّيت في بداية القرن ثورة المتطوعين  

تلك الظاهرة التي لا يمكن غضّ النّظر عنها ، حيث أثبتت نجاعتها في كثير من البلدان المُتقدّمة حتى بات لها دور رياديّ في قيادة المُجتمع ، وكذلك في إعادة تشكيل الإدارة العامّة في القطاع الحكوميّ في كثير من الدول  

تُعدّ مُنظمات القطاع غير الربحيّ اليوم (جمعيّات ، روابط ، نقابات ، مُبادرات ، حركات ، هيئات … إلخ) الضّمانة الأقوى ، والأكثر فاعليّة والأقرب للمواطن ، لتحقيق خدمات اجتماعيّة فاعلة 

لا يخفى على الدّارسين والمُهتمّين أنّ دراسة ظاهرة القطاع غير الربحيّ ، في سوريا كما في دول أخرى ، على درجة عاليّة من الصّعوبة ما قد يمنع تحليلها بشكل دقيق ، فمن جهة ، تكاد تكون الإحصائيّات والأرقام المُتعلّقة بعدد الجهات الفاعلة أو الناشطة و رؤوس الأموال التي تتمّ إدارتها والجّهات المُموّلة ، و التي تُعدّ قاعدة أساسيّة لإنطلاق أيّ دراسة تجريبيّة ، غير مُتاحة ، ومن جهة أخرى ، فإن ارتباط عملها بالتعاون الوثيق مع الجّهات الحكوميّة و الانضواء تحت إشرافها التنفيذيّ والماليّ يُؤدي إلى إصابتها حُكماً بعدوى انعدام الشفافيّة التي تُسيطر اليوم على عمل تلك الجّهات

توصيّف مجال نطاق القطاع الثالث

ليس للقطاع الثالث تعريف مُشابه لما يُمثّله القطاع الحكوميّ والقطاع الخاصّ ، لكن يُمكن فهمه كنموذج إرشاديّ من خلال تحديد المنطقة الاجتماعيّة الخاصة به ، والتي تقع بين الدّولة باعتبارها رأس الهرم ، و بين السّوق من جهة والفرد أو العائلة من جهة أخرى ، باعتبارهما زاويتي قاعدة الهرم كما يُحددّ الشكل التالي

تتميز تنظيمات القطاع الثالث عن مثيلاتها في القطاع الحكوميّ ، بقدرٍ أقل من  الرسميّة ،  وعن شركات القطاع الخاصّ بابتعادها عن مبدأ مُراكمة الأرباح ، فهي تُقيّد نفسها بقيد اللاربحيّة

وهذا لا يعني ألّا تُحقّق المؤسسة أيّ ربح ، إنّما يعني ألّا يُصبّ الرّبح المُتراكم في رأس المال بهدف زيادته ، ولا يذهب لمصلحة الأعضاء أو العاملين فيها ، وإنّما يُعاد استثماره في المؤسّسة ذاتها ، وذلك لتغطية تكاليف الإدارة و لضمان استمراريّة تحقيق الهدف على المدى الطّويل

وتختلف مؤسّسات القطاع غير الربحيّ عن قطاع الأفراد (العائلة ، القبيلة ، العشيرة) بأنّ دافع العمل لأجل الأولى مبنيٌّ على قرار فرديّ يتّخذه المرء بمحض إرادته ، دون دفع من مُحيطه الخاصّ

قد يبدأ العمل في هذا القطاع ، في مجالات وعلى مستويات أهليّة ضيّقة (نوادٍ رياضيّة ، تجمع حضانات أطفال خاصّة بمنطقة أو مدينة مُعيّنة ،  معاهد موسيقيّة ، مراكزٍ ثقافيّة صغيرة ….) وتمتّد لتشمل المؤسّسات الخيريّة والمبادرات التي تهدف إلى حماية البيئة أو التّراث التّاريخيّ والدعم المُجتمعيّ ( مساعدة وتطوير الذّات والمجتمع) . ظهر أول تعريف أو توصيف للقطاع الثالث في سبعينيّات القرن الماضي على يد المُفكّر الاجتماعيّ الأميركيّ من أصل ألمانيّ – أماتاي إتسيوني 

»a third alternative, indeed sector (…) between the state and the market« 

يتبلّور العمل فيها بشكل فرديّ ، من خلال مُشاركة الفرد الفاعلة بصورة عمل طوعيّ أو حتّى على شكل انتسابٍ أيضاً ، ليتحوّل بذلك إلى جزء من منظومة اجتماعيّة مُتكاملة قادرة على أن تُشكّل حجر أساسٍ في بناء البُنيّة التّحتيّة لمُجتمع مدنيّ بوظائف اجتماعيّة قد تتحوّل ، مع توّفر البيئة المناسبة ، إلى قاعدة لمنظومة اجتماعيّة ديمقراطيّة مُستدامة . تزداد الحاجة إلى إبراز دور وأهميّة هذا القطاع بشكل مُطّرد مع ازدياد النقاش حول : ١. حاجة المواطن والمُجتمع إلى المشاركة المدنيّة  ٢. مفهوم المُجتمع المدنيّ ٣. الرأسمال الاجتماعيّ وهو ما بتنا نلمسه خلال السنوات الأخيرة في سوريا . يُميّز مؤسّسات القطاع غير الربحيّ ما يلي

الهيكل الشكليّ-

الاستقلاليّة التنظيميّة عن الدّولة-

غير هادفة لتحقيق الأرباح-

الإدارة الذاتيّة المُستقلّة-

النّشاط مبنيّ على مفهوم الطوعيّة بشكل أساسي-

وقد تشمل نشاطاتها مفاصل مختلفة تمسّ المجتمع مثل ما يلي

الثّقافة والتّراث-

التّعليم والأبحاث-

الصّحة والاستشفاء- 

الرّياضة والطفولة-

الخدمات الاجتماعيّة-

حماية البيئة و الطّبيعة-

الإسكان والتّشغيل (التّطوير الاقتصاديّ المحلّيّ) تمثيل مصالح المواطن والمُستهلِك-

الأوقاف- 

الروابط الاقتصاديّة و روابط العمل والنقابات العُمّاليّة والمهنيّة وأيّ هدف أو مجال آخر لا يتعارض مع الأعراف أو القوانين-

 أمثلة من ألمانيا ما بعد الحرب: لطالما تلازمت الفترات التي تلي الحروب الكُبرى مع نهضات ملحوظة في مجالات عدّة، كردّ فعل على الدّمار الذي لحق بالبلاد في كافّة الجوانب ، السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة ، ما تلبث أن تتطوّر إلى شكل من أشكال التّنظيم في ظلّ أحد عاملين ، إما بفعل التّعبئة البشريّة (رغبة الشعب في إحداث تغيير أو تحقيق تطوير) ، أو بسبب الحاجة الماسّة ، التي تفرِضُها الوقائع على الأرض ، لتغيير ما ينسجم مع حالة ما بعد الحرب مع عدم توفّر حلول بديلة ، كما في خُطط الطّوارئ للسّياسات الاقتصاديّة أو التّعليميّة أو تلك  المُتعلّقة  بالرعايّة أو الاستشفاء ، كذلك الأمر بالنسبة للعمل في المُنظّمات أو المبادرات اللاربحيّة ، وهو ما حدث فعليّاً بعد الحربين العالميّتين الأولى والثانيّة في معظم دول أوروبا . إذ أنّ إحساس الشعب بمسؤوليته عن انقاذ نفسه أو انقاذ ما تبقّى تعاظم إلى حدّ أخْذ زمام المبادرة بنفسه ، حيث تركّزت الأهداف على إعادة الإعمار التي بدأت بمبادرات أهليّة لتنظيم وتشغيل القادرين على العمل

  بعد موت قرابة ستّة ملايين مواطن ، جلّهم  من الرجال ، في الحرب العالميّة الثانيّة ، قامت النساء بتنظيم روابط حضانات الأطفال على نطاق محليّ ، بسبب اضطّرارهن للعمل لساعات مُتأخّرة ، بحيث تمّ تقسيم العمل بين مُربيّات للأطفال أو عاملات خارجيّات ، وبذلك ، تمّ بشكل تلقائيّ تقاسم الأجور الشّهريّة فيما بينهنّ (المثال ينطبق على معظم دول أوروبا بعد الحرب) ، وتمّت المُحافظة على الأنشطة التي كانت تُمارس قبل الحرب ، مثل المسرح والرّياضة والفّن إلى جانب حمايّة البيئة ، وانتشرت مُبادرات الحدائق والتي تقوم على شراء أراضٍ خضراء في مُحيط المدن لتحويلّها إلى حدائق صغيرة يُمكن للعائلات استخدامها ، مقابل مبالغ رمزيّة ،  لزراعة الخُضار المنزليّة ، وهو ما حققّ نوعاً من الاكتفاء  الذاتيّ الغذائي لدى الكثير من تلك العائلات تمّ تدعيم هذه المبادرات وغيرها بشكل تدريجيّ ، وذلك نتيجة لتأثيرها الإيجابيّ على المُجتمع والدولة في آن . و بعد أن أُُشبعت سبعينيّات و ثمانينيّات القرن الماضي بدراسات إداريّة واجتماعيّة وقانونيّة مُعمّقة ، فتحت الأفق واسعاً أمام تخلّي الدّولة عن بعض وظائفها و مجالات عملها لصالح جهات شبه حكوميّة مُستقلّة و لصالح الخصخصة غير الربحيّة ، تمّ تثبيت القوانين النّاظمة ، تلتها مرحلة هي مرحلة الإجابة عن الأسئلة التّالية : ما شكل المؤسّسات المطلوبة لهذه المهمّة ، كيف يتمّ تنظيمها إداريّاً وكيف يمكن تمكينُها من أداء مهامها بتكاليف أقل و فاعلية أكبر ؟. وهنا ، تمّ بالفعل تفعيل مبدأ القطاع الثالث كما عرّفه (أماتاي إتسيوني) أعلاه ، استناداً إلى قدرة مؤسّسات هذا القطاع ، في عملها ، على المواءمة بين الحكوميّ والخاصّ . تبلّور العمل فيها على شكل عمل طوعيّ الأمر الذي يُعتبر اليوم من البديهيّات التي يعيشها المواطن يومياً ، و يتركّز في معظمه ، بشكل أساسيّ ، على شكل خدمات تُقدّم في المناطق التي يعيش فيها مثل : الإطّفاء ، رياضة الأطفال والكبار ، دورات الفنون المتنوّعة، دعم حضانات و رياض ونشاط الأطفال ، كما تمتدّ إلى مجالات أوسع تشمل المجتمع عامّة كالتّعليم والاستشفاء والعمل والبيئة إلخ… . اليوم ، تُؤثّر هذه المُنظّمات بصورة مباشرة وبشكل كبير في عملية تخطيط سياسات الدولة المرتبطة بهذه القطاعات

ما الذي يمنع هذا القطاع من الازدهار رغم توفّر الكثير من المقوّمات، في الوقت الذي تعيش فيه دول العالم المُتقدّمة حالةً فريدةً ومُتطوّرةً من البحبوحة، فيما يتعلق بالقطاع الثالث ، تبدو الإمكانيّات التي يُتيحها قانون الجمعيّات السّوريّ مُتواضعةً أمام التّطوّرات السّياسيّة والاجتماعيّة المُتسارعة على السّاحة

ففي الوقت الذي يتراجع فيه أداء الدولة في تقديم وإدارة الوظائف العامّة ، تُمارس القاعدة الشّعبيّة التي بدأ وعيها بالتبلّور – بشكل يُعتبر حتى اليوم غير مُنظّم- حول أهميّة دور مُؤسّسات المُجتمع المدنيّ ، دافعاً باتّجاه تفعيل عمل هذه المؤسّسات كرديف لمؤسّسات الدّولة ، قد يُشكّل بديلأً للخصخصة الكاملة إنّ تمهيد الواقع لتحقيق عمل فاعل لهذه المؤسّسات ، يجب أن يتمّ بناءاً على قاعدة علميّة تُحتّم وجود دراسات وأبحاث تخصصيّة نقديّة ، تكشف مواضع الضعف والقوّة لمُنطلق عمل هذه المؤسّسات على الجغرافيا السّياسيّة والاجتماعيّة السّوريّة . تُعتبر هذه المهمّة بمثابة تحدٍٍّ بالنسبة للجّهات الباحثة والمُهتمّة والعاملة أو الراغبة في العمل في هذا القطاع ، نظراً لظروف البحث ، غير المُشجّعة ، في هذا القطاع ، لكن ، قد تُشكّل الأسئلة التالية التي نطرحُها على ضوء الاستهداء بالدستور ، بمادّتيه العاشرة والخامسة والأربعين ، دليلاً توجيهيّاً يُحدّد النقاط المفصليّة التي يمكن العمل عليها

ما هو الدور الذي يُمكن لمنظمات المُجتمع المدنيّ أن تلعبه في ظلّ وجود إرث المُنظمات الشّعبيّة المعروفة (نقابات ، جمعيّات ، اتحادات ، مُنظّمات) وغياب ثقافة المُجتمع المدنيّ / الأهليّ؟

هل تُمنح الجمعيّات المدنيّة الاستقلاليّة التنظيميّة والإداريّة والمرونة اللازمة لممارسة نشاطها ؟

هل تعكس وتُغطّي الخدمات ، التي يُسمح للجمعيّات بتأديتها ، حاجات المُجتمع الحقيقيّة والمُتغيّرة بشكلٍ مُستمر دون التأثّر بسياسات مرسومة مُسبقاً ؟

هل تستطيع الجمعيّات الحفاظ على مستوى أداء ٍعالٍ  من ناحية الفاعليّة والمساحة ؟

هل تمتلك الجمعيّات والكوادر أدوات الإدارة الاستثنائيّة غير الربحيّة ، والتي لا تُشبه إدارة مؤسّسات القطاع العام ، كما لا تستهدف الاستثمار كما في القطاع الخاصّ؟

هل تتوافر في سوريا مُقوّمات الاستدامة لعمل مُنظمات القطاع غير الربحيّ مثل: الوعيّ العام لدور القطاع الثالث وللعمل المدنيّ ، حتّى لدى الكوادر العاملة ذاتها ، والدّعم المعنويّ والماديّ الحكوميّ والخاصّ ، البيئة التشريعيّة الحاضنة والحامية والمُرافقة … إلخ؟

مُؤشّرات جديّة : تمكّنت الجمعيّات الثقافيّة من كسر القيد و تمّ سنّ قانون جمعيّات خاصّ بها يتناسب مع واقعها . هل يتوجّب على بقيّة الجمعيّات محاولة كسر القيد ، قبل التّفكير في تطوير قانون الجمعيّات السّاريّ المفعول منذ تاريخ الوحدة مع مصر ؟

ماذا عن استعداد جميع الجّهات المعنيّة (الدّولة ومُنظّمات المُجتمع الأهليّ) لتطبيق وتعزيز مفهوم الحَوكمة والحُكم الرّشيد ؟

هل تملك الجّهات الراغبة بالتغيّير الدراسات والإحصائيّات اللازمة للنهوض بالقطاع الثالث والحفاظ عليه كقطاع رديف للقطاعيّن العامّ والخاصّ؟

قد لا تُشكّل الإجابات عن هذه الأسئلة حلّاً سحريّاً سريعاً للمُهتمّين و الراغبين برفع فاعليّة عمل تنظيمات هذا القطاع ، لكنّها ، بكل تأكيد ، ستُشكّل عتبة الإنطلاق في سباق الألف ميل …. والذي بدأناه لتوِّنا في شبكتنا

بقلم الاستاذة زينة ناصر

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

1المصدر

المصدر2

المصدر3

الطهوّ من أجل السلام

.كل الكائنات على وجه الأرض تأكل.. جميعها تحتاج إلى الطعام  لتنمو ، ولكن ، وحده الإنسان من يطهو طعامه

الطهوّ من أجل السلام ! يالها من  جملة ساحرة ، تضعك تلقائياً في موقع المسؤوليّة و المحبّة الخلّاقة ، هل توافقونني الرأي ؟

في آذار عام 2020 ، قدّمنا ، في مدينة فلورينس الإيطالية ، خلال مؤتمر حول “بناء السلام من خلال التراث”  ، نتيجة بحثنا الذي أجريناه في ألمانيا عن الطبخ السوريّ باعتباره نوعاً من أنواع التراث اللا مادّيّ

لقد أكّدنا في بحثنا ، على إمكانية بناء جسور السلام بين الشعوب ، من خلال قيم الانفتاح وكرم الضّيافة ، وأن الاجتماع حول المائدة وطهو المأكولات التراثية أو التقليدية ،  عوامل إلزامية يتوجب على المعنيين بالمشاريع ذات الطابع الثقافيّ أخذها بعين الاعتبار ، وذلك عند التعامل مع الآتين من مجتمعات من خارج البلاد ، فهي نهج حميميٍّ ينطوي على القبول والتقدير ، وفيه دعوة للتقارب والانفتاح على بعضنا البعض ، وخلق الظروف المساعدة على بناء حياة اجتماعية ، واقتراح  صداقات متينة ، ( فك شيفرة الوجبة,ماري دوغلاس 1972) .  تُعتبر وجهة نظر دوغلاس هذه عن الطعام ، في صميم هذه الدراسة التي قمنا بها ( يارا معلا و غايلي ماك بيرسون ) ، حيث أن ممارسة الطهوِّ  والانخراط في مثل هذه التجربة الثقافية ، يربط المجتمعات معاً ويُعيد تشكيل الهويّات في المغتربات ، وفقاً  لمشارك سوريٍّ في مبادرة الطهوّ التراثيّ التي نظمتها منظمة ” أوبر دن تيليراند” في برلين ألمانيا -2019 – 2016

 اعتُبِر مشروع أوبر دن تيليراند للاندماج كبنية اجتماعية وتحوّل مفتوح ، يأخذ بالاعتبار كلّاً من السوريين وأهل برلين الذين يعملون بالتزامن وكلاء للتغيير والاستمرارية،  كما يقومون بإعادة بناء الهويّات الاجتماعية ، ومن خلال تحليل ذلك باستخدام نظريات جوزيف ناي قادنا التحليل إلى معاينة النجاحات الرئيسية لهذا المشروع والنتائج المستمدة منه

 الالتفاف حول مائدة العشاء ، زاد من احتمال استعداد الناس للمشاركة  والتعاون ، وتبادل الكثير من الثقافات والمأكولات بين أشخاص من مختلف أنحاء العالم. إنّ اللقاء حول مائدة الطعام يخلق جوّاً من الألفة وقوّة التأثير بما يكفي لدفع المشاركين فيه إلى مشاركة بعضهم بعضاً بالقصص والقيم  والأفكار ، والبوح ببعض المكنونات الحميمة ، حيث يستعدّ اللاجئون السوريون الذين يحضرون جلسات الطهوّ تلك ، للاستماع إلى ماسيقوله السكّان المحلّيون حول القيم والأفكار الألمانية . توفّر هذه العملية ذات الاتجاهين ،  قناة للمناقشة وتبادل المعلومات حول أنماط الحياة والمعايير المختلفة ، كما تتيح تفاهماً متبادلاً وفائدة تنسحب على مختلف القضايا خارج إطار تبادل مهارات الطهوّ ورواية القصص

.يُشكّل الطهوّ تراثاً لا ماديّاً و بنية ثقافية بالنسبة للسّورييّن

تعتمد الأساليب المستخدمة لإدراج الطهوّ على قائمة التراث اللامادّيّ ، بوصفه شكلاً من أشكاله ، على التنقّل بين الأدبيات الأكاديميّة متعدّدة التّخصّصات ،  وتناقش قوّة تأثيره أثناء تطبيق نظرية التغيير . إنّ الدراسة التي قدّمناها في مقاطعة أوبر دن تيليراند ، كانت عبارة عن بحث في مدى مساهمة الطعام والطهوّ في عملية التكامل . تم إجراء سلسلة من المقابلات شبه المُنظّمة مع موظفين من أوبر دن تيلراند ، بالإضافة  إلى سورييّن وأبناء برلين المشاركين في تنظيم هذه المبادرة ،كان الطرح أثناء المقابلات مُعمّقاً ومفتوحاً ، وناقش نظرية التغيير ، حيث من شأن تجربة ثقافية مُستدامة  الإسهام في بناء التفاهم والثقة والقبول والاحترام المتبادل . تمّ تحليل البيانات عبر استخدام الإطار الفوقي ، وذلك أثناء استخدام مفاهيم من قبيل القوّة الناعمة والدبلوماسية الثقافيّة لدعم العمل الميدانيّ . تُقدّم الدراسة أدلة على إسهام التراث غير المادّيّ في التعبئة أيضاً ، من خلال نقاشٍ  قائمٍ على التخاطب والمشاركة ، ذلك التراث الذي غالباً ما يتمّ تجاهله لصالح التراث المادّيّ ، لصالح سياسات ثقافيّة دوليّة أكثر فاعليّة لمواجهة المشكلات الاجتماعيّة الكبيرة الحاليّة لضمان اندماج ناجح للاجئين في أوروبا . وتُخلص الدراسة إلى أنّ تطوير هذه المهارات الرمزيّة يمكن أنّ يؤدّي إلى المشاركة الاجتماعيّة والثقافيّة والشراكة كشرطٍ مُسبق للتكّامل

تُزوّد الثقافة الناس بأدوات اجتماعيّة لفهم تصرفات الآخرين ودوافعهم ، و الاندماج في التجربة الثقافيّة والفنيّة كما تزيد من فهم الناس لمعنى الهوية وعوامل تشكّلها والجماعة ، كما يمكن أنّ تؤدّي إلى زيادة الوعيّ بالرؤى المُشتركة للناس ، ومجموعة القيم والمواقف والمعاني والمخاوف والآمال , مع إمكانيّة إحداث تحوّل في طريقة تفكير المجتمعات ومواقفها تجاه التكامل والتراث

لتسهيل ودعم عملية الاندماج ، يجب الوصول إلى نتائج شاملة حول تأثير التراث الثقافيّ ودوره في معالجة التحدّيات الاجتماعيّة الأخيرة ،كالهجرة واللاجئين في أوروبا ، واقتراح تدابير مُغايرة تُحقّق الاندماج، وتتجاوز الإجراءات الحاليّة التي تنحصر في تعلّم اللغة وسوق العمل

انطلاقاً من هذه النتائج التي خلُصت إليها الدراسة أعلاه ، نستنتج إمكانية تطبيق المشروع في مجتمعات متنوعة ضمن بلد واحد ، وسوريا مثالاً ، بل نجد أن الحاجة إلى تطبيقه الآن باتت أكثر إلحاحاً ، سيّما وأن ماشهدته سوريا خلال الحرب أوجد هجرات داخلية أيضاً ، وانتقالات بين المدن والقرى ، حيث حمل المهاجرون داخلياً معهم  تراثهم المحلّي ومأكولاتهم التراثيّة إلى مكان استقرارهم الذي يتميّز بالضرورة بتراث محلّي ، ونحن نعلم مدى التنوّع واختلاف الذائقة من منطقة لأخرى ، لذلك فإن الشروع بتطبيق هكذا مشروع سيضمن حفظ هذا التراث من الضياع عبر نقله وتوثيق أنشطة إحيائه عبر الطهوّ وتشجيعها ، كما سيُعيد تعريف السوريين ببعضهم البعض ، عبر تبادل خبرات الطهوّ والتعرّف على التراث الغذائي لبعضهم البعض ، كما سيخلق جوّاً من الألفة ويُقرّب المسافات ، و ينشر ثقافة قبول الآخر وتفهّمه

بقلم : الدكتورة يارا معلا
تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

نظام الضرائب كطوق نجاة – التجربة السويدية-الجزء الثاني

في الجزء الأول من هذا المقال ، استعرضنا بإيجاز سريع ، تاريخ نظام الضرائب في السويد و تطوره أثناء الحربين العالميتين و الإنهيار الإقتصادي آنذاك .. وقد ذكرنا الأساس الذي يعتمد عليه النظام الضريبي ألا وهو احتساب عدد ساعات العمل لكل مواطن ، و اقتطاع ضريبة بناء على هذا العدد ، يُضاف إلى ذلك أن ثلثي الضرائب في السويد تتألف من ضرائب الدخل و الضرائب على رأس المال . إن ضريبة الدخل في السويد تصاعدية ، مما يعني أنه كلما زاد الدخل زادت نسبة الضريبة ، بينما يتم دفع ضريبة رأس المال بشكل رئيسي من قبل أصحاب الدخل المرتفع أساساً 

أما الخدمات التي يتلقاها المواطن لقاء هذه الضرائب فهي عامّة ، و تُوزّع  وفقاً لمبدأ الحاجة. لكل مواطن حصته من الخدمات بغض النظر عن نسبة دخله، و يُعفى العامل من الضريبة إذا كان عدد ساعات عمله لا يتجاوز الحدّ الأدنى الذي يضمن الحياة الكريمة في السويد 

ذكرنا أيضاً أن المواطن في السويد تعلم ثقافة تقديم ، مرة كل سنة ، كشف عن دخله السنوي كاملاً ، وذلك عن السنة التي سبقت زمن التصريح ، مرة كل سنة ، و فيه يعلن عن تكاليف تنقّلاته من وإلى عمله ذهاباً إياباً ، و ديونه الغير معروفة للدولة . بعدها ، تقوم دائرة الضرائب بدورها بحسم التكاليف الزائدة ، و تخفيف ما يتوجّب عليه من ضرائب ، فإذا كان خلال راتبه الشهري، المقتطع منه نسبة الضريبة ، أكثر ما يجب أن يدفعه حسب الحسابات الأخيرة، تُعيد له الدولة الفارق المالي

اليوم ، تطوّرت العملية أعلاه و أصبح التصريح يتم الكترونياً بسهولة وسلاسة ، حيث تقدّم دائرة الضرائب  لكل مواطن كشفاً كاملاً لكل ديونه و ممتلكاته و دخله و حجم الضرائب التي دفعها مسبقاً إضافة إلى تلك التي يتوجّب عليه دفعها ،  ويبقى على المواطن أن يُصادّق على الكشف و يُتمّه بتسجيل تكاليف تنقله من وإلى العمل

هل تُؤثر الضرائب العالية سلباً على النمو الاقتصادي والاستثمار ؟

إن  النظرية الاقتصادية القائلة بأن السوق المستقر يتّسم بالكفاءة والفعالية  في استخدام الموارد (لا يمكن لأحدهم التمتع باقتصاد جيد إلا على حساب تردي الوضع الاقتصادي لآخر )  وأنه إذا تم كسر روتين السوق و تحريكه ستزداد البطالة . فعلاً ، هناك بعض الفرضيات في علم الاقتصاد ، التي تعتبر أن البطالة بمجملها طوعية ، بحيث تنخفض إيرادات الضرائب الفعلية عندما يتم رفع نسبة الضريبة ، و يزداد الكل فقراً ،

ففي السويد ، يدفع أصحاب الدخل المرتفع للدولة  بالإضافة إلى ضريبة البلدية ، التي تُشكّل ثلاثين بالمئة من قيمة الضريبة  تقريباً ، ضريبة دخل تبلغ نسبتها 25 في المئة على الإيرادات التي تتجاوز حدّاً مُعيّناً في سلم الكفاف  ( ضريبة هامشية )  أيضا

إن الفكرة الأساسية البسيطة التي تقف خلف الإدعاء بأن الإيرادات الضريبية يمكن أن تنخفض بالفعل عند رفع المستوى ، هي أن زيادة  الضريبة الهامشية ، تستوجب بذل جهد أقل من أصحاب الدخل المرتفع  حيث يُخفّضون ساعات عملهم عمداً . لكن ، و وفقاً للبحث العلمي الذي قدّمه الخبيران الاقتصاديان هوكان سيلين و سبنسر باستاني عام 2015 يرد أنه إذا تصرّف الموظفون وفقاً للفرضية فهذا يستوجب أن يصبح  الكثير من الموظفين، دون المستوى الذي يتم عنده رفع الضريبة الهامشية، لكن في الواقع لا وجود لهكذا تهرّب من أصحاب الدخل المرتفع ، ولا حتى تغيّر في سلوكهم . يقول باستاني و سيلين أن تغيّر السلوك (المرونة) يُلحظ لدى الموظفين

كتب پول كروغمان الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد ، في صحيفة نيويورك تايمز،2010-07-15

، أن تجربة الولايات المتحدة لا تُقدّم أيّ دعم للفكر القائلة بأن التخفيضات الضريبية تُموّل نفسها بنفسها على العكس من ذلك ، يعتقد كروغمان أن قيام رونالد ريغان بفرض تخفيضات ضريبية كبرى ،  أدّى فقط إلى حدوث فجوات كبيرة في ميزانية الدولة و عجز حادّ – على الرغم من الوعود البرّاقة بالتمويل الذاتي . عندما كرّر جورج دبليو بوش حيلة رونالد ريغان ، وزعم مرة أخرى أن التخفيضات الضريبية تُموّل نفسها.

من الواشنطن بوست بتاريخ 2006-05-15 Sebastian Mallaby صرّح سيباستيان مالابي   .وتحت عنوان “عودة اقتصاد الشعوذة” ، قائلا بأنه لا يوجد شخص جادّ بعمله يمكنه أن يؤمن بهذا

علاوة على ذلك ، كتب أحد عشر شخصاً من الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد ومعهم الرئيسة السابقة لبنك الاحتياطي الفيدرا , جانيت يلين, Janet Yellen

، رسالة مفتوحة إلى دبليو بوش موضحين من خلالها أن تخفيض الضرائب لن يؤدي إلا إلى زيادة ضخمة في العجز  و صعوبة في تمويل الخدمات العامة الضرورية فحسب بل لن  يؤدي إلى خلق المزيد من الوظائف أو إلى زيادة النمو في البلاد أيضاً

إذا كانت النظرية القائلة بأن الضرائب تقلل من كفاءة الاقتصاد صحيحة ، فيجب أن يكون هناك ارتباط بين مستويات النمو والضرائب في مختلف دول العالم ، وبالتالي يجب أن نلاحظ ارتفاعا بالنمو في الدول ذات الضرائب المنخفضة ، وهذا عكس مايحدث واقعاً إذ لا وجود لمثل هذا الترابط حسب الأبحاث و التجارب ، إنما هناك علاقة مستقرة بين مستويات الضرائب المرتفعة والعدالة في توزيع الدخل ، لذلك نرى أن نموذج الضرائب  الاسكندنافية المرتفعة هو حصيلة جيدة لتحقيق المساواة والعدالة ، ليس لها جانب سلبي يتمثّل بإفقار الشعب

التخفيضات الضريبية ليست مجانية ومع ذلك ، هناك مشكلة بشكل عام تتعلق بـ

؟ “What-the-hell-do-I-get-the-money”

كما ذكرنا سابقاً ، يتم رفع مستوى الضريبة مقابل اختفاء تكاليف بعض الخدمات الشخصية التي تقتطعها الأسرة من ميزانيتها ، مثل وجبات الغداء لطلاب المدارس بما يضمن وصول الغذاء الصحي الكامل ، وجبة  لكل أطفال البلد ، على الأقل ، يحصلون جميعاً على الغذاء ذاته عبر الوجبة ، بغض النظر عن الوضع المادي لأهلهم . مثال آخر هو الدواء حيث يدفع المواطن  ٥ -١٠ بالمئة من سعره الحقيقي ففط ، لتُكمٍل الدولة بقية التكلفة يُضاف إلى ذلك أنّ المواطن  يدفع لفترة محدّدة مبلغاً سنوياً ، ثم يصبح الدواء كامل الدعم ، و كذلك الأمر في المشافي و المستوصفات ، و حتى عند مراجعته للأطباء الذين يعملون في العيادات الخاصة يدفع نفس قيمة الكشف لدى طبيب في القطاع العام ، و تتكفّل  الدولة بدفع باقي تكاليف الزيارة

لهذا نقول أنه إذا بدأ المواطنون بدفع سعر مرتفع للغاية لقاء تلقّي الخدمات العامة ، فيجب أن تكون هذه الخدمات عالية الجودة ، فإذا ساءت الخدمة ، سيمتنع المواطنون عن استخدامها وبالتالي يجري الانتقال بشكل فردي إلى نموذج السوق الحر “الخاص” ، و يواجه النظام بالتالي مشكلة قانونية خطيرة

!مثال صغير عن التأثير الإيجابي للضرائب المرتفعة

وفقاً لدراسة صادرة عن معهد دراسات سياسات النمو في السويد ، فإن دخول المرأة إلى سوق العمل قد وفرّ إضافة كبيرة و دفعة واحدة ، من حيث ساعات العمل و مكاسب إنتاجية كبيرة عندما انتقلت وظيفة رعاية الأطفال ( الروضة)  من المنزل إلى سوق العمل ، إن دخول المرأة مجال العمل بهذا الشكل ، أعطى لعملية الإنتاج هامش ربح إضافي، مما أتاح تأمين مورد لتحديث النظام التعليمي منذ الستينات ، كما يوفر الإنتاج الممول من القطاع العام الشروط الموضوعية لإحتراف الموظفين عملهم والحصول ، بالتالي ،  على جودة أعلى ، فمعلمو مرحلة ما قبل المدرسة ( الروضة ) اليوم ، هم خريجو كلية أكاديمية في السويد

إن النموذج الاسكندنافي الذي يتميز بمستوىً ضريبيٍّ مرتفعٍ نسبياً ، مع التزام عام كبير تزيد فيه فرصة مشاركة النساء  في سوق العمل نظرياً ، يوفر توزيعاً أكثر توازناً للدخل 

!مثال آخر عن الاستثمار الذي قد يشجعه النظام الضريبي المرتفع

بعد الزيادة الضريبية بين عامي 1995- 1999 في السويد ، بسبب الكساد العالمي في أوائل العام 1990 ، والتي لم تستطع الحكومة  تخفيضها وأصبحت  دائمة ، لكن تحت مُسمّى آخر.. عندما جاءت حكومة جديدة لم تستطع إلغاء هذه الضريبة المُستجِدّة خوفاً من أن يحاسبها الشعب باعتبارها تدعم الأغنياء ، فشرّعوا قانوناً جديداً ألا و هو تخفيض ضريبة خدمات المنزل ، فكان لكلّ مواطن يطلب خدمة لمنزله كخدمات التنظيف أو البناء ، الحقُّ في عرض فاتورة الخدمة على دائرة الضرائب ، وذلك لتخفض الدولة  نسبة ضريبته ، النتيجة كانت جيدة بالنسبة للاقتصاد ، فازداد عدد الشركات التي تُقدّم هذه الخدمات ، و بالتالي ، ازداد عدد العاملين في قطاع الخدمات المنزلية و استفاد الأثرياء من هذا التخفيض الضريبي غير المباشر

هل تستطيع سوريا اعتماد هذا النموذج من النظام الضريبي؟ 

هل تستطيع سوريا أن تلغي الضرائب المفروضة  على أصحاب الدخل المحدود و تعوضها عبر رفع نسبة الضرائب على أصحاب الدخل المرتفع و الأثرياء ؟ 

هل ستستطيع سوريا فرض قانون جديد يُلزم الأغنياء بالكشف عن حجم أموالهم في البنوك ، و فرض ضرائب مُطّردة على الإرث و الممتلكات التي تتجاوز الحد الأدنى وفق سُلِّم يتناسب مع متطلبات المعيشة في سوريا ؟ 

هل ستفرض سوريا على الأثرياء تغيير سلوكهم ؟ 

ربما ، حين يدفع الأثرياء  ضريبة أكبر سيجعلهم ذلك أكثر خوفاً على الوطن و تماسكاً لأجله . الباحثون بالاقتصاد الوطني يعلمون جيداً أن محاولة تغيير السلوك ، تُعدّ من أصعب المحاولات ، لكنها ممكنة ، و يجب أن تسبق أيّ قرار سياسيّ جديد دوماً

ربما سيعترض أحدهم هنا قائلاً ، أن الأغنياء يعتبرون غناهم حصيلة جهدهم وحقّهم الخاص ، فما الذي سيدفعهم لمشاركته مع باقي أبناء وطنهم ؟ ، ليس ذنبهم كما ليس من واجبهم إعالة الفقراء عبر الضرائب المرتفعة التي ستُفرض عليهم ، لذلك نرى أنه من دون نشر الوعي و ثقافة التكافل الاجتماعي بين أبناء الوطن الواحد ، سيكون من الصعب على الدولة أن تقنع الأغنياء بالتصريح طواعيةً عن مداخيلهم و أموالهم.. وحده القانون يستطيع فعل ذلك

بقلم : المستشارة الإقتصادية فاديا رستم
تدقيق لغوي : الاستاذة أميمة ابراهيم

الوطن الموروث و الوطن المبتكر

كان يحكي لنا والدي كثيرا عن لقاءات السوريين شبه اليومية في مغترباتهم وكم كانت أمراً لا بد منه! كان يعتبر أن سنوات دراسته في جمهورية تشيكوسلوڤاكيا لمدة ٤ سنوات كانت كفيلة أن تغني وتجذي شعلة الوطن في ذاته وتشده أكثر للعودة .. هذه الرغبة هي ما كان يدفعه وغيره من الطلاب السوريين للاجتماع بشكل دائم لصنع جسور تصلهم بالوطن في وقت الغربة المستقطع … واذكر تلك الصورة التي رسمتها في مخيلتي الطفلة … لشارع معتم بعد منتصف الليل و لنافذة منيرة بضوء خافت تنير بحياء ما حولها.. كان يقول بيقين مطلق ونوع من الفخر “نافذة مضيئة في ليل الغربة تعني أحد أمرين إما أنه طالب ڤيتنامي يعد لامتحاناته أو أنهم سوريون يتبادلون الحديث في السياسة !!!” طبعا فالسوريون محنكون بالسياسة ، فاضافة  أن هذا النوع من الاضطلاع كان موضة دارجة في كل بقاع العالم في حقبة معينة تمسكنا به نحن لسبب ما. ليس فقط بسبب موقعنا الجيوسياسي الذي شغل العالم منذ بدا التاريخ ! …فحتي قبله ، قبل  ولادة المسيح السوري فيها بزمن بعيد كنا نبحث لأنفسنا عن مكان تحت الشمس. تمسكنا ببعض الوعي الذي تحصلنا عليه كابناء تسلسل حضارات انسانية ذات اثر اذ  لم يكن هذا الوعي نظراً لمنطقتنا عفويا وسهل المنال

 و كان يسكنني الإيمان المطلق  بان هذا الوعي فقط هو ما سيحمينا في الأزمان التي لا تعرف الرحمة . وجاء عام  الاختبار الكبير في مد لا يشبهنا. ولم يستطع ما تسلحنا به من تنور ووعي وولع في السياسة ان يحمينا من آلة فرم الأوطان الأصيلة والمتفرّدة  لاستبدالها بتلك الحديثة مسبقة الصنع . وتبعثرنا في شتات البحث عن الامان  …و عن المستقبل  … وعن الذات وامسينا  و نحن احوج ما يكون لمرآة انفسنا مع السوريين مثلنا ابعد ما يكون عنهم و عن أنفسنا. امعنا  في غربتنا عن الوطن حتى ونحن نسكنه و بتنا مولعين بتعزيز الشقاق وتقزيم حجم الأوطان، وقد نصل في ذلك حد تغيير حدودها مبررين لانفسنا ان جرحنا عميق ونازف.. دون أن ندري أننا نحن من نجهد في العبث واللوث فيه مراراً وتكراراً علّه لا يندمل

 أمسى أي جدل في السياسة يبدو لي ثرثرة ممجوجة بحقد اتعجب من اين لنا أن نحمله واي موروث أورثنا إياه هذا “الوطن”؟؟! واجهد في معرض كتابتي لهذا المقال في البحث عن تعريف لهذا التعبير الذي كان جوهر الكثير من البطولات الأدبية، فمن أوديسا التي انتهت بعودة بطلها الى وطنه فيما بقي فكره هائماً خارج حدوده، الى لوركا شهيد حرية الوطن الى جبران المعذب في منفاه الاختياري ..الى كونديرا الذي سمى الحنين الى الوطن “جهلاً”  … ولا ننسى أيضاً  كل ما تعلمناه في مدارسنا من ملاحم ..اه  كم كنا نحب هذا الوطن!؟ واه كم توقفنا اليوم عن حبه؟

أصبح الوطن اليوم للكثيرين شيئاً هشاً كالبرشام في يد طفل صغير … جزعت عندما سمعت أحدهم مرة يقول “الوطن مات”! لكن ذلك حفزني للتساؤلات التي تلي خبر موت الأوطان. فإن مات وطني حقاً! ألا يعني هذا أننا قادرون على خلق وطن جديد بأدوات جديدة ومفاهيم جديدة؟! قد يكون الميت هو الفكرة الرومانسية فقط تلك التي ورثناها كما ورثنا الطبعة الدينية التي تُطبع على جبيننا بحكم الولادة دون ان نُسأل رأينا فيها وحتى عندما نبلغ سن الرشد لا يتكبد أحدهم عناء سؤالنا ما إذا كان الأمر جيدا بالنسبة لنا… هو الوطن كما علمنا آباؤنا.. لكن ألسنا نعتقد جميعاً يقيناً بأن ما علمنا إياه آباؤنا ليس صحيحا بمطلقه؟! وأنه نتاج خبرتهم و موروثهم فقط؟! واننا بخبراتنا وتجاربنا الجديدة قادرون على أن نغني أنفسنا ومحيطنا … خاصة إن كان هذا المحيط في طور تغيير جذري لا مفر منه

قد يكون البحث عن إجابات حتمية لاسئلتنا الكثيرة في زمن الشتات أصبح مضنياً، لكن يبدو من التعقل التوقف للحظة عن إرادة وجود إجابات فوجود أسئلة مفتوحة ليس عبثياً بالضرورة! فلننطلق من حاضرنا ولنختر مما ورثنا، إذ لم يخلق كله ليكون جزءاً من مستقبلنا ومستقبل أبنائنا … نحن نحمل اليوم ما نحمل.. من جروح وآلام وآمال لا تخبو في قلوبنا … نريد لهذا الكائن الغير مرئي الساكن في وجداننا “الوطن” ان يحيا وأن يحيا عزيزاً فقط … ليس لهذا الكائن سماهٌ محددة  ولا أسماء ولا يشبه أياً منا، ولا يمكن أن يُختزل لا بشخص بشريٍّ ولا بتكوين إلهيٍّ … فالوطن أكبر من ذلك كله … نحمل على عاتقنا اليوم مهمة قد تبدو شبه مستحيلة لكني لن اسلم باستحالتها طالما أملك ما أتمسك به وما اعتقد انه يستحق … وفي تلك البقعة الجغرافية المحاصرة التي تغفو اليوم بِجَزَع على الساحل الشرقي للمتوسط وتتوسد التاريخ مازال هنالك الكثير مما يستحق … 

 دمتم والأوطان بخير      

بقلم زينة ناصر
اللوحة للفنانة سلام برهوم

1مقالات ذات صلة

2مقالات ذات صلة

علم الوراثة اللاجيني

《أمي لم تخبرني بشيء أبداً لكن هذا ماحصل لأبي ، أنا أعرف ذلك》

ذكرياتنا صنعت من عدة أجزاء نبلورها ونطورها من قصص نحتار تصديقها تلك القصص التي تروي مسار شخصياتنا والتي تشكل سرداً داخلياً مؤلفاً من مشاهد وخلاصات وطرائف ملونة بلمسات من الحقيقة وبعض الافتراضات

نحن نميل لاعتبار وجودنا من خلال هذه الذكريات والتي غالباً مايكون مبالغاً فيها إلا أنها تسمح لنا بفهم أساس قوتنا وضعفنا، لكن مفهوماً جديداً مثير للاهتمام يقول لنا أنه من الممكن توريث الذكريات . إذاً بعض التجارب المؤلمة والصدمات التي تعرض لها أجدادنا قد تعود لنا حاملة معها أثراً من ماضٍ بعيد وإن لم نكن جزءاً منه لكنه سيكون موجوداً فينا حتى قبل ولادتنا معلومات جديدة من شأنها أن تهيئ الأجيال لمخاوف قديمة أو لتجربة نفس الأخطار التي عاشها الأجداد والنجاة منها فمن سيقدم لنا التفسيرات ؟!

– أتذكر القصص التي رويت لي عن جدتي كيف حملت طفليها ” طفل تحت كل ذراع” حين هربت من القنابل التي أمطرت سماء مدينتها اليابانية 1945 ، جدي كان مقاتلاً يحارب في مكان آخر.  الأهوال التي أحاطت بها والشجاعة التي أظهرتها لحماية عمي وعمتي هل انتقلت إلى والدي عند ولادته ثم انتقلت إلي ؟ هل هذه الذكريات محفورة في كياني ولو بشكل جزئي هل تعود شجاعتي وربما قلقي إلى تجربة جدتي ؟ تبدو لي الفكرة معقولة ولا تخلو من الشاعرية.

هذا ما ترويه كارمن ماريا ماتشادو في قصتها القصيرة التي حملت عنوان : نجمة موجزة وخائفة (A brief and fearful star)

إن هذه الطريقة في التفكير والتحليل النفسي هي التي تجعل مفهوم هذا العلم épigénétique مثيراً للاهتمام رغم أنه حديث العهد ومثير للجدل إلا أن الخبراء يسعون في هذا المجال للإجابة على سؤال محدد لشخص ما

عندما تغير تجربة ما السمة الجينية (expression  de gène)  هل سينقل هذه التغييرات إلى نسله  وماهو تأثير هذه التغييرات على صحة وسلوك أحفاده؟

إن مثل هذه التساؤلات تحفز الخيال وتثير فكرة ذاكرة التجارب المختزنة والتي تنتقل عبر الأجيال.

épigénom التعرض للعالم الخارجي قد يؤدي إلى تغيير في

(يُشير مصطلح “ما فوق ” الجينوم ” (بالإنجليزية: Epigenome) يشير إلى سجل التغيرات الكيميائية الفوق جينية في الحمض النووي وبروتينات الهيستون لكائن حي؛ يمكن أن تنتقل هذه التغييرات إلى نسل الكائن الحي عبر الوراثة الفوق جينية العابرة للأجيال. يمكن أن تؤدي التغييرات في ما فوق الجينوم إلى تغييرات في بنية الكروماتين وتغييرات في وظيفة الجينوم، ولكن من غير تغيير تسلسل الحمض النووي على الإطلاق

ملأت الأبحاث الأولى في هذا المجال أذهان القراء بالأسئلة والاحتمالات ويمكن أن نذكر بعض هذه الدراسات التي سلطت الضوء على احتمال وجود بصمة جينية مؤلمة في أحفاد ضحايا المحرقة أو ضحايا المجاعات فهل يمكن للمرء أن يرث ذكريات عن العبودية أو الإبادات الجماعية، الفقر ، سوء المعاملة …؟

نحن نعلم أن الخصائص البشرية يمكن أن تنشأ من التعليم والفرص المتاحة أو حتى من طفرات عشوائية لكن ما نوع الخصائص التي يمكن أن تنتقل إلينا من خلال رحلة الأسلاف التي لا نعرف عنها شيئاً في كثير من الأحيان

وفقاً لعلم الوراثة اللاجينية أو فوق جينية فإن الحياة التي نعيشها اليوم متأثرة بالعوامل البيئية مثل الإجهاد والضغوط او النظم الغذائية وهي من تؤثر على المورثات البيولوجية لأطفالنا وأحفادنا كما تأثرنا نحن بأسلافنا بنفس الطريقة منذ زمن بعيد

بالعودة إلى قصة كارمن ماريا ماتشادو ” التي تتجاوز المعارف العلمية الحالية” ذكريات الأم تتردد في جسد ابنتها التي تشعر بتأثيرها دون أن تفهم طبيعتها – تتحدث مباشرة إلى القارئ- 《أعلم أن شعورنا بدا وكأننا أول من يطأ هذه الأرض لكننا تعرضنا للضرب من قبل وحوش أكثر من كونهم بشراً 》 تتحدث هنا عن تجارب لم تعشها بالفعل لكن يبدو لها أنها عاشتها بكل تفاصيلها التي ربما حملتها معها قبل ولادتها كما لو أن هذه الذكريات محفورة في خلايا جسدها  . إنه سرد قوي ومؤثر لكن العلم لم يؤكد بعد هذه النظرية لنعد معاً إلى الواقع بعيداً عن هذه القصة المؤثرة ، العلم لا يسمح لنا بعد بالتأكيد على أن جينات الطفل يمكن أن تحافظ على بقايا تجارب أسلافه أو أن الذاكرة الخلوية

البشرية يمكن أن تنتقل إلى الأجيال القادمة

{التشويق الذي يثيره علم الوراثة اللاجيني يتجاوز تقدير العلماء }

يقول الباحث جيمي هاكيت : إن فكرة أن جزءاً منا جاء من أفعال وخبرات أسلافنا هي فكرة فلسفية نوعاً ما

أجرى هذا الباحث دراسة على الفئران عام 2013 في جامعة كامبردج أظهرت أنه من الممكن أن تنتقل بعض الصفات اللاجينية في الثدييات إلى الأجيال اللاحقة ويتم ذلك عبر “epigenome” وهي شبكة من الجزئيات تلتصق بالجينات مثل الضباب الذي يلتصق بالزجاج هذه الجزئيات تنسق النشاط الجيني ويمكن أن يؤدي التعرض للعالم الخارجي إلى تغيير هذه الصفة والذي بدوره يؤثر على قابليتنا للمرض وعلى سلوكنا بشكل عام .

يسعى جزء من البحث في علم الوراثة هذا إلى فهم الأشكال المختلفة الموجودة في جيناتنا طريقة عملها والصفات التي تحملها وكيف يمكن أن تؤثر على خصائص معينة وكيف يمكن أن تنتقل عبر الأجيال ، يعتبر بحث هاكيت مهماً من الناحية العلمية فحتى الآن يعتقد الكثير من العلماء أن التغييرات التي تسببها هذه العلامات يتم إعادة تصنيعها في الثدييات نفسها ولم تنتقل إلى الأبناء ، يعمل Hacket الآن في مختبر للبيولوجيا الجزيئية ويواصل دراسة إعادة البرمجة و الوراثة اللاجينية باستخدام تقنيات CRISPR ” إعادة تحرير الجينات ” إن هذا العلم كغيره من المفاهيم العلمية المثيرة للاهتمام وللجدل خاصة عندما تتجاوز إدراك العلماء لها .

الانبهار يؤدي إلى المبالغة في النتائج

اتفق الباحثون على نقطة واحدة : هناك بعض الدراسات التي تظهر فيها الوراثة اللاجينية في النباتات والديدان والتي تنقل الذكريات والخبرات إلى نسلها حيث وجد الباحثون الذين قاموا بإجراء تعديل وراثي على الدودة المستديرة (caenorhabditis elegans  )

لجعلها أكثر ذكاء وتأقلماً بأن عرضوها لدرجات حرارة أعلى بشكل مؤقت وتدريجي مما أحدث فعلاً تغييرات في صفاتها الجينية وجعلها أكثر تأقلماً مع الحرارة  كما أن هذه الديدان نقلت هذه التغييرات إلى نسلها الذي كان أكثر ذكاء من نظرائه الآخرين دون أن يتعرض للحرارة التي تسببت في حدوث هذه التغييرات في آبائهم

أما الأبحاث التي تتعلق بالبشر وباقي الثدييات فهي أقل تقدماً بكثير مما تم إثباته في الأبحاث التي أجريت على النباتات والديدان ومع ذلك فإن الانبهار بهذا المفهوم غالباً مايؤدي إلى نتائج مبالغ فيها كما صرح جون غريلي أستاذ علم الوراثة وطب الأطفال في كلية آلبرت آينشتاين في نيويورك :

إذا تم تصديق مقال شيكاغو الشهير حول دراسة <نقل الصدمة> للناجين من الهولوكوست مثير للجدل من حيث حجم العينة المحدود التي أجريت عليها الدراسة فقد اعتمد الباحثون في كثير من الأحيان على الارتباطات دون تسليط الضوء على الأسباب والنتائج بشكل تفصيلي دقيق ، إن مفهوم الوراثة اللاجينية هو بالتأكيد موضوع خيالي شيّق وجميل لكن من السابق لأوانه التأكيد بأن البشر يرثون بالفعل تجارب أسلافهم في الوقت الحالي يقوم العلماء بجمع الأدلة قائلين لنا : امنحونا بعض الوقت

المختصين في هذا المجال لديهم فكرة واحدة وهي إيجاد الآليات المحتملة لهذه العملية

هذا النقص في الاكتشافات الحاسمة يرجع أيضاً إلى تعقيد الجنس البشري حيث لم يتمكن الباحثون من فهم مدى تأثير البيئة على الجينات لدينا وهل يمكن أن تنتقل هذه السمات إلى الأبناء في الثدييات ؟ أي منها يمكن مقاومة عملية إقصاء متكاملة لبعض الجينات والتي قد تحدث أثناء التكاثر ؟ !

إن هذه الأسئلة لا يوجد إجابات موحدة عليها فالخلافات مازالت قائمة بين العلماء ويعتقد هاكيت مثل العديد من زملائه أن بعض التعديلات تبقى أثناء عملية الإقصاء لكن لا يوجد ما يشير إلى أنها انتقلت للأجيال اللاحقة.

على صعيد آخر حتى لو تمكنت بعض بقايا الصفات الجينية من شق طريقها فليس من المؤكد أنها تمكنت حقاً من التأثير على الخصائص التي وجدت عند الأحفاد ، يوضح هاكيت

لم يتوصل الباحثون إلى إجماع حول هذه الفكرة وهذا أمر مؤكد لكننا ربما نشهد تفاؤلاً حذراً فلا خيار أمام العلماء سوى مواصلة عملهم والعثور على إجابات. الخبراء في هذا المجال لديهم شيء واحد في الحسبان وهو : العثور على الآليات المحتملة لهذه العملية

ذلك حتى نفهم بالضبط كيف يتم نقل المعلومات لكننا حتى الآن لا نستطيع القول بثقة وضمير حي أن هذه بالفعل عملية وراثة عبر الأجيال

أكبر الصناديق السوداء

في انتظار ما سوف تكشفه الأبحاث العلمية نستطيع أن نكتفي بالقصص فالخيال يساعدنا على تصور واسع للاحتمالات 《 أمي لم تخبرني أبدا لكن هذا ماحصل لأبي أنا أعرف ذلك 》 تكمل كارمن ماتشادو في قصتها 《 أحاط النهر بأبي وأمسكه بأصابع مفترسة وحمله تحت الأمواج في نصف ثانية 》 يوحي هذا الأسلوب في السرد بشعور من الألفة وكأنه مشهد من فيلم سينمائي تحضره الطفلة رغم أنها  في الواقع لم تكن موجودة لكن في أعماقها بدا لها العكس.

لا يمكننا العودة بالزمن إلى الوراء هذا أمر أكيد لن نستطيع اكتشاف عقول أجدادنا واستعادة لحظاتهم الحميمية حتى عندما نسترجع ذكرياتنا مع ذلك فإن البحث في علم الوراثة /مافوق جيني رغم كونه مازال حديثاً قد يلقي الضوء على آثار انتقال الذكريات والمشاعر كالخوف مثلاً إلى مسارات أخرى.

تحتوي قصة كارمن ماريا ماتشادو على العديد من المشاهد المؤثرة وبعضها يشير بشكل غير مباشر الى هذه العملية (الذاكرة الموروثة) حيث تشاهد الطفلة والدتها وهي تحاصر الفئران التي تخرج من شقوق الجدران في منزلهم …تنجذب القوارض إلى زيت ذو رائحة مرّة ينزلق على الألواح تمكن بعضهم من الهروب في النهاية جاءت فئران جديدة  صغيرة لاحظت لاحقاً أن نسلهم يهربون بمجرد أن يكتشفوا الزيت كما لو أن تلك الرائحة تحمل تاريخاً مروّعاً

لم نقم بإجراء اختبار يثبت أن الرائحة قد تستحضر ذكريات مرتبطة بالخوف

تتناول هذه الفقرة دراسة تجريبية قام بها الباحثان برايان دياس وكيري ريسلر في جامعة ايموري آتلانتا حيث سكب الباحثان مادة الأسيتوفينوس وهي مادة كيميائية عطرية في أقفاص مجموعة من ذكور الفئران تشبه رائحة زهر البرتقال والكرز في الوقت نفسه أرسلا صدمات كهربائية عبر أقدام الفئران حتى انتهى الأمر بالفئران إلى ربط هذه الرائحة بالإحساس المزعج وعندما أخضع الباحثون الجيلين التاليين لعطور الاسيتوفينون أظهر نسل الفئران المحفزة كهربائياً استجابة قوية للشم رغم أنهم لم يكونوا على اتصال مع آبائهم ولم يتم تعريضهم لتلك الرائحة وتلك الصدمات معاً من قبل . كان الأمر كما لو أن الخوف المرتبط بالرائحة قد انتقل إليهم ومع ذلك كما يشير دياس ربما ورثوا ببساطة فرط الحساسية لنفس الرائحة …. لم نقم بعد باختبار يثبت أن الرائحة تسبب رد فعل الخوف

لم يحدد ريسلر ودياس الإجراءات الدقيقة لانتقال هذا التفاعل مع ذلك يعتقدان أن عملية وضع العلامات فوق الجينية (مثيلة الحمض النووي) يمكن أن تفسر هذا الإرث ويدعم العديد من المختصين هذه الفرضية ( la méthylation ) هو تغيير وتعديل ذو وجهين يطرأ على المواد الكيميائية حيث تلتصق بجزيئات الحمض النووي نفسه دون أن يتغير التسلسل الحمضي لكن من الممكن لهذه الجزئية أن تعطل أو تفعّل نشاط ما على الجينات فإذا ظهرت علامات المثيلة نفسها في نفس المواقع الجينية في النسل هل من الممكن أن يرث هؤلاء نفس الأنماط أيضاً ؟ هل تأتي هذه العلامات بسبب عوامل بيئية أم تتشكل في الرحم ؟ هذه هي الأسئلة الحالية للباحثين.

يشير دياس إلى أن بعض التجارب البيئية ( كالعمر المتقدم للأب على سبيل المثال ) قد تؤثر على العلامات الجينية التي بدورها ستؤثر أيضاً على النسل المستقبلي لكن عندما ننظر إلى التجارب الماضية  كالإجهاد ، الضغوط ، تغييرات النظام الغذائي ، الهزائم ، الصدمات…..والتي ليست ملموسة بحد ذاتها اعتقد من الضروري فهم كيف يمكن لهذه التجربة غير القابلة للقياس أن تشق طريقها إلى خط الخلية وتعطينا نمطاً وراثياً إن هذا هو أكبر الصناديق السوداء هنا حقاً يتم سحب الخيوط .

دراسة جديدة على البشر والفئران

يهتم باحثون آخرون مثل لاري فيج Larry Feig -أستاذ البيولوجيا الجزيئية والكيميائية في كلية الطب جامعة Tuftus- بتأثير ال  micro-RNA الذي يمكن أن ينتج عنه تأثيرات على الجينات وفق بحث جديد يظهر حدوث تعديلات وتغييرات على سمات الجينات وقد تنتقل عبر الأجيال

في هذه الدراسة الجديدة من مختبر لاري فيج بحث العلماء micro-RNA في السائل المنوي للرجال الذين تعرضوا لسوء المعاملة أو الإهمال في طفولتهم واكتشفوا نوعين من ال micro-rna كان أقل بكثير في عيناتهم مقارنة بغيرهم ، وعندما عرّض الباحثون ذكور الفئران لعوامل إجهاد في وقت مبكر وجدوا أيضا مستويات منخفضة من نفس الحمض النووي الريبي الدقيق في الحيوانات المنوية للفئران

عندما تزاوج ذكور الفئران مع إناث لم تتعرض لهذه المواقف العصيبة كانت التغييرات موجودة في أجنة ذريتهم حتى بعد جيلين

يبقى لنا أن نرى ماهي هذه الآثار السلوكية والجسدية ؛ وجد فريق الباحثين في مختبر لاري أن ذرية الذكور المجهدة سابقاً بدت معادية وقلقة وأظهرت خصائص مرتبطة بالتوتر ؛ يقول لاري : لا نعرف حتى الآن إذا كان القلق الشديد والاختلال الوظيفي لدى ذرية الإناث للذكور المجهدين يرجع إلى التغييرات التي لوحظت في الأجنة

إذا كان هذا تغييراً مستقراً في خط البذرة إذا هو تغيير من الممكن نقله من جيل لآخر

يؤكد لاري وبدقة أن مختبره سيجري دراسة أكبر وأوسع على البشر والفئران لتعميق هذه النتائج الأولية فإذا كانت هذه التغييرات تنتقل بالفعل في البشر كما في الفئران فيجب استنتاج أنها تنتقل عبر خط المنشأ-البذرة/الجرثومة- سيكون هذا الاكتشاف مثيراً للجدل وسيطرح أسئلة من المحتمل أن تغير نظرتنا للحياة على الأرض وإذا كان هذا تغييراً مستقراً في السلالة الجرثومية والحيوانات المنوية والبويضات فهذا تغيير يمكن أن ينتقل إلى الأبد من جيل إلى جيل مما سيؤثر حتماً على مفهومنا للتطور.

توضح قصة ماتشادو الشعور الغريب الذي عشناه جميعاً في وقت من الأوقات وكأننا لمسنا سراً لا يمكن وصفه 《 لم أكن أنتمي إلى هذه الجزيرة ؛ لقد اختاروا لي طريقاً لم أكن لأختره أنا ومع ذلك سلكته ، كيف لي أن أتجاهل كل هذا ؟ هل كنت أعرف هذا من قبل ؟

أود أن أصدق أن المختصين في علم الوراثة هذا يشعرون بالشيء نفسه بأنهم في هذه المرحلة من أبحاثهم على وشك القيام باكتشاف ثوري ربما يكون قادراً على حل أحد ألغاز البشرية ومساعدتنا لعلاج أسوأ أمراضنا ، أود أيضاً أن أصدق أن أجزاء من لحظات جدتي محفورة في جيناتي إنها فكرة جميلة حقاً 》

في النهاية وحتى هذه اللحظة لا يمكن للبحث العلمي أن يعطينا إجابة حاسمة ونهائية كما يقول جيمي هاكيت :

《مازال مبكراً الإعلان عن أي شيء حالياً هذه هي الحقيقة 》 …

Erika Hayaski

ترجمة للفرنسية :

Jean Clément Nau

ترجمة للعربية :

Roxane Simonet

Note :

1- Micro-RNA : الرنا الميكروي أو ميكرو آر أن إيه أو ميكرو حمض نووي ريبوزي أو ميكرو رنا (بالإنجليزية: microRNA) ‏ هو جزيء رنا مسؤول عن ضبط التعبير الجيني.ينشأ في النواة عن طريق عملية النسخ الإنزيمي للجينات المسؤولة عن إنتاجه. يحتوي جينوم الإنسان على المئات من هذه الجينات

2- Expression de gène : التعبير الجيني التعبير الجيني  هو العملية التي يتم من خلالها استخدام المعلومات الجينية لاصطناع منتجات جينية الوظيفية. هذه المنتجات قد تكون بروتينات (يتم صنعها باستخدام المعلومات من الرنا الرسول)، أو قد تكون أحد الأنواع العديدية من الأحماض النووية الريبوزية، مثل الرنا الريبوسومي (rRNA)، الرنا الناقل (tRNA) والرنا النووي الصغير (snRNA)

مقالات ذات صلة

“ما نعرفه وما لانعرفه عن هذا التعبير الغريب “الوقف

إن ما يعرف في المنطقة العربية والشرق الأوسط باسم الوقف ويرتبط اليوم ارتباطا وثيقا بالمؤسسة الدينية، تعود جذوره الى ما قبل ظهور الأديان السماوية بزمن طويل. بدأ كشكل من أشكال العمل الخيري عن طريق تكريس الأغنياء بعض أموالهم في بناء او ترميم الطرق او بيوت الرعاية الصحية أو ما كان يسمى بيوت الولادة او حتى تأسيس التجمعات السكنية. يذكر المؤرخ وعالم الاجتماع الألماني  Brogolte ان جذور الوقف في منطقة الشرق الأوسط تعود الى حقبة ما قبل الميلاد بسنوات طويلة وظهرت أشكال عدة منها في الكثير من النصوص الاثرية. فقد ترافق اسم معبد بل التدمري على سبيل المثال بوقف انشأه اهل المدينة المقتدرين لرعاية وإطعام حجاج المعبد. 

إذن ظهر الوقف بدافع ورغبة تحقيق هدف اجتماعي لمصلحة الغير كنوع من أنواع التكافل الاجتماعي لم تقتصر على مجتمع دون غيره. فقد نشأ في المجتمعات الغربية بشكل مشابه إن لم يكن مطابق. فأسس أفلاطون الى جانب أكاديميته المعروفة وقفا دام بين عامي ٣٤٧ و ٥٢٩ قبل الميلاد. و في القرون الوسطى ارتبط تأسيس الوقف ارتباطا وثيقا بالقيمة الدينية والتقوى لدى مؤسسه وهدفت الأوقاف في معظمها لخير المجتمع، أمثلة عنها أوقاف لبناء المشافي والأديرة والمياتم … الخ.

ولئن يتساءل المرء عن سبب الارتباط الوثيق بين الجهة الدينية والوقف، يُعتقد أن لارتباط الوقف بالأديان السائدة في المجتمعات عامة اعتبارات سياسية ظهرت مع ظهور تلك الأديان حيث تم تدوين الصكوك غالبا مع بداية انتشار الأديان (بدأ تدوين صكوك الوقف مع ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي). توجهت الجهات الدينية مع ازدياد السلطة والقوة في طريقها للسيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع للاستفادة من الدور والمكانة الأساسيين الذين شغلتهما الأوقاف في المجتمع ولدى أفراده، وذلك كخزينة أموال تدار بأيادي أصحاب السلطة (الجهة الدينية وممثليها). 

الوقف باللغة العربية و Stiftung باللغة الألمانية و Foundation باللغة الإنكليزية جميعها على اختلاف شكلها القانوني هي Endowing و تمثل و بشكل متقارب شكلا من أشكال حبس رأس المال الموقوف عن الاستثمار المباشر و تدويره بشكل يدر عائدات مالية تكفي لتغطية تكاليف الإدارة و لتحقيق الهدف المنصوص عليه دون تحقيق أرباح استثمارية. فالوقف بالمفهوم القانوني العام هو تسخير مبلغ من المال لتحقيق هدف اجتماعي معين ينص عليه الواقف وغالبا ما يقوم على الرغبة باستدامة تحقيق هذا الهدف للأبد أو لأطول فترة ممكنة. 

منذ بداية العصر الحديث ومع خروج الكنيسة من دائرة السلطة السياسية خرج الوقف في العالم الغربي عن طابعه الديني واكتسب صفة الحداثة وارتبط تأسيسه بمفاهيم مؤسساتية بما في ذلك الإدارة والاستثمار ويعد اليوم بشكل لا شك فيه أحد أهم مكونات ما يدعى في بعض الاقتصادات الغربية بالقطاع الثالث (وهو القطاع الغير ربحي الى جانب القطاع الحكومي والقطاع الخاص) وبالتالي حاملا لا غنى عنه من حوامل الاقتصاد في تلك الدول.  فيما ما زالت الأوقاف في كثير من دول العالم العربي تتسم ليس فقط بالتقليدية والمراوحة في المكان وإنما تم تفريغها من محتواها الاجتماعي وفقدت أثرها الإيجابي على المجتمع والاقتصاد على حد سواء. فإلى جانب ضعف التقنين القانوني الذي من دوره حماية هذه المؤسسة وكيانها القانوني من سوء الإدارة، وتأمين البيئة الملائمة لتطويرها بما يخدم حاجة المجتمع ومتطلباته المتغيرة مع تغير الزمن والظروف السياسية وحتى الطبيعية، تفتقد معظم الأوقاف القديمة لصكوك تأسيسها ما جعلها عرضة للنهب من شتى الجهات سواء ان كانوا افرادا ام ممثلين لجهات حكومية. اضافة الى الاعراض عن التأسيس إثر فقدان الصلة المباشرة بين المؤسس والوقف الذي اضحى بشكله الحالي نوعا من أنواع التبرع للدولة بالمال الموقوف ليس الا!

 تعد مساعي الدول لضم القطاع الغير ربحي لسيطرتها او تقييد حريته بشكل من الاشكال ليست بالجديدة. فهي بسبب الثقل المادي الذي تتمتع به والمفهوم الحيوي الاجتماعي الذي تمثله للأفراد كانت ومازالت مؤهلة لتكون مراكز قرار وسلطة منافسة لسلطة الدولة في القطاع المدني. وقد يأتي التقييد بعدة أشكال كتقييد حرية المؤسس مثلا في اختيار الشكل القانوني للمؤسسة الناشئة او تقييد في اختيار آلية تحقيق الهدف او إدارة رأس مال مؤسسته او عن طريق تشديد رقابة الجهات الحكومية عليها بشكل يؤثر في أدائها او يسمح بالتدخل في اتخاذ القرارات الداخلية بما يتماشى مع سياسة معينة للدولة. قد يصل التقييد الى إلغاء تام لنوع معين منها ومنع تأسيسها بالمطلق. نجد في فرنسا وسوريا مثالا على ذلك حيث منع المرسوم التشريعي رقم ٧٦الصادر في عام ١٩٤٩ تأسيس ما يدعى بالوقف الذري او وقف العائلة. مثل هذه المحاولات باءت في نهايات القرن الماضي في ألمانيا بعد جهد كبير بالفشل وبقي الوقف في ألمانيا محافظا على أشكاله المتعددة واستقلاليته المطلقة عن سلطة الدولة. 

يتمتع الوقف في ألمانيا بحرية واستقلالية يعتبرها الباحثون الألمان رغم تقدمها وازدهارها (٥٧٦ وقف جديد في عام ٢٠١٩) ما زالت في طور التحديث “المستمر”. من حيث الطبيعة القانونية نجد أن المؤسس سواء كان شخصا طبيعيا او مدنيا يملك حرية الاختيار بين شكلين  اما ان يؤسس وقفا مستقلا selbständige Stiftung  يمثل شخصا قانونيا مستقلا تعود له ملكية رأس المال المنقول إليه بالتأسيس ( المال التأسيسي /المال الموقوف) الذي تتم إدارته من قبل مجلس حسب آلية الإدارة التي يرتئيها المؤسس او وقفا غير مستقلunselbständige Stiftung  وهو يدار من قبل الوكيل او النائب ولا يتمتع بالشخصية القانونية وبذلك لا يمتلك الأموال المنقولة اليه وانما الوكيل او النائب الذي يقع عليه عبء فصل هذا المال عن ماله الخاص وإدارته  بما يتفق مع رغبة المؤسس لتحقيق الهدف النهائي الذي تم تكريس المال له. و باعتبار ان الوقف المستقل هو شخص قانوني فهو يتمتع بكل ما يتمتع به الشخص الطبيعي من حريات منصوص عليها في الدستور بما فيها حرية وهو ما لا ينكره المشرع السوري أيضا على الوقف، اذ ينص في المادة ٥٤ رقم ٣ والمادة ٥٥ رقم ١من القانون المدني بأن الوقف هو شخص اعتباري أي قانوني ويتمتع بالذمة المالية المستقلة و له نائب يعبر عن ادارته. 

بالنظر الى هدف التأسيس يملك المؤسس الألماني اختيار واحد من عدة اشكال منها الشخصية او الغيرية. فالشخصية كالوقف العائلي ويعود الريع لتقديم ميزات مادية كالمبالغ مالية أو فكرية كالمنح الدراسية مثلا لأفراد عائلته جيلا بعد جيل حسب شروط معينة.  غالبا ما يرتبط هذا النوع من الوقف بتأسيس شركة تدير المال الموقوف لتحقيق هدف المؤسس. أما الأوقاف الخيرية فهي تهدف كما تم ذكره الى تحقيق هدف اجتماعي معين يحدده المؤسس في عقد التأسيس. إضافة إلى ذلك هنالك أشكال أخرى ظهرت مع ازدياد الاهتمام بالوقف كوقف المواطنين Bürgerstiftung  او ما يدعى وقف المواطن لأجل المواطن، حيث تقوم إدارة منطقة معينة (وهم جماعة من أبناء المنطقة) بتأسيس وقف لخدمة أبناء المنطقة ذاتها. مثال: تمتلك مدينة Würzburg الباڤارية تراسات كرمة قامت بوقفها، إذ يتم صناعة النبيذ منها وبيعه ليعود ريع الإنتاج الى صالح خدمات المدينة من طرق ومكتبات وملاعب أطفال و تجهيزات مدرسية… الخ. 

تملك الدولة ككيان قانوني الحق أيضا بتأسيس الأوقاف وهو ما يسمى بالوقف العام لكن بموجب مراسيم خاصة بإنشاء هذا النوع من المؤسسات بعيدا عن مواد القانون المدني الذي ينظم مؤسسات الأفراد. يعد الوقف الذي تؤسسه الدولة كشخص معنوي من وجهة نظر الكثيرين أحد أهم أنواع الوقف الموجود على الإطلاق، ذلك ليس لكثرة عددها أو انتشارها أو ثقلها المالي وانما لأنها تشكل مثالا على قدرة الدولة على الحفاظ على الحد الفاصل الذي يفصل بين المال العام ومال الأفراد. اذ ان الدولة تستطيع أن تثبت فعاليتها في المجتمع المدني وتكرس المال وتديره بطريقة غير تقليدية لتحقق أيضا أهدافا مجتمعية دون التدخل التعسفي في فضاء حرية الأفراد الشخصية وأموالهم الخاصة. 

ما سبق ذكره من تكريس حرية الفرد المؤسس وحرية إدارة المال وتسمية الهدف لا يتجسد في آلية عمل وزارة الأوقاف الإسلامية وادارتها للأوقاف السورية. فمن يرغب ان يؤسس وقفا في سوريا يقوم بنقل المال الموقوف منقول او غير منقول في السجل العقاري في المنطقة المراد إنشاء الوقف الى اسم إدارة الأوقاف في المنطقة ذاتها اما عن طريق التبرع المباشر بوجود ممثل عن الإدارة في مقر السجل العقاري وتوقيعه على الإجراء القانوني أو عن طريق وصية تسجل لدى كاتب العدل ويتم في هذه الحالة تسجيل الأموال الموقوفة باسم إدارة الأوقاف في السجل العقاري بحكم محكمة. يمنع القانون السوري المؤسس جهارة من تسمية هدفه ولا يحق له تسمية نائب لإدارة الأموال. وكذلك لا يلزم القانون وزارة الأوقاف باحترام رغبة المؤسس، باعتبار أن الوزارة بحسب المرسوم التشريعي رقم ٢٠٤ لعام ١٩٧١ هي القيم الأول على إدارة الأوقاف عن طريق شخص الوزير الذي يكلف من يرتئيه للوكالة عنه بهذه المهمة بما فيه مصلحة المسلمين. أي ان الوقف لا يسمح بتحقيق أهداف مجتمعية غير دينية. في ظل امتداد التعصب الديني وحاجة المواطن الماسة لأبسط الخدمات ولإصلاح وإعادة تأهيل ما تم تدميره من بنية تحتية خلال عقد من الزمن و هوما لم تعد تتحمل الدولة تكاليفه في ظل الحصار المطبق، تبدو اعمال بناء وترميم المساجد و الكتاتيب و معاهد الدراسات الإسلامية هزلية الى حد كبير. فكيف لشعب ان يقاسي الامرين وهو يمتلك كما ينص القانون الناظم لوزارة الأوقاف أموالا طائلة تمتد على طول البلاد وعرضها! ولا تخرج الأوقاف المسيحية في سوريا أيضا عن الإطار الديني فهي كانت وما زالت ملكا للكنيسة التي يتبع لها المؤسس وتدار بقانون خاص ينظم توزيع ريع الأوقاف بما يرتئيه القانون ذاته. 

إن تحديد أسباب تراجع قطاع المؤسسات الغير ربحية عامة والأوقاف خاصة كغيره من القطاعات المؤسساتية في سوريا يحتاج الى الدراسات العميقة والإحصائيات التي تعمل كمؤشر لتحديد جودة عمل جهة الإدارة والرقابة والجهات المشرفة. كما يفتقر الى طرائق الإدارة الاحترافية الخاصة بالقطاع الغير ربحي والتي تختلف اختلافا كبيرا عن الإدارة الاستثمارية وعن إدارة مؤسسات الدولة. هذا القطاع يعد اليوم بأمس الحاجة الى إعادة تقييم ودراسات تحليلية جمة لتحديد مواضع الضعف والعمل عليها وعلى تبني قانون يحمي الوقف كمؤسسة مستقلة باعتبارها أحد أهم حوامل القطاع الغير ربحي وحفظ ما تبقى من الوقف كقيمة تاريخية واجتماعية لا يمكن استبدالها بقيمة أخرى. 

/ Zina Naser

  1. Borgolte (Hrsg.), Stiftungen in Christentum, Judentum und Islam vor der Moderne, 2009, S. 11.
  2. Genz/ Heine (Hrsg.), Solidarität und ziviles Engagement, (2010), S. 11.
  3. Hense/Schulte (Hrsg.), Kirchliches Stiftungswesen und Stiftungsrecht im Wandel.
  4. تؤكد المادة ١٠٠٣الفقرة ١ من القانون المدني السوري، لا يجوز إنشاء الوقف إلا لجهة خيرية 

making change towords inclusive societies.

Making Change towards Inclusive Societies: The Soft
Power of Community Archaeology in Building
Cultural Heritage in Mozan, Syria

Yara Moualla and Gayle McPherson *
School of Media, Culture and Society, University of the West of Scotland, Glasgow G72 0LH, UK

  • Correspondence: gayle.mcpherson@uws.ac.uk
  • Received: 2 June 2019; Accepted: 21 August 2019; Published: 28 August 2019 at Journal Sustainability

Abstract: This paper investigates the soft power of community archaeology in transforming isolated
and diverse communities into a more inclusive society, by reviewing community archaeology as a
concept, and as a process, through the case of inclusive cultural heritage in Mozan, Syria. A theory of
change underpinned key interventions in Mozan to track shifts in the social behaviour of locals from
cultural isolation towards participation, partnership and inclusion, while investigating the process of
establishing understanding, acceptance and mutual trust within communities. The research adopted
an ethnographic study and used qualitative research methods. These relied primarily on direct
observations and open ended, semi-structured and in-depth interviews with local communities, an
archaeological mission and governmental and civic stakeholders involved in the area. The fieldwork
research was informed by conducting a review of literature on the impact of culture and heritage in
social contexts, social inclusion and cultural diplomacy. The paper demonstrates how the contribution
of community archaeology in soft power change has assisted personal and community empowerment
through inclusive cultural heritage on an individual level while strengthening social networks to
mobilise the impact on the community as a whole. It reveals how such a project enhanced dialogue,
increased awareness, and built and contributed to mutual understanding in order to support a shift in
the harder area of symbolic community thinking and attitude, against a backdrop of conflict, war and
isolation and builds the basis for inclusive cultural heritage tourism.
Keywords: community archaeology; inclusion; inclusive growth; soft power; cultural heritage;
cultural tourism; cultural diplomacy; Syria.

ذاكرة المستقبل

هناك أحد القواسم المشتركة بين ذاكرة الإنسان والذاكرة الشعبية، هو ذلك الأمر العجيب الذي يمنحهما القوة والصلابة والأمل والتصميم وغيرهم من الصفات التي نحن بأمس الحاجة لها بشكل يومي. ونحن دائما” نخلط بين الفاعل والمفعول في تشكيل ذاكرتنا تلك بشكل يجعلنا أحيانا” نسلم بالأمر الواقع ونترك عملية تطور ذاكرتنا (الشعبية أو الشخصية) أسيرة الزمن ومبادرات الأطراف الأكثر فاعلية في محيطنا. هنا يمكن لكل منا استذكار العديد من الأمثلة التي تؤكد هذه الخصوصية. 

من جهة أخرى، اليوم كما في كل حقبة انتقالية بين واقع وآخر يكون هناك تسارع كبير في ضياع الذاكرة والذكريات، والسبب الرئيس في ذلك هو سعي الأشخاص والمجتمعات الصغيرة نحو التغيير واستبدال الحاضر بالمستقبل.

أبحاث علوم الفضاء الزمني الحديثة تتحدث عن إمكانية تعرف الإنسانية على أبعاد زمنية ومكانية جديدة لم تكن معروفة من قبل. الأمر تطور إلى حد أن هذه الدراسات لم تعد نتاج التفكير الإبداعي للفيزيائيين والرياضيين إنما أصبح جزءا” من التجارب والأبحاث التطبيقية التي تستهلك موارد اقتصادية وبشرية متزايدة. السباق المعرفي في هذا المجال يستهدف بالدرجة الأولى التوصل لأشكال جديدة من الطاقة والإمكانيات مما يزيد في فرص النجاة في عالم غني بالعشوائيات والتناقضات.

في هذا السياق يجب علينا كسوريين البحث أيضا” عن مكان ومكانة قديرتين “تحت الشمس”. 

هناك أمثلة أيضا” من تاريخ الشعوب تتحدث عن إمكانية اختصار طرق الإنتاج العلمي والتطبيقي عبر حصر الموارد، نقل التطبيقات والتنوع بها، تمكنها خلال مدة زمنية وجيزة نسبيا” التقاط موجات التطوير وخلق نبضات اجتماعية واقتصادية تحدث موجات جديدة متميزة.

هنا أصل إلى دور النبضات الإجتماعية المبادرة التي يمكن لأي منا التركيز عليها على اعتبار أنها لا تستهلك أكثر من الإهتمام والوقت الشخصي. من الأسئلة الهامة التي تبحث عن إجابات محلية للشباب المسؤول وكل منفتح مثقف: ماهي ذاكرة الماضي التي ماتزال ذات أهمية لنا اليوم؟ ماهي ذاكرة الحاضر التي علينا احتضانها من أجل المستقبل؟ وكيف نجعل للمستقبل ذاكرة للمضي بنا في الحاضر؟

الإجابات على هذه الأسئلة يجب أن تكون عميقة تتغلغل في علم النفس والإجتماع المحلي لهذه المرحلة، وأن تكون انعكاسا” لأبعد حدود الإبداع في تقديم وإيصال المعلومة.

على سبيل المثال، يمكن لأحدنا المهتم باستعادة واستثمار التاريخ المنسي (والمجهول على الأغلب) أن ينتج أنواعاً من الميديا الثقافية الهادفة تصل الماضي بالحاضر والمستقبل عبر محطات أو قصص وفك ألغاز عجيبة ممتعة تسبح بأذهاننا وتسحر عقولنا لمدة من الزمن فتشغل أفكارنا وأعمالنا ونقاشاتنا واهتماماتنا لتنتقل بها إلى واقع آخر يعيش به أطفالنا، غير ذاك الذي يأتينا عبر الملايين من الشاشات الإلكترونية خلال العقدين الأخيرين.

كل عقد وأنتم بخير وإبداع وتفوق!

د.أحمد رامز قاسو

Dr.Ahmad Ramez Kassou

Recent Entries »