Author Archives: iNESIS

الطاقة الشمسية و الكهروضوئية


تُعدّ الطاقة الشمسية إحدى أنواع الطاقات المُنتجة لعصب الحياة (الكهرباء)، والتي شاعت تحت مُسمّى الطاقات البديلة لأشكال الطاقة التقليدية كالنفط والغاز، وفي بعض البلدان الطاقة النوويّة. لكن يختلف الأمر بالنسبة للبلدان النامية، حيث يصحّ تسمية هذه الأشكال الجديدة من الطاقة بالطاقة المُساعدة، ذلك أنّها غير قادرة بسبب الظروف الصعبة المحيطة، أن تكون بديلاً كاملاً عن النفط والغاز، على الأقل في المدى المنظور والمتوسط، هذا يُدلل على أهمية السير بهذا الطريق لخلق طاقات مُساعدة ومتنوّعة من أجل تقليص الاعتماد على مصادر لاتزال السبب في خوض حروب إقليميّة ودولية باهظة الكُلفة على مستهلك الطاقة الأخير، أي المواطن

عندما يتعلّق الأمر بالطاقة الشمسيّة، فإنّنا نرى توافر الفرص لأيّ دولة في ثلاثة مجالات رئيسيّة : حقول شمسيّة واسعة النطاق، تطبيق الطاقة الشمسيّة اللامركزيّة والعملاء من القطاع الخاص الذين يقومون بتركيب الألواح الشمسيّة على أسطح منازلهم. هناك طرقٌ مُختلفة لمساعدة المواطنين على هذا الانتقال إلى مشهد طاقة أكثر لامركزيّة و إتاحة الفرصة لإنتاج الكهرباء المُتجدّدة الخاصّة بهم

حقول شمسيّة واسعة النطاق

تتمثّل الفرصة الأولى في تطوير حقول كهروضوئيّة واسعة النطاق، خاصةً وأنّه يمكن الاستفادة من الوضع الحاليّ حيث تتوافر النيّة للقيام  بإعادة الإعمار، و تمكين البنيّة التحتيّة الحاليّة بما يتناسب و إيجاد  حقول كهروضوئيّة، من الأمثلة على ذلك حقول الطاقة الشمسيّة ٥ ميغا واط في مزرعة الرياح پارك ساينوغ في ويلز، والتي أصبحت  في عام 2017 جاهزة للعمل

مثال آخر هو تطوير حقول هارينغڤليت في هولندا، وهي حديقة هجينة للطاقة المُتجددة حيث يتّم تطوير ستة توربينات رياح وألواح شمسية وبطارية معاً، وربطها بالشبكة عبر نفس الوصلة، وقد تمّ تشغيل هذه الحقول المُختلطة للطاقة المُتجدّدة في عام 2020

مثال أخر من بولندا، حيث تمّ إنشاء طريق للدرّاجات الهوائيّة وغيرها، يعتمد على مبدأ تخزين الطاقة الشمسيّة وتحويلها لمصدر إنارة بلون أزرق ناعم خفيف وكافٍ لإنارة الطريق ل10 ساعات

إنتاج الطاقة اللامركزيّ

بالإضافة للاستثمار في الطاقة الشمسيّة على نطاق واسع، تستطيع الدول بمؤسساتها الخاصّة بإنتاج الطاقة، تسهيل إنتاج الطاقة اللامركزيّة على مستوى الاستهلاك للعملاء من الأفراد والشركات، الأمر الذي سيخلق خدمات طاقة جديدة حيث تُقدّم الدول حلولاً تلبي احتياجات العملاء وتُمكّنهم من إنتاج واستهلاك كهرباء عبر الخلايا الشمسية الخاصة بهم

العملاء ينتجون الكهرباء الخاصّة بهم

اعتماداً على الألواح المحليّة، ويمكن دمج أنظمة التخزين المنزليّة مع أنظمة الألواح الشمسيّة، الأمر الذي سيُقلّل من استخدام الكهرباء اعتماداً الشبكة بأكثر من 30٪ غالباً، ومن هنا أصبحت مؤسسات الدولة الخاصّة بإنتاج الطاقة في البلدان الأوربية لاعباً مُهمّاً في مجال مُساعدة عملائها المحلييّن على إنتاج الكهرباء المّتجدّدة الخاصّة بهم مباشرة من خلال أسطح منازلهم، وذلك عبر ارشادات و نصائح يتّبعونها لاختيار أنظمة الألواح الصحيحة

تنمية إنتاج الطاقة الشمسيّة

في عام 2017، تم تركيب ألواح تُنتج أكثر من 100 غيغا واط من الطاقة الشمسيّة حول العالم، حيث أصبح إنتاج الكهرباء يعتمد على  حصّة مُتزايدة من الطاقة الشمسيّة. و هذا أمر مُبَشِّر لإنّه يُشير إلى توافر خبرات و نتائج نستطيع الاستفادة منها عمليّاً لا نظريّاً فقط، وذلك عبر زيارات استطلاعيّة و بحثيّة لأماكن تواجد تلك التجارب مثلاً

كيف تُؤثر الطاقة الشمسيّة على البيئة ؟

ينشأ التأثير البيئي، بشكل أساسي، عند تصنيع الألواح الشمسيّة، فتشغيل محطات الطاقة الشمسيّة خالٍ من الانبعاثات، وبالتالي فإن إنتاج الألواح وزيادة الاعتماد على الطاقة المُتجدّدة سيؤدي إلى تأثير  أقل سلبيّة على البيئة، ولكن يوجد أيضاً استخدام للموارد أكثر كفاءة وعمليات إنتاج أكثر جودة، وكمثال على أسلوب و طريقة يعتمدها خبراء ناجحين في مجال إنتاج الطاقة الشمسية، قيامهم بدراسة وتحليل دورة الحياة، وذلك لمراقبة الجوانب والآثار البيئيّة للطاقة الشمسيّة، ما يمنحنا بيانات بيئيّة لكل من الأنظمة الكهروضوئيّة الحاليّة للاستخدام الخاص والمُتغيّرات واسعة النطاق

لذلك ينبغي على كلّ مؤسسة معنية بإنتاج الطاقة في أيّ دولة  أن تضع العديد من الشروط الصارمة لدى اختيار مُورّدي الألواح الشمسيّة والمُحوّلات. إن التشديد على المُطالبة بالجودة والديمومة هو أحد تلك الشروط، وينطبق الشيء نفسه على الظروف التجاريّة والقانونيّة. يجب على المُورّدين الامتثال لقواعد السلوك الأخلاقيّة الخاصّة والتي تضمنها الدولة لمواطنيها و شركاتها أيضاً

إنّ اعتماد الطاقة المُتجدّدة كمصدر لتوليد الطاقة على نطاق واسع، مطلوب لتحقيق هدف البيئة النظيفة، و تحقيقه يتطلب توافر مساحات واسعة، سواء على الأرض أو في البحر

تتناوب الألواح الشمسية وخطوط الزراعة – مثال من هولندا

– يتكوّن الحقل من صفوف من الألواح الشمسيّة تتخلّلها خطوط مزروعة بمحاصيل مختلفة ، تعتمد أسلوب الزراعة العضويّة، الأمر الذي يعني تركيب ألواح الشمسيّة بعدد أقل بكثير من المعتاد لكل هكتار ، كما تقول آن ماري شوتين ، رئيسة قسم تطوير الطاقة الشمسيّة في هولندا. نحن نستخدم الألواح الشمسيّة من كِلا الوجهين للتأكّد من الاستفادة الكاملة والكافية من مصدر الضوء . يلتقطون الضوء المُنعكس من التربة والمحاصيل والصفوف المُجاورة، ويستخدمونه لإنتاج الطاقة الشمسيّة، بالإضافة إلى ذلك، يتمّ تدوير الألواح بحيث تتبع أشعة الشمس، ما يؤدي إلى تعاظم الإنتاج. من المُتوقع أن تبلغ سعة الحقول 0.7 ميغا واط

تتبّع الشمس

خلال أربع سنوات من المشروع سيمبزون الهولندي المذكور اعلاه، تمّ تطوير خوارزميّة لتتبّع الطاقة الشمسيّة، وذلك من قبل منظمة الابتكار، والغرض من ذلك هو متابعة الإنتاج الزراعي وإنتاج الطاقة ودراسة تأثير خطوط الزراعة والتنبّؤات الجويّة ( التغيّرات المناخية ) وأسعار الطاقة وظروف التربة، وإذا أمكن، سيتمّ تحسين الخوارزميّات بالتعاون مع الشركة السويدية الوطنية لإنتاج الطاقة ڤاتينفال مع آيريس هوغيسكول 

بالإضافة إلى ذلك، تتمّ مراقبة تأثير نظام التتبّع الشمسيّ على المحاصيل والأمراض وقابلية استخدام المزارع من قبل آيريس هوغسكول، أكبر مزرعة عضويّة في هولندا، و هيموس، وهي مؤسّسة تعمل من أجل الانتقال إلى الزراعة التي تأخذ حماية البيئة في عين الاعتبار أكثر . يتمتّع الطرفان بخبرة واسعة، بالفعل، في مجال زراعة الخطوط

الطاقة الشمسيّة في مجال انتاج الوقود

حقّقت الصين ابتكاراً مُذهلاً وذلك بتحويل الطاقة الشمسيّة إلى وقود سائل، من خلال مشروع يُنتج منتجاً سائلًا يحتوي على 99.5٪ من الميثانول ، وفقًا للتلفزيون الصيني. النجاح،الذي تحقّق في يناير عام 2020 ، وحصل مُؤخرًا على تغطية الاعلامية، هو المحاولة الأولى، على النطاق العالمي،  للتجميع المباشر للوقود الشمسيّ. وقال التقرير، نقلاً عن خبراء، أنّ المشروع، إذا تمّ تشغيله بكامل طاقته، يُمكنه إنتاج 1500 طن من الميثانول سنويّاً، وأنّه يستهلك 2000 طن من ثاني أُكسيد الكربون ويُولّد 15 مليون كيلوواط / ساعي من الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسيّة

والجدير بالذكر أنّ الطاقة الإنتاجيّة السنويّة للميثانول ، تبلغ في الصين حوالي 80 مليون طن، وفي عام 2019، شكّلت انبعاثات ثاني أُكسيد الكربون من الصين  29 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية.  إذا تمّ استخدام الوقود الشمسيّ لتصنيع الميثانول، فيُمكن تقليل انبعاثات مئات الملايين من الأطنان من ثاني أكسيد الكربون كل عام

بعد هذه الجولة السريعة والبسيطة حول العالم، والتي تناولت مجال تطوير استخدام الطاقة الشمسيّة، يهمّنا كفريق آينيسيس أنّ نُشدّد على أهمية حوكمة الدولة لهذا القطاع، و تعاونها مع القطاع الخاص بحيث تُقدّم للمواطنين أفضل الأنظمة، و تمنع  توريد الألواح الرديئة

فعندما تحتكم الدولة إلى القانون في مجال إنتاج الطاقة، تستطيع  تقديم الخيارات الأفضل للسوق الوطنيّة، و تعطي الخيارات الصحيحة للمواطن،  مما يُعزّز الثقة بين الحكومة و المواطن، ويمنع السوق الفاسدة من خداع المواطن و هدرالمال العام،  بالإضافة لحماية المستهلك

هذا ويجب التنويه إلى أن الخبراء في مجال الطاقات المتجددة يتضاربون بآرائهم حول جدوى الإنتقال المباشر والسريع من استخدامات أنواع الطاقة التقليدية إلى الطاقات المتجددة على اعتبار أن الثانية تستخدم الأولى في دورتها الإنتاجية (تصنيع البطاريات، والألواح وغير ذلك من المواد التي يجب تصنيعها بالمعامل والتقنيات المعهودة). هذا يعني أن الجدوى البيئية قد تكون غير مثبتة بشكل كامل وعلى المدى الطويل

دمتم و دامت سوريا بكلّ خير

الفريق المُؤسّس لآينيسيس

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

ماذا عن المهارة السورية بالنفخ في الزجاج؟

قد انتابتني السعادة وغمرني شعور بالفخر كسورية عندما قرأت في عدة مجلات علمية خاصة بصناعة الزجاج السويدي، ذلك أن موطن حرفة صناعة الزجاج الأول هو سوريا. وهو ما شجعني للقيام برحلة سياحية لمنطقة مشهورة بمعامل صناعة الحرف اليدوية للزجاج على الطريقة السورية الأولى (النفخ في الزجاج)، في مقاطعة سمولاند. في سمولاند، المجتمع الذي بُنيت فيه هذه الحرفة و توسعت اكتسبت إسم مملكة الزجاج، فيها أقدم معمل لصناعة الزجاج في السويد “كوستابودا” ولا تزال تستخدم الطريقة الحرفية اليدوية الأولى. المنطقة واسعة تقع في جنوب وسط السويد غنية بالبحيرات و رمالها و غاباتها التي استغلت منذ القدم لصناعة الزجاج كما قام سكانها على استغلال الطبيعة و شلالات المياه فيها لتوليد الطاقة للمعامل فيها

فكرة بناء معمل صناعة الزجاج بالنفخ تبلورت في عام 1736.. بعد استكمال شروط البناء و الموافقات نشأ أول مصنع في السويد عام 1742.  تستمر هذه الصناعة حتى يومنا هذا بالتوسع  و يصل عدد زوارها الى مليون زائر سنوياً فقط في فصل الصيف. عند زيارتك للمنطقة التي يقع فيها المعمل تستطيع زيارة المعمل الأول وفيه قسم يعد كمتحف لاولي الادوات و المكاتب التي تم استخدامها و للزجاج المصنوع.  تستطيع زيارته دون آجر.ولمن يرغب من الزوار بمعرفة أعمق  يستطيع حجز موعد مخصص  لجولة معرفية حيّة داخل المعمل مقابل دفع أجر بسيط.  يرافقك في الجولة مرشد/ة سياحية تتلو عليك معلومات غنية عن تاريخ المعمل و طريقة عملهم، بينما أنت تستمتع أثناءها في مشاهدة حية لصنع قطعة زجاجية من بداية  مراحلها وحتى نهايتها ( انظر الى الصور المرفقة) .  في قسم أخر تستطيع أيضاً حجز موعد خاص لك مقابل أجر لتتعلّم قليلاً مبادئ الحرفة و تجرّب بنفسك يوماً أو يومين صنع الزجاج كنوع من الاستجمام و صناعة الفن و ربما تتشجع على دخول مدرسة مهنية لتتعلم الحرفة فعلاً.  و لمَ  لا؟!  ففي السويد يوجد ثانوية لتعليم حرفة صناعة الزجاج و فنّه.. تستطيع أيضاً حجز ساعة مقابل أجر لصنع قطعة زجاجية تحت إشراف و مساعدة أحد الحرفيين و تنفخ زجاجتك بنفسك و تشكل الشكل الذي يروق لك لتأخذ لاحقاً قطعتك الفنية التي صنعتها كذكرى من هذه الزيارة.. كنت ارى العائلات و الأطفال خاصة يستمتعون في هذه المشاركة وأعلم أن الأجور التي دفعوها تدعم الحرفة و نقابة الحرفيين و تسعد الزوار لتقرّبهم من منتجات بلدهم للحفاظ على إرثهم الوطني.. وإلى نفس المساحة الجغرافية في سمولاند  تستطيع الدخول دون أجر لمشاهدة غاليري يُقام فيها على الدوام عروض اعمال فنية لفناني الزجاج السويدين

في نفس المنطقة و التي كانت مجتمع وقرية صغيرة و بسيطة تحوّلت الى اجمل مكان سياحي يكتظ بالأفكار الجميلة التي تستثمر المكان لدعم الحرفة. فهناك محلات لبيع الزجاج بأسعار منافسة  لباقي الأسواق في المدن السويدية وهناك سفاري بالقرب منها تقصده العائلات التي تود  ترفيه أطفالها و التعرّف على حيوانات الغابة عن قرب في نفس وقت زيارة معامل الزجاج و هناك هوتيل كل مافيه من الزجاج و كأنك تسكن في غرف زجاجية و إقامته مميزة و جميلة. إضافة إلى محلات أخرى افتتحت لتعرض منتجاتها بأرخص من باقي المدن، كعامل جذب للزوار الذين سيشترون منتج المنطقة بسعر أقل من بقية الأسواق مما يوفّر على الزائر و تمنحه مكسب أكبر من خلال زيارته للمعمل

تحدثنا المقالات المعرفية كما  شرحت أيضاً لنا المرشدة السياحية هناك، أنه أثناء الثورة الصناعية و دخول معامل اوتوماتيكية لصناعة الزجاج تراجعت الحرفة صناعة الزجاج، كما غيرها من الحرف التي تتطلب جهداً و وقتاً للصناعة. فكان الزجاج الصناعي أرخص. هذا دفع نقابة الحرفيين بالتعاون مع الدولة على ايجاد افكار ابتكارية لدعم الحرفة واستمرارها لتنافس الصناعي. فجلبوا فنانين مشهورين من بلدهم و أعطوهم مهمة خلق أساليب جديدة لتقوية هذه الحرفة فقام هؤلاء الفنانون بوضع رسمهم على الزجاج و توقيعهم وخلق أشكال و صناعات تدخل في منتجات جديدة مما ساعد على خلق لهفة عند الشعب لاقتناء هذه المنتجات و منها ما أصبح سعره مقبولاً لاقتنائه  في منزل سويدي بسيط 

طوال زيارتي هناك سكنني تساؤل تلقائي عن وضع هذه الحرفة في بلدي الأم  وكيفية انتشارها و الدعم القائم لها. خاصة ان ذاكرتي عنها لا تحمل الا صور الزجاج المنتشر في الأسواق من الصناعة المستوردة أو الخزفيات التي تُعرَض في اماكن الخمس نجوم التي يرتادها السياح، وقد يقتنون منها ربما قطعة زجاجية سورية للذكرى، فسارعت عند عودتي لقراءة و معرفة المزيد عن هذه الحرفة في سوريا! ا

صدمت  عندما علمت أنه لا توجد في سوريا الا عائلة واحد من ثلاث إخوة  تعمل في مشغلها القائم في أطراف دمشق الشرقية، في خان الزجاج. عائلة الحلاق هي العائلة الوحيدة التي بقيت تتوارث  هذه المهنة وهي  تصارع اليوم لبقائها بالرغم أن أطفالهم يرفضون تعلمها، فهي لم تعد مجدية مادياً

صحيح أن الحرب على سوريا دفعت هذه المهنة للتراجع لعدم توفّرالطلبات الكافية. و لكن الحقيقة ايضاً أن هذه الحرفة أُهملت تماما حتى قبل الحرب ولم تتلقِ الدعم الكافي الذي يضمن استمرارها او تنشيطها و توسعها.. هناك الكثير من التصريحات التي نقرأها في الصحف السورية المحلية أو من تصريحات المسؤولين في وزارة الصناعة خلال فترة الحرب واليوم تتحدث عن اهتمام  الحكومة بدعم الصناعة و الحرف اليدوية و لكن بالرغم من كل هذه التصريحات لم تلمس  صناعة الزجاج التقليدي أي دعم او تطوير ولا حتى الآلي الذي أصبح الآن  يطالب الوزارة في تسهيل عملية استيراد الزجاج للصناعة.. أتوقف هنا و أتساءل أين تذهب نفايات الزجاج إن لا تُستثمر في إعادة تدويرها و تساهم في صناعة الزجاج؟ و ماذا  ينقص بلد كسوريا لإحياء صناعة الزجاج الحرفية و استثمار الخبرات السورية لتزدهر هذه الحرفة و تنافس الزجاج العالمي مجدداً، و تنشط السياحة الداخلية والخارجية للقدوم الى ورشات الزجاج كما السويد؟

و عند سؤال السيد “طلال معلا”، وهو الفنان التشكيلي والباحث في الجماليات، اضافة الى نجاحه في تسجيل تراث مسرح الظل في منظمة اليونيسكو باسم سوريا بدعم من الأمانة السورية للتنمية، عن حال هذه الحرفة و كيفية توثيقها و الحفاظ عليها كما فعلو مع مسرح الظلّ، أضاف: حاولت كثيراً الالتفات لدعم صناعة الزجاج اليدوي بإعادة تشغيل أفران التكية السليمانية وتم وضع مخططات لمشروع متكامل للتشغيل لكامل المنطقة بما فيها الصناعات الزجاجية اليدوية لكن عوامل كثيرة حالت دون تحقيق المشروع ليست الحرب اولها ولا التشريعات آخرها.  لقد هجر المهنيون مواقعهم للعمل في لبنان (صيدا) ومواقع أخرى لعدم وجود سوق لبيع المنتجات في سوريا مع توقف الحركة السياحية وبفعل الحصار الاقتصادي … الخ

القصة تمتد لمحاولات إيجاد قوانين تحمي الحرفيين، وخاصة المهن التراثية والثقافية، وقد أنجزنا جزءاً هاماً  فيها لكنها لم تعتمد لعدم صدور قانون التراث الثقافي الجديد الذي عملنا عليه لسنوات

و لهذا تتراكب فان عوامل كثيرة في عمليات صون هذه المهن والحرف التقليدية وقد اشرت أنتِ الى ان الامر يحتاج الى توثيق و تسجيل الحرفة في اليونيسكو كما قمنا به في خيال الظل، فالعملية متكاملة لنقل المهنة من جيل الى جيل بأسلوب معاصر وضرورة دعم المتدربين لايجاد محترفاتهم من جهة، وتحقيق اسواق لمنتجاتهم التي لابد ان تأخذ لمسات عصرية

أن تنمية جزئية لموارد التراث الثقافي الوطني لاتكون ناجعة إلا في إطار سياسة ثقافية واضحة تركز على استثمار التراث الثقافي دون الإخلال بأصالته وقيمته الإنسانية والمجتمعية، فحرفة الزجاج اليدوي مرتبطة بمجاوراتها من الحرف والمهن الثقافية واذا كان قد تم تحويل اساليب استثمار الزجاج اليدوي من مكمل جمالي وثقافي واجتماعي الى كماليات تزيينية، فإن ذلك يقتضي التعمق في دراسة الموقع التنموي الذي يمكن ان تشغله هذه الحرفة على المستوى الإبداعي وضرورة الربط بينها وبين مهن صاعدة ومؤثرة كالتصميم الفني والمعماري وسواهما من مجالات استخدام المتج وابتكار أسواق معاصرة داخل البلاد وخارجها.. كما ان الربط بينها وبين حرف تزيينية أخرى يجري استخدامها في الديكورات كالعجمي والتصديف والمحفورات الخشبية وسواها من الحرف التراثية التي تعاني هي الأخرى من الهجرة والنزوح، ستشكل النظرة الرشيدة للسياسة الثقافية التي يمكن أن  توليها وزارة الثقافة طريقاً مهماً لاقتراح صون هذه المهن التراثية وطنياً قبل وصولها الى الصون العاجل في اليونسكو أو سواها

أصل صناعة الزجاج

في البداية تم استخدامه للزخرفة و للأعمال الفنية. و وفقاً لما دوّنه المؤرخ الروماني القديم، بليني الأكبر، فإن التجار الفينيقيين إكتشفوا مرّة عندما رست سفينة لهم محملة بالنيتروم على الشاطئ السوري وقاموا باستخدام كتل النيتروم لدعم أواني الطعام أثناء طهي طعامهم و إشعال النار من تحتها. دمجت النار النيتروم بالرمال و تدفق سائل شفاف تحوّل الى زجاج عندما برد

تقول مصادر أخرى أن مصر آيضاً دولة أخرى اشتهرت فيها صناعة الزجاج في وقت مبكر، يُعتقد أنّ أقدم جسم زجاجي تمّ إنشاؤه حوالي (3500) قبل الميلاد في مصر وشرق بلاد ما بين النهرين، أقدم عينات الزجاج من مصر وتعود إلى (2000) قبل الميلاد، في عام 1500 قبل الميلاد، كانت الصناعة راسخة في مصر، بعد 1200 قبل الميلاد تعلّم المصريون ضغط الزجاج في قوالب.

في القرن الأول الميلادي اكتشف السوريون أن الزجاج يمكن تشكيله بالنفخ في أنبوب نفخ زجاجي مجوف. مما ينتج عنه بهذه الطريقة كميات كبيرة من الزجاج الشفاف

 بما أن سوريا كانت تنتمي آنذاك إلى الإمبراطورية الرومانية،  انتشر فن نفخ الزجاج أيضاً من خلالها في أوروبا.  تم استخدام الزجاج في أهم المباني في روما وفي الفيلات الفاخرة في بومبي.  حتى العصور الوسطى، كان الزجاج يستخدم بشكل رئيسي في الكنائس والقصور.  في وقت لاحق ، تم استخدام النوافذ الزجاجية أيضًا في المباني العامة والنزل والمنازل التابعة للمواطنين الأثرياء

بقلم السيدة: فاديا رستم

تدقيق لغوي: أميمة ابراهيم

التواصل اللاعنفي

التواصل اللاعنفي، لغة تساعدنا على الاتصال بأنفسنا وبالآخرين لفهم كل منا الآخر، ونكتشف الطرق التي نستطيع بطبيعية وبطيب خاطر أن نساهم بها برفاه كل واحد منا

يرتكز التواصل اللاعنفي على عدة ركائز ومنه

 ٠ كل الناس يرغبون بالحصول على إشباع لحاجاتهم

٠ البشر يلبون الاحتياجات من خلال العلاقات المتبادلة، نحن نبني علاقات طيبة عندما نحقق هذه الحاجات من خلال التعاون وليس من خلال السلوك العدواني

٠ كل إنسان لديه موارد جديرة بالتقدير (قدرات، كفاءات)، تتجلى لنا عندما نتواصل معها من خلال التعاطف

٠ وراء كل سلوك حاجة وجميع الإجراءات هي محاولات لتلبية الاحتياجات

٠ كل حاجة تفيد الحياه

٠ لا توجد حاجات سلبية

٠ كل البشر لديهم القدرة على التعاطف

٠ البشر يتمتعون بالعطاء

٠ البشر يتغيرون

٠ الاختيار داخلي

٠ الطريق الأكثر مباشرة إلى السلام هو من خلال التواصل مع الذات

يهدف التواصل اللاعنفي إلى

١- بناء علاقات مشبعة (باعثة على الرضا) والحفاظ عليها

٢- إشباع حاجاتنا من دون إلحاق الأذى

٣- تغيير التواصل المؤلم وقلب الصراعات

يعتمد هذا المنهج ننعلى مكونات أربعة

الملاحظة: في البداية نحن نلاحظ ما يحدث فعلياً في الموقف: ما يحدث في داخلنا/ما نقوله أو نفعله/ ما يقوله أو يفعله الآخرون

الشعور أو الإحساس: نميز هنا بين المشاعر والأحاسيس من جهة والأفكار أو المعتقدات من جهة أخرى. الشعور أو الاحساس بالوقت الراهن، الخطوة الثانية نحن نعبر عن ماذا أشعر أو ماذا أحس في الوقت الراهن وليست أفكار

الحاجات: تتوضح أهمية الحاجات انطلاقاُ من ركائز أساسية في التواصل اللاعنفي مثل

الطلب: إن أهم ما يساعدنا على التمييز بين الطلب والتطلب، هو انفتاحنا على سماع ال “لا” على ما نطلبه، عندما تأتي “اللا” منالطرف الاخر وتكون انفعالاتنا عالية جداً بعد سماعها، هذا يعني أن هذا تطلب وليس طلب انساني

يوظف التواصل اللاعنفي في ثلاثة مناحي، هي التعبير عن الذات، الإصغاء التعاطفي، والتعاطف مع الذات. في سعي لإحياء ما فينا، وإثراء الحياة

بقلم الدكتور: سليمان كاسوحة

التنمّر

التنمّر.. لماذا الآن؟

التنمر! قد يبدو مصطلحاً جديداً بدأ يظهر في السنوات الأخيرة وخصوصاُ في وسائل التواصل الإجتماعي، هذا صحيح نسبيّاً، فالظهور الأول له وبالعربية خارج النطاقات الاكاديمية والعلمية تأخر حتى سنوات قليلة مضت، ما عدا بعض الاستشهادات الأدبيّة في روايات وقصص مختلفة

إلا أنّ أفعال التنمر والممارسات التي تصنّف ضمنه اليوم ليست بجديدة أبداً، على العكس في كثير من الأحيان يتم التعامل معها كنتاج ثقافي شعبي متراكم وكإرث يجب تناقله. قد نجد مفاجأة غير سارّة لنا بأنّ كثير من الأمثال الشعبية والحكايات القصيرة التي نمارس بها التربية والتثقيف أحياناً ونتداولها كخلاصات لأحاديثنا اليومية تندرج بشكل رئيسي تحت تصنيفات التنمر اللفظي، والأخطر أنها لاتكتفي بذلك بل تذهب لتنمّر ثقافي ينشأ من تشكّل الصور النمطية حيث يضع جماعات أو شرائح من المواطنين ضمن قوالب نمطيّة مفترضة سيصعب تغييرها في المستقبل بالنسبة لمن تلقوها في الصغر لسنينٍ طويلة وبدت وكأنها تجارب ثمينة لاينبغي نقاشها أو تضييعها

جاءت وسائل التواصل الإجتماعي بكل المميزات التي أعطتنا إياها بفضيحة كبيرة لثقافاتنا المتراكمة لتضعنا أمام الجميع وتضع الجميع أمامنا، نتواصل مع الآلاف، نبدي إعجاباً أو استهزاءاً بهم وبأفكارهم، لباسهم، طريقة عيشهم وكلامهم وفهمهم للأمور، ولمّا ترافق هذا الانفتاح وهذه الفرص مع الإضطرابات المختلفة التي تحيط بنا، فإنه وبدلاً من استثمار هذه الوسائل لنقترب ونتعرّف ونفهم بعضنا البعض فإننا استخدمناها – في كثير من الأحيان – لنؤكد الهويات الفرعيّة ونكرّس الفوارق الإجتماعية والطبقية

لم نكتفي بذلك, بل خلقنا طبقات جديدة لنحدد بها أنفسنا، وخلقنا مجتمعات افتراضية مليئة بالإلغاء والإستقطاب والتقوقع، فبدت حساباتنا مزخرفة جميلة نضع عليها أفضلصورنا الشخصية وأحلاها ونترك العنان لأفكارنا ورواسبنا المليئة بالإلغائية والتنمّر والاستهزاء لتكون منشوارت وصفحات تصل للملايين اليوم، وفي كلّ يوم تزداد حجماً ونزداد كمستخدمين تعوّداً عليها، وبالطبع لانعمم هُنا

في بدايات دخولنا لوسائل التواصل الإجتماعي في سورية اصطدمنا بصفحات سمّيت كمجّلات تنشر صوراً لأشخاص من فئات إجتماعية سوريّة مختلفة، وتعلّق على تسريحات شعرهم وألوان ملابسهم المتنوعة، كما لاتمتنع عن التعليق على وضعيات التصوير التي أخذوها وهم بالمناسبة لم يسمحوا لأحد بمشاركتها أصلاً، انتشرت هذه الصفحاتو تحوّلت إلى موجة ضمّت عشرات الصفحات التي بدأت بنشر صور من حفلات زفاف خاصّة مثلاً وقامت بتطبيق بعض مقاطع الفيديو مع أغاني محليّة بقصد الإستهزاء

في ذلك الوقت وقبل 10 سنوات تقريباً لم يكن من الممكن استخدام الأدوات التي بين أيدينا اليوم، ولم يكن لدينا الوعي الكافي ربّما لتصنيف هذه الممارسات أو على الأقل تسميتها باسمها كظاهرة يجب إنهائها، كان مدى التفاعل يقتصر على مستخدمي وسائل التواصل القلّة، في سنوات لاحقة أصبح أغلب الناس ضحايا وفي نفس الوقت مرتكبين لهذه الأفعال بقصد وبلا قصد.

وهذا ما يجيب عن سؤالنا لماذا الآن؟

اليوم وأكثر من أيّ وقت مضى نتورط بشكل تلقائي في أفعال وتعليقات وممارسات يتمّ تصنيفها تنمّراً، على تنوّع خلفياتنا الثقافيّة و طبقاتنا الإجتماعية وتقدمنا الدراسي، نحن ضحايا ومرتكبين، فنحن ننجرُّ كثيراً مع الموجات على وسائل التواصل الإجتماعي، وما أكثرها

على الأكيد أنّ كثير مننا يمارس المراقبة الذاتية لتحركاته في وسائل التواصل ويحاول ضبطها، لكننا في كثير من الأحيان نقع في أفخاخ متعددة تبدأ بابتسامة وقد لاتنتهي بشائعات تُشعل حروباً افتراضيّة وتوقظ فتناً كبيرة، في حين أنّ الآلاف ممن تستهدفهم هذه الممارسات قد لاينامون بالفعل إلا وعيونهم تدمع وثقتهم بأنفسهم تهتز، كيف لايحدث ذلك والملايين وفي لحظة مزاح يتحولون لمتنمّرين بضغطة زرّ واحدة؟

تتزايد أعداد ضحايا التنمّر في مجتمعاتنا يوماً بعد الآخر، ولا أسهل على أي مننا من تعداد شخصيات اشتُهرت أسبوعيّاً على وسائل التواصل الإجتماعي فكانت حديث الناس وموضع استهزائهم وطرائفهم الغير لطيفة والتي تُبكي فعلاً ولا تُضحكُ إلا المتنمّرين فقط

يسعى كتيّب “هل تعرّضت للتنمّر؟” ليكون محاولة فهم وهي بالتأكيد غير مكتملة، مراجعة ذاتيّة قبل أن تكون عامّة، نجرّب فيها التعرّف أكثر على التنمّر وتحديد أشكاله وتبيين البيئات التي ينتشر فيها، نتشارك بعض آليات التعامل مع المتنمّرين وأفعالهم ونجرّب تبيين الفرق بينه وبين الممارسات المشابهة كما نذهب إلى القانون السوري ونجرّب المرور على بعض النصوص القانونية التي تجرّم هذه الأفعال، كما نقترح بعض التحركات المفيدة للمهتمين بتخفيف هذه الظاهرة وإنهائها وفق أدوار متعددة مقترحة

و هذا العمل هو عمل مفتوح للتطوير دوماً، ولهذا تركنا عدّة صفحات فارغة في نهايته لتسجّلوا فيها خبراتكم وملاحظاتكم في مواجهة موضوعات التنمّر فلا تبخلوا بتدويناتكم وإضافاتكم والتي يمكن مشاركتها مع فريق “البعبع” في أي وقت و بشكل مستمر، فهذا العمل لن ينتهي بصفحات وإنهاء هذه الظاهرة مسؤوليّتنا جميعاً

بقلم السيد: وسيم السخلة

مقدمة كُتيّب: هل تعرّضت للتنمّر؟

.يمكن تحميله من الرابط أدناه

https://drive.google.com/file/d/1DZTy74TUnv1r3yaAP2tUxfUWh42zs5_p/view?usp=sharing

عبور في غير زمانه

امرأة قبل سن الزواج…
جميلة ..رشيقة ..كبر جسدها بسرعة وباتت تبدو أكبر من عمرها ..بدأ الجميع يمتعون مسامعها بجمالها ..حتى باتت تشعر بما يثيره جمالها في داخلهم
صارت تتقن التفنن في اللباس ولعل بعض الماكياج يشعل جمالها أكثر … كلما حاولت ان تبرز مفاتنها بادرتها والدتها بالنصح هذا اللباس لايليق بعمرك ..بدأت تتأفف من تلك النصائح وأصبحت تطمح بالخروج من دائرة الوالدة وتدّخلها بمسيرتها وكان الحل بحسب تفكيرها هوالزواج
لم تعارض فكرة الزواج رغم صغرها ..تقدم شاب لخطبتها فرفضته لأنه فقير والثاني تركته بعد أن لبست خاتم الخطبة بسبب قلة جاذبيته ولم يعطها الحب الذي تنتظره ..هكذا عندما تقدم رجل ثري في عقده الثالث لخطبتها ..وافق الأهل وشجعوها لأنهم كانوا قد أدركوا عدم رغبتها بالدراسة
تزوجت بحفل لم يرقى لطموحها وهي التي تقايض عمرها ببعض المغريات
أنجبت ..فلم تدرك كنه الأمومة لأنها حقيقة لم تكن أكثر من طفلة تجرب الهروب من المسؤوليات
كبرت ابنتها فاختلطت مشاعرها تجاهها ..تريدها أن تكون متميزة لكن ليس لديها القدرة على
نربيتها وتأهيلها للتميز ..حين كانت ابنتها تلعب كانت هي تنام لتشبع رغبات عمر المراهقة ..وحين بدأت ابنتها تحتاج لوقت أكبر للاهتمام بدراستها ..كانت هي تريد أن تملئ الجانب الفارغ في حياتها وراحت تكمل الدراسة التي فاتتها في الوقت الذي كانت تحتاج الابنة رعاية أمها . . كانت الطفلة ذكية اعتمدت على نفسها في دراستها وصار الابن الأصغر يقضي وقته في بيت الجدة .. استمر الأمر على هذه الحال ..لا الابنة أخذت حقها من الأمومة ولا الابن كان يعرف الفرق بين الجدة والأم ..ولا الرجل نال حقه منها كزوجة يحتاج إلى دفئها وحرارة لقاءها أو حتى اهتمامها
لم تكن مستعدة لتدفع من ذاتها إلا ضمن بعض المقايضات …لم تكمل الأم تعليمها لأنها ملت الدخول بمنافسات ..لكنها وجدت نفسها تتخبط ..فلا الابنة تسمح لها بدور النصح لأنها لم تكن حاضرة في يومياتها حين عاشت طفولتها بلا أم تشاركها ألعابها أو دروسها ..ولا الابن يستشيرها ..لأنها لم تجس حرارته حين كان يريد ان يرى رفاقه أمه الجميلة قربه بينما هو يقضي وقته برفقة جدته المتعبة من أثقال الحياة
أرادت أن تفرح بهم لكن لم يكن حضورها مهم في يومياتهم التي عاشوها دون رصيد لها …أرادت أن تتباهى بنجاح ابنتها وابنها الذي كبر دون أن تلحظ التغييرات التي عبر بها فوجدته فجأة شاب وسيم تحلم به أغلب الفتيات ..أرادت أن ترافقه هي التي لم تأخذ فرصتها بالأحلام أو بالمراهقة أو الدراسة ..أن يصبح رفيقها ..لكنها أدركت عدم رغبته بحضورها الآن بحياته ..بعد أن اعتاد أن تكون جدته هي مخبأ أسراره ومنطلق أحلامه.
استعجلت العبور بين المراحل ففقدت متعة العيش بملذات كل مرحلة …شعرت بوحدة قاتلة تلفها ..لاشيء يجعلها تغرف من السعادة وتستقي بمايرويها ..ذهبت إلى حضن أمها يوما ..وأفضت لها بمخزون سنين من الضياع
كان البكاء صراخا يعاتب السنين بحرقة تشابه الرغبة بالخروج من العاصفة

بقلم المهندسة و الفنانة نيللي مرجانة

التماثيل منحوتات من أعمال الفنانة نيللي مرجانة

إنتِ من وين؟؟

مع كل مرة كُنت أُسأل هذا السؤال اتذكر سكيتش غنائي لفيروز في مسرحية جبل الصوان تقول فيه فيروز

بيضلوا يسألوك إنت شو إسمك؟

بتقلن إسمي فلان

ما فيك تكون بلا إسم

بيضلوا يسألوك إنت منين؟

بدك تقول منين

ما فيك تكون مش من مطرح

كانت هذه الأغنية تراودني و أبتسم مفاخرة بالجواب

!أنا من سوريا

بتُّ أدرك تماماً ما يرمون إليه عبر سؤالهم هذا، وأتقصّد من خلال جوابي، لفت انتباههم و إمهالهم، لبرهة من الوقت، ليفكروا بما أقول

نعم من سوريا! فلست أنتمي لقرية، قبيلة، أو مدينة، ولا حتى مدينة أبي، لأنّ لي أمّاً أفتخر بوجودها ككيان هام و أصيل ساهم مع أبي في تكويني، بل ربما لها الفضل الأكبر في ذلك، فأنا أنثى مثلها

فما الذي يدعوني للتعصّب لنسب أبي وطرح نسبها جانباً ؟ و لماذا أتعصّب لانتماء والديَّ و تأثير المدارس و المدن التي عشت فيها عليّ، كان أعظم من تأثير أهلي ؟

لم أتعمق يوماً ولم يشغلني هاجس السؤال الذي دأب السويديّون على طرحه عليّ، منذ بدأت غربتي بعمر صغير (١٩ عام) : من أين أنتِ؟ فالجواب كان سهلاً جداً وبديهياً إنّني من سوريا.. و هل هناك أجمل من جواب ينطلق تلقائياً بكل سلاسة دون حاجة للتفكير فيه، أنا لست من السويد إنّما أنا من سوريا

 بعد إنقضاء بضع سنوات في الغربة، بدأ بعض شعور بالغرابة بالتسلّل إلى نفسي خلال زياراتي للوطن، بدأت ألحظ استغراب البعض من بساطة واختلاف ملبسي، أو من سذاجة أسئلتي -حسب رأيهم- ، حين يبادرني سائلاً : من وين إنتِ؟ 

و كأنّها محاولة لتنبيهي إلى أنّني لا أنتمي إلى هنا …أيّا كان ما يقصده ب “هنا”، فكان الأمر يلتبس عليّ وأبدأ بالتشكّك… ؟ 

هل بت ّلا أنتمي لسوريا حقّاً ؟ 

وهل بدأ أثر البلد الآخر بالظهور عليّ، بشكل  أشدّ  وضوحاً، من أثر سوريتي! ؟ 

عندما كنت أسأل أصدقائي في السويد ذات السؤال، كانت الإجابة تأتي، غالباً، ذاكرة المدينة التي وُلِدوا أو تلك التي عاشوا فيها طفولتهم.. حتى ولو كان أهلهم موُلِدين في مدينة غيرها

عندما انتقلت مع طفلتي الأولى الى مدينة أخرى، وذلك لمباشرة العمل بأولى وظائفي الثابتة، كان زملاء طفلتي الجدد في المدرسة، يتعرفون على بعضهم البعض و يسأل كلٌّ منهم الآخر من أين أنت ؟ كان كل طفل يذكر اسم مدينته التي وُلِد فيها، و يتمازحون قائلين ( واضح من اللهجة ) مُلقين الدعابات حول لهجات بعضهم.. لم يسألها طفل من أين أنتِ أصلاً، بسبب لونها أو شكلها الذي يشي بأنّها ليست سويدية، لم يسألها أحد أو يهتمّ بأصل أبويها، لم يهتموا لنسبها لأنهم أبرياء التفكير و السريرة، و هذا ما يعمل الأهل على الحفاظ عليه تحديداً، وذلك منعاً من خلق حالة تفكّك في المجتمع. فالصديقة الجديدة هي كما هي إنسانة لها هويتها الخاصّة، و ستنضمّ إلى ذات المدرسة و تأخذ نفس الدروس، و هذا مايهمّهم .

توارت آثار السؤال الغريب إيّاه مع استقراري في المكان، وازدياد الوعيّ المدعوم بالتقدم في السّن … واستمر ذلك  لفترة طويلة، ولم أكد أرفل في نعيم الاعتقاد بأنّ المراحل الهادئة للتأمّل و التعمّق في الحياة قد حانت، حتي بدأت الحرب في سوريا، وحَملت إليّنا فيما حَملَت، صغائر لم يكن في الحسبان أنّها جديرة بالتعمّق بالتفكير، خاصّة بظروف الحرب العصيبة من تدمير وتشرّد وتيه وضياع انتماء

وعاد ذاك السؤال ليُطرح عليّ من جديد، لكن هذه المرّة، كان مطروحاً من السوريّين أنفسهم

 من وين إنتِ ؟ و كنت أجيبهم كالعادة، أنا من سوريا، وفي خضمّ إعادتهم لطرح السؤال، مع إصرارهم على استحصال بعض التفاصيل أو الكثير منها، عبر عبارات من نوع : منعرف إنّك من سوريا قصدي أبوكي من وين ؟ أصلك أصلك من وين؟ شو خايفة ندبحك إذا عرفنا إنتِ من وين؟ ماحدا رح يوصلّك إنتِ بالسويد ؟ جزعتُ

فقد تكشّف لي أنّ الكثير من الخوف، بات يُسيطرعلى حياة أبناء بلدي حتى وهم خارج حدوده، وأنّ ما عانوه في هذه الحرب البغيضة، التي ارتدت أثواب كل الحروب التي خيضت على مرّ التاريخ، قد لا يزول بسهولة، ولست أُنكر أنّ التاريخ قد حمّل هذه المنطقة ما لا تُطيق من بطش الحروب وصنٌاعها.. فكانت ذاكرة التاريخ الأسود تُعيد نقل ذات المشاهد في كل حرب، ناشرة الخوف ذاته 

ومع تيقُّني وعلمي بكل هذا… إلّا أنّني، وفي لحظة إجابتي عن السؤال حول انتمائي، كنت أطرد عتمة التاريخ من رأسي و أُجيب بما يتماشى مع قناعاتي و مبادئي، وقد يكون مردّ ذلك محاولتي الحثيثة دعوة السائل للتفكير خارج الصندوق .. إيّاكم والانصياع لضيق الأفق، الذي حُمِلتُم عليه بحكم كل ما يُحيط بتلك البقعة، ودعوا الإرث الأسود ليندثر.. تعلّموا الانفتاح على الحياة والمستقبل جميعاً، وتشبّثوا بما يُغني عقولكم وأرواحكم

تعلّمت، في سنيّ غربتي، كيف أصنع نفسي وأُعيد صياغة هويتي …. من   دراستي، إلى المجتمعات المختلفة التي عِشت فيها فأثّرت بي وأثّرت بها كذلك، فقراءاتي و اختلاطي بجنسيات وقوميات عديدة ومختلفة، وصولاً إلى عملي و خبراتي، تربيتي لأطفالي ….إلخ

هويتي أنا من يصنعُها، و ثقافتي هي هويتي

لا أعلم أين ومتى تحديداً، بدأت بعض الثقافات بربط هوية الطفل وتقيّيدها بهوية الأب

هويتي مطبوعة بأثر ذاكرتي وذكرياتها التي لا تُمحى، تلك التي أحملها معي أيّنما ذهبت وحيثما أقمت … فأنا أنتمي لمكان ولادتي و للنسيم المُحمّل بعبق الياسمين الدمشقيّ الذي تنشقته في بيتنا الشاميّ العتيق ؟ 

و أنتمي إلى حلب القلب التي نشأت و ترعرعت فيها، وكان لها الأثر الأكبر في تكوين شخصيتي حيث المجتمع الذي احتضن نشأتي، إذ غالبا ما يكون لذلك المجتمع الأثر الأكبر على الإنسان و تكوين هويته، وفقاً لعلماء الاجتماع

كلّنا يعلم أنّ لكلّ مدينة سوريّة خصائصها التي تسم بها أولادها بالإضافة إلى اللهجة

أنا لا لهجة محدّدة لي، أنا مزيج  سوريّ بامتياز .. والدي -الذي أُقدّس-حملت طباعه الكثير من طباع أبناء ساحلنا، وعاش، بحكم عمله ، مُتنقّلاً بين مختلف مدن سوريا، حيث اكتسب من خصال أهلها ما أحبّ وترك ما لم يتوافق وهواه، و أُميّ المولودة في زحلة، و التي عاشت بين حمص و حلب، ثمّ تنقّلت مع أبي وحلّت حيثما حلّ ..  ذلك التنوّع كان ما يُوجّهني منذ البداية، ومنه بدأت أتعلّم كيف يمكن للإنسان  أن يصنع هويته الخاصّة به دون الإلتصاق بجغرافيا منطقة مُعيّنة. فالإنسان نتاج مراحل عدّة و يحمل الوفاء و الإخلاص لكلّ بقعة عاش فيها، يُشبه في ذلك الأُمّ التي تُكِنّ الحبّ لجميع أطفالها بالتساوي غير قادرة على  تفضيل أحدهم على الآخر، فكلّهم أجزاء منها و تنتمي لهم مجتمعين، نضجت معهم وأصبحت  ماهي عليه بفضلهم جميعاً،  في سرّها فقط،  تعي حقيقة أن أحدهم يًشبهها إلى حدٍّ كبير، فلا تجعله الأثير عندها وإنّما تفخر بهذا التقارب والشبه … كما أفخر أنا، في جهري و في سرّي، بأنّ حلب هي طفلي الذي يُشبهني 

هويّتي هو ما حملته معي من عطرٍ سوريٍّ مُكثّف من كلّ مدينةٍ أحببتُها، و مزجّته بالمجتمع الجميل الذي كبرت فيه و اكتسبت أجمل خِصاله ..وما زلت اكتسب العطر وأنثره في محيطي يوماً إثر يوم ….! أليس أجمل جواب يُمكن أن يُقال بعد كل هذا الشرح أنّني ..من بلد الشبابيك المزروعة بالحبّ المفتوحة عالصدفة، من بلد الحكايات المحكيّة عالمجد المبنيّة عالإلفة ..بأنغام الرحابنة و شدوِّ فيروز ؟

هذه هي هويّتي

بقلم فاديا رستم

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم

اللوحات المرفقة ادناه للفنانة و المعلمة سلام برهوم

مبادئ و أدوات التطوير الإبتكاري و الإبداع الموجه-الجزء الثاني

تحدثنا في الجزء الأول عن أنماط منهجيّات التَّطوير بشكل عام، وعن المبادىء الرئيّسية لمنهجيّة التّطوير الإبتكاري والإبداع المُوجّّّه (سنسميها مجازاً “الإنوڤاتية “) بشكل خاصّ

نُتابع في هذا الجزء الكشف عن وسائل العمل بها، عبر استعراض أنواع المشاريع وخارطة الطريق لتنفيذها. لكن قبل هذا وذاك من الجدير اولاً الفصل بين خمس درجات أو مستويات للنتاج الفكري وذلك لصعوبة المسائل التي يمكن تناولها

   المستوى الأول – الحلول الظاهرية : حلول بسيطة لمسائل مُتكرّرة بطرق تقليديّة. 30% تقريباً من المجموع العام

  المستوى الثاني – التحسينات الثانوية : تصحيحات ثانوية لنظم موجودة باستخدام طُرق مُعتمدة في مجالات ما. 45% من المجموع العام

  المستوى الثالث – التحسينات الرئيسية : تحسينات رئيسية تمّ التوصّل إليها عبر حل التناقضات في أنظمة تقنية أو إدارية. 20% من المجموع العام

  المستوى الرابع – الحلول الجديدة: حلول اعتُمد في استخدامها على مبادىء علمية جديدة. حوالي 4% من المجموع العام
  المستوى الخامس – الإكتشافات : حلول ابتكاريّة أساسها اكتشافات علمية لم تكن معروفة من قبل. أقل من 1% من المجموع العام

تّحدّد هذه التصنيفات مدى الإمكانيات البشرية في مجال استخدام طُرق التحليل الإبتكارية (تتراوح على الأغلب بين المستويات 2-3-4). في يومنا هذا، تنبثق عملية الإنتاج الفكري من منطق تنفيذ مشاريع التطوير، بينما تتوزّع طرق وأدوات التحليل  بين مراحل تنفيذ هذه المشاريع. و كلما انتقلت من مستوى الى أخر تطلّب الامر معرفة اكبر وآليات ذهنية استثنائية. لهذا يجب فهم أنواع المشاريع الإنوڤاتية وخارطة الطريق المعتمدة فيها:

مشاريع حل المشكلات وإزالة العيوب

مشاريع تقليص التكلفة

مشاريع تقنية التوقعات

مشاريع الاستراتيجيات الإبتكارية

وغيرها…

تنفيذ أي نوع من هذه المشاريع يخضع لعملية تخطيط مسبق لطرق التحليل التي يتوجّب استخدامها، وتتوزع على مراحل دورة حياة المشروع، والتي تتألف بشكل عام من

مرحلة التحضير وجمع المُعطيات: في هذه المرحلة يجب تكوين صورة متكاملة عن دواعي وغايات طرح المسألة والمشروع. من خلالها يقوم المنفذون بسبر المعلومات المبدئية المرتبطة بالأطراف المعنية (Stakeholders) بنتائج تنفيذ المشروع. ولهذا الغرض، يجب تحضير واستخدام نماذج استبيان واستطلاع متخصصة بكل نوع من أنواع المشاريع، ومن المهم أن تتحقق في هذا العمل عوامل المصداقية والموضوعية  لأن تدقيق خارطة الطريق وأدوات المشروع الإنوڤاتي جزء لا يتجزأ من التنفيذ

يمكننا هنا استخدام عدد من أدوات جمع المعطيات وتحليلها، منها تحليل MPV والذي يعني تحصيل القيم الرئيسة للعوامل و المؤشرات المدروسة أثناء تطوير المنتجات أو الخدمات. هذه القيم تترتب بتسلسل هرمي وتمتلك تفرعاتها أوزان معينة، و تصبح فيما بعد دليلاً وأساساً مشتركاً لمُنفذّي المشروع والأطراف المعنية بنتائجه. لفهم أفضل عن كيفية العمل بهذه وغيرها من الأدوات سنخصص مقالات قادمة أخرى تحكي عن أمثلة حية تم تناولها في مشاريع سابقة.

مرحلة الدراسة التحليلية: هذه مرحلة واسعة وعميقة هدفها الوصول لمفاتيح أو جذور المسائل، والتي قد تختلف عن صياغتها الأولية مع بداية المشروع، مما يعني إعادة النظر وتغيير زاوية فهم المشاكل أو العقبات القائمة أمام الأطراف المعنية. كما ذكرنا في الجزء الأول من هذا المقال، فإن هذا يُعدّ أحد المبادىء التي تقوم عليها منهجية التطوير الإبتكاري (أو الإنوڤاتية) التي تمنح بعداً ومساحة جديدين في استخراج الحلول وتجاوز العوائق، كما يميز هذا النوع من مشاريع التطوير عن غيره. صياغة المشكلة بشكلها الصحيح كما نعلم، يعني قطع أكثر من نصف الطريق لحلّها

عدد كبير نسبياً من أدوات التحليل مُتاح أمام مُنفّذي  المشروع في هذه المرحلة وترتيب استخدامها يحدد الإختلاف الحقيقي بين أنواع المشاريع أعلاه، سنقوم بذكر بعض هذه الأدوات، تضم روابط تمكن القارىء من الإطلاع المفصل عليها

صياغة التناقضات الإدارية،،التقنية، الفيزيائية –

Contradictions formulation

تحليل مسببات العيوب

Cause-effect chains analysis

التحليل الوظيفي للنظم

Function modeling

تحليل التوجهات  –

Trends of evolution analysis

تحليل التيارات

Flows analysis

تحليل الموارد

Resources analysis

وغيرها…

3- مرحلة استخراج الحلول: تتبع أدواتها للنتائج التي تم التوصل إليها في المرحلة السابقة، ما يعني الإستخدام النوعي لأي من طرق استخراج الحلول بما يتناسب مع صياغة جذور المسائل. في أغلب الأحيان، يتم استخراج اتجاهات الحلول التي تولد الأفكار والتي تتحول بدورها  إلى صياغة حلول مدروسة وتفصيلية. الدراسة والتفصيل هنا، تعني صياغة المشاكل والعقبات الثانوية وحلها أيضاً، دون ترك مصيرها مجهولا” في أيدي الأطراف المعنية. مدى دراستها وتفصيلها يحدد مدى نجاحها في المرحلة القادمة. من هذه الأدوات نذكر

حل التناقضات

Contradictions solving

البحث الوظيفي

Function-oriented search

مقارنة الأنظمة والنقل التقني –

Benchmarking and Feature transfer

المشغل النظمي

System operator

وغيرها…

مرحلة تنفيذ الحلول: تتسم هذه المرحلة أيضاً بالإستبيانات المتخصصة عن آليات وجودة تنفيذ النتائج من تحاليل وحلول المراحل السابقة. يمكن أيضاًهنا تفعيل مشاريع أخرى قصيرة ومتعددة في إطار المشروع الأكبر. هذه المشاريع القصيرة تركز على دورة حياة التعامل مع المسائل الثانوية التي لا تقل أهميةً بالنسبة للأطراف المعنية

بهذا نكون قد استعرضنا بشكل سريع ومكثف أهم سمات المشاريع الإنوڤاتية وأدواتها، الأمر الذي يتيح للقارىء تشكيل انطباع مُبَسَّط مبسط عن مضمون أنشطة التطوير الإبتكاري والإبداع الموجه. لكن من أجل تفعيل الأدوار والإمكانيات في هذا الإتجاه، يجب ممارسة كل من أدوات التحليل المذكورة والتنقل بين المشاريع بأنواعها. لهذه الغاية، سيتمّ التّحضير لدورات تدريبيّة أونلاين من خلال مجموعة آينيسيس و كتابة مقالات تخصّصيّة لنقل هذه المعرفة واكتساب مهاراتها

i-NESIS

بقلم: الدكتور أحمد رامز قاسو

تدقيق لغوي: الأستاذة أميمة إبراهيم

ظاهرة مانديلا


.تأثير  ظاهرة مانديلا  تجعلنا نتساءل حتى عن أكثر الذكريات دنيوية من الماضي 

في يونيو 2019، جُعِلَ من ظاهرة مانديلا موضوعَ لغزِ الكلمات المتقاطعة الشهير في نيويورك تايمز وعُرِّفَت على أنها “تحسين حديث

 للذاكرة الخاطئة التي تشير عادةً إلى ثقافة البوب (ثقافة البوب لا تعني هنا الثقافة الشعبيّة، إنما نقصد  المواد الترفيهيّة التي تحظى بشعبيّة عالميّة)  أو مراجع الأحداث الحالية”. تم تسميت الظاهرة هذه من قبل الباحثة فيونا بروم وهي تتذكر شيئاً لا يتطابق مع السجلات التاريخية

“Febreeze” على سبيل المثال، الأشياء التي تستخدمها لجعل رائحة منزلك منعشة ليست

 أحبت بروم فكرة أن تأثير ظاهرة مانديلا، أو حتى  الآخرين الذين يزعمون أنهم يتذكرون بوضوح أحداثاً أو تفاصيل مختلفة، يمكن أن تكون دليلًا على أننا موجودون في حقائق بديلة. لسنا متأكدين تماماً من أن هذه هي الحقيقة، لكن هذه المقارنات بين الاعتقاد السائد والواقع قد تجعل فكوكنا تصطدم بالأرض أثناء الكتابة. هناك ٤٠ مثالاً مشهوراَ على هذه الظاهرة تستطيع الإطلاع عليهم هنا 

من أين أتت تسمية هذه الظاهرة؟ 

توفي نيلسون مانديلا، الذي سميت هذه النظرية باسمه، في 2013

ومع ذلك، يتذكر عدد لا يحصى من الناس بوضوح وفاته في السجن في الثمانينيات. لكن موته ليس المثال الوحيد لتأثير مانديلا. لقد كنا مخطئين بشأن الكثير من التواريخ والتفاصيل والمزيد استمر في اللحظات الأكثر شيوعاً في التاريخ

‎الحياة مثل علبة من الشوكولا

‎ليس ما قاله فورست غامب (الذي لعب دوره الممثل توم هانكس المذهل) بعيداً عن هذه الظاهرةً في الواقع

 “إذا استمعت عن كثب لجملته سوف تسمعه يقول، “كانت الحياة مثل علبة شوكولاته

بينما الجميع يتذكر و يردد قوله كالتالي : الحياة علبة شوكولاته

الذاكرة المخزّنة تخدعك 

 يمكنك استرجاع ذكرى من دماغك، لكن الوقت والتذكر غير المتكرر يمكن أن يجعلك تعيد الذكريات معًا بطريقة مختلفة قليلاً حيث لا يكون تذكرك لحدث ما تصويراً دقيقاً

 كيف يمكنك التعرف على ذكرى زائفة؟

 لن نكذب – من الصعب حقاً التعرف على ذكرى زائفة.  عادةً ما تكون الطريقة الوحيدة لمعرفة أن ذاكرتك خاطئة أو حقيقية هي دعم قصتكبأشخاص آخرين أو بأبحاث

 إذا كنت تتذكر قولاً معيناً، فيمكنك البحث عنه من موقع أو مواقع موثوقة، أو محاولة تأكيده مع الآخرين

أيضاً، قد تؤثر قدرات الأشخاص عبر الإنترنت على تغيير الصور والشعارات والأقوال على استرجاعك للعنصر الأصلي

 إحدى مشاكل إثبات قصة ما مع الآخرين هي أن الناس يميلون إلى تأكيد ما يعتقده الآخرون أنه صحيح

تجميع الذكريات الزائفة

هناك أمثلة لعدة أشخاص مختلفين يتشاركون ذات الذاكرة غير الصحيحة. تمت تسمية هذا التأثير كما ذكرنا أعلاه مِن قبل فيونا بروم، حيثوصفت بالتفصيل كيف تذكرت وفاة نيلسون مانديلا في السجن في الثمانينيات، قبل فترة طويلة من انتخابه رئيساً لجنوب إفريقيا في عام1994. قالت إنها تتذكر كيف انتهت الوفاة في وسائل الإعلام وكيف ألقت أرملته ويني مانديلا خطاباً فيما يتعلق بجنازته. الشيء الفريد هو أن الأشخاص الآخرين الذين سمعوا عن نسخة بروم وافقوا وقالوا إنهم تذكروا نفس الشيء بالضبط

‎الكون البديل

  بعض المجموعات  والتي لديها ميل للتصوف وتصديق الظواهر الخارقة،فسّـرت  هذه الذكريات ايضا وفق هذه النظرية حيث لا يمكن

 .أن تكون مصادفة

  إن تأثير مانديلا ماهو في الحقيقة الا بسبب وجودِ أكوانٍ موازية مختلفة حيث مات مانديلا بالفعل في السجن، و أنه كان للقرد نيك (لقباً) كيوريوس في الواقع ذيل وما إلى ذلك، وأن الحقائق من هذه الأكوان أحياناً “تتسرب” إلى وعينا

‎على ماذا تعتمد؟

. ‎الخطأ ويمكن تفسيره بسهولة تامة بظواهر مثل الذكريات المكبوتة والتشاؤم ‎الحقيقة أكثر واقعية، أي أن الناس غالباً ما يتذكرون 

 لكن لماذا يتشارك الكثير من الناس ذكريات خاطئة متطابقة؟ إذا تجاهلنا حقيقة أن الذكريات ليست “متطابقة” كما يُزعم،   فيمكن للمرء أن يجد أسباباً طبيعية للارتباك إذا نظر المرء إلى كل حالة على حدة

 توفي مقاتل من أجل الحرية من جنوب إفريقيا يُدعى ستيف بيكو في حجز الشرطة عام 1977

 .وربما خلطه الكثيرون مع مانديلا ، الذي جعل بيكو نموذجاً يحتذى به

‎هذه التفسيرات أكثر عقلانية بكثير مما نحصل عليه من نبضات الذاكرة من الأكوان المتوازية على الرغم من أنها ليست خيالية ومذهلة للتفكير

ونحن في مجتمعاتنا العربية قد مرّت ذاكرتنا حتماً بهذا النوع من المغالطات الناتجة عن تأثير مانديلا دون أن نعيَ ذلك،   او لم نضع يوما ما اعتقدناه حقيقة خالصة موضع تساؤل او شك.  وقد آثرنا في شبكتنا عدم تعداد أمثلة خشية أن نحرف المقال في اتجاه واحد فقط لكن وببعضٍ من التفكير سيظهر لكل منا مغالطة معينة تنبه لها الآن فقط. لا نستطيع اكتشاف ذلك إلا إذا تساءلنا وسألنا من حولنا عن أصل مانعتقد أنه حقيقة. فشاركونا اعتقاداتكم ومعرفتكم علنا نتوصل معاً إلى امثلة مشتركة

إعداد و ترجمة فريق آينيسيس
تدقيق لغوي روكسانا سيمونيه

مبادىء وأدوات التطوير الإبتكاري والإبداع الموجه – الجزء الأول

أعلى مراتب النشاط الفكري للإنسان في حياته اليومية هي الإبداع والإبتكار. في الماضي كانت هذه المرتبة حكراً على المواهب والعباقرة الذين دخلوا التاريخ بتميزهم. في أيامنا هذه أصبحت العملية الإبتكارية والإبداعية بمتناول اليد (في بعض الحالات تحتكرها الشركات) بفضل بروز منهجيات متخصصة يتم التدريب عليها وممارستها المنظمة من قبل موظفين اعتياديين، قيمة عملهم ما ينتجونه من قيم ابداعية وحلول مبتكرة للعملاء، وموهبتهم ما يبذلونه من جهد في تعلم وتطبيق أساليب ومبادىء العمل الإبتكاري التي استخرجت في القرن الماضي وتدرجت من منهجيات تطوير تقليدية إلى طرق ومنهجيات تطوير ابتكارية

المنهجيّات المتوافرة حالياً في عمليات تحديث الإنتاج الفكري والمادي، غنيّة بطرق جمع المُعطيات وتحليلها وتقديم الأفكار والحلول. على الأطراف المعنيّة بتجاوز العقبات والمشاكل على أنواعها أن تهتم بهذا النوع المعرفي فتستخدم الأفضل والأنسب ضمن عملية التطوير اليوميّة في مختلف المجالات. تتنوّع هذه المنهجيات و تتعدد خصائصها، سنستعرض بشكل سريع بعضاً منها لندخل إلى تفاصيل العمل بأهمها، المبادىء والأدوات التي يتم تداولها بشكل مُكثّف في عصرنا هذا

التراكم المعرفي والممارسة والخبرة الانتاجيّة والإداريّة  في مناح متنوعة، تقنيّة، تكنولوجية، إدارة الموارد، إضافة إلى تفكيك وحل المُعضلات التي تواكب باستمرار تقدم الحضارة الإنسانية، أدّى إلى تشكيل عدد من منهجيات التطوير

Lean Manufacturing

تم تأسيسها في شركة تويوتا، وانتشرت بشكل واسع، وتعددت أسماء مشتقاتها في العديد من الدول والشركات. كانت الغاية الأساسية من استخدامها التخلّص من العيوب التي تؤدّي إلى هدر للموارد خلال العمليات الإنتاجية في المعامل والشركات التي تنظم عملياتها الإنتاجية والإدارية المتسمة بدوريّة وتعدّد مراحلها ومستوياتها. تتألّف هذه المنهجيّة من أدوات حساب وتقييم العيوب وأنوع الهدر ثم تقوم بقياس وتقييم القرارات والحلول التي يتم تنفيذها. هناك غايات أخرى موازية، مثلا تحقيق ظروف إنتاجية آمنة ونظيفة. يمكن للمهتمين التوسع بالقراءة بخصوص بهذا الموضوع

Six Sigma 

تتخصص بتحسين نوعية إدارة الأعمال، والتخلص من المشاكل والعيوب عبر طرق إحصائية تراقب وتحدد التشوه والإنحراف الكميّ عن المعايير المطلوبة. تم تأسيسها من قبل شركة موتورولا، ثم تم اعتماد استراتيجيتها لاحقاً من قبل  شركة جنرال إلكتريك ، وبعدها نالت انتشاراًً واسعاً. كأي منهجية أخرى تقسم عملها لمراحل وأدوات، يمكن التعرف عليها أيضاً بشكل مفصّل في مصادر عدة على الشبكة

وهناك منهجيات من نوع آخر، ترتبط بشكل مباشر بالإنتاج الفكري المتميز (الإبتكاري والمبدع)، حيث انتقل مركز ثقلها من نطاق شخصيات موهوبة وعبقرية إلى مجموعات خبيرة ضمن شركات أو هيئات تنظم وتدير هذه العملية عبر استخدام مبادىء وأدوات تحليل العيوب والمسائل، ومن ثم حلها بطرق غير تقليدية. لعلّ أبرز هذه المنهجيات من حيث الشمولية والنوعية والكم المعرفي التي تتطلبها هي منهجية التريز

 TRIZ

التي استُخلصت ومورست لسنوات طويلة في الإتحاد السوفييتي، ثم انتقلت في العقود الثلاث الأخيرة إلى العالم الغربي وانتشرت بشكل واسع في معظم الشركات العملاقة في جميع القارات. يجدر الذكر أن هناك طرق منهجية أخرى اشتقت منها وأيضاً تعددت مسمياتها لخدمة أهداف ومجالات استخدام مختلفة. سندخل بتفاصيل أكبرعنها نظراً لأهمية دورها وطاقاتها الكامنة للمختصين المحليين في سوريا

منهجية التريز هي نظام معرفي نظري وتطبيقي لحل المسائل المعقدة والإبتكارية والتي يصعُب تحقيقها من خلال الأدوات والطرق التقليديّة المتاحة. طبعاً مسألة التعرف على ماهية المسائل والمشاكل الإبتكارية هو أمر في غاية الأهمية قبل الإنخراط في أي عملية تحليل ودراسة بواسطة منهجية التريز، لهذا يجب تصنيف أي مسألة ثم إعادة صياغتها بما يتناسب مع استخدام هذه الأداة أو تلك. باعتبار أن أدوات التحليل في منهجية التريز تكوّنت من خلال تدارس عدد هائل من براءات الإختراع لاستخراج قوانين معرفية عن طرق تفكير المبتكر أو المبدع خلال تجاوزه للمعضلات، فإن اتباع خوارزميات العمل الفكري يمكن لها أن تتيح عملية الإبداع الموجه لأكبر عدد من الناس، دون انتظار لحصول معجزات ما أو انتظار لإلهام أو قدرات ذهنية خارقة. وهذا يعني بأنّه يكفي للمتدرب على هذه الأدوات أن يتقن بعض المبادىء والأدوات المعرفية التي ستجد تفاصيلها في هذا المقال، حتى يتوصل لنتائج مشابهة ومنافسة لما يقوم بها المخترع أو العبقري الموهوب. هذه الخصوصية يمكن لمسها من خلال تنفيذ المشاريع الإبتكارية والتي سنتحدث عنها لاحقاً أيضاً. لكن لنبدأ أولاً بالحديث عن ثلاث مبادىء أساسية تعد قواسماً مشتركة في عمل أدوات التحليل في التريز

المبدأ الأول : التعميم ثمّ التخصّص

 هذا المبدأ يقول أن هناك كماً هائلاً من المعرفة المنظّمة في كل مجال من مجالات الأنشطة الإنساني، حيث يمكن لنا الإستفادة من المعرفة في مجال ما في حلّ مسألة تخصصية في مجال آخر مختلف. وبالفعل، إذا تعمق أحدنا فسيجد أن تلك النُظم المعرفيّة والمعلومات (سواء من مجالات فيزيائية أو تقنية) مُتاحة للإسقاط المُتَجدّد والتطبيق والإنتقال بين مواضيع ومسائل من شتى العلوم كالبيولوجيا والفضاء والنمذجة البرمجية والفكرية وحتى الإجتماعية والأدبية والفنون وغيرها. يتم إغناء أدوات التحليل بالتريز بآليات الدمج المعرفي وقواعد بيانات عن الوظائف والخصائص والنظم في مجالات مُعيّنة بحيث تكون قابلة للنقل والتوظيف في مجالات أخرى. إحدى تلك الأدوات اسمها: تشكيل وحلّ التناقضات

 المبدأ الثاني : الوصول للمثاليّة

هناك حلول ضعيفة وحلول قوية. قوة الحلول ومُدّة صلاحياتها تعتمد على كمية ونوعية خصائصها. عوامل القوة أو المثاليّة يمكن تحديدها بعلاقة بين الوظائف المفيدة والنتائج الضارة التي يقدمها حل مشكلة ما أو تحسين نظام ما آخذين بعين الإعتبار  قيمة التكلفة. كلّما كانت الوظائف المفيدة للمنتج أو النظام تفوق نتائجه الضارة، مع تقليص تكلفته، فإن مثاليته (الحل أو المنتج الجديد) تكون عالية والعكس صحيح. من جهة أخرى، يتمّ تعريف المثالية في منهجية التريز بأنها الحالة  التي يمكن الوصول لها عندما يتم تحقيق الوظائف المرغوبة من دون الحاجة لمنتج أو نظام جديد (مثلاً : المثالية تتحقق بأن تستطيع الملابس تنظيف نفسها دون الحاجة لغسلها بالغسالة أو وسائل أخرى). بالتالي، فإن أي عملية تغيير وتحسين بالنظم أو المنتجات يجب أن تسعى لتوفير عوامل القوة والمثالية

المبدأ الثالث : صياغة مفتاح المُشكلة

جميعنا يعلم أن صياغة المشكلة بشكلها الصحيح هو نصف الحلّ. لكن، ماذا يعني أن تصيغ المشكلة بشكل صحيح؟ من وجهة نظر التريز فإن صياغة المشاكل أو المسائل تمر بعدة مراحل. عادةً، وفي البداية يكون هناك صياغة لعيب أو لمشكلة ظاهرة أو لغاية يراد تحقيقها. من خلال أدوات التحليل يمكن لنا أن ننتقل بين عدد من الصياغات والمسببات الرئيسية لتلك الصياغة المبدئية والتي قد تكون مختلفة تماماً فيما بينها. بالتالي يجب حصر الطاقات والتركيز على حل المسببات الجذرية الرئيسة والتي تسمى بمفاتيح المشاكل أو المسائل (في حال تمّت صياغة مفتاح المشكلة بشكل مسألة). لكل أداة من أدوات التريز هناك طريقة ذهنية وأسلوب تعامل مع صياغة المشكلات، لكنها  نابعة جميعها من المبدأ ذاته

في الجزء الثاني من هذا المقال، سنتحدث عن أنواع المشاريع الإبتكارية وعن أدوات التطوير الإبتكاري وذلك حسب  مراحل العمل في

هذه المشاريع

بقلم د. أحمد رامز قاسو

تدقيق لغوي الأستاذة : أميمة إبراهيم

الإحصاءات كمدخل للتنمية و التطوير

‎أيمكننا الحصول، بسهولة، على أي معلومات  إحصائية تتعلق ببلدنا كما في باقي الدول، آخذين بعين الاعتبار وجود مكتب مركزي للإحصاء في سوريا ؟ و نحن لا نتكلّم هنا عن المسح الديموغرافي أو الغذائي أو غيرهما من الإحصائيات التي يُفترض توافرها بداهة  في مركز إحصائي مركزي تابع للدولة

‎أنستطيع معرفة عدد سكان كل مدينة، فئاتهم العمرية، جنسهم، أحوالهم المدنية و الاقتصادية، أمراضهم، مستوى تعليمهم، أو عدد الوافدين الجدد إلى كل مدينة أو الراحلين عنها ؟ هل نستطيع معرفة عدد و أنواع الشركات المتواجدة في كل مدينة، عدد عمالها، حساباتها الاقتصادية، حجم إنتاجها بشكل علني أو بكبسة زر ؟ 

‎هل نستطيع معرفة عدد القطع الأثرية الموجودة لدينا وأنواعها و معرفة بعض التفاصيل التاريخية عنها  و عن أماكن تواجدها ؟ هل نستطيع الإطلاع على عدد الجمعيات  العاملة في بلدنا و إنتاجيتها و اقتصادها و حجمها و مقرّها أيضاً بكبسة زر؟ ، هل بإمكان طبيب أو باحث علمي في المجال الطبّي، الحصول على سجلّ يحتوى مثلاً، على معلومات حول أعداد المصابين  بداء معين و طرق علاجهم و كيفية متابعتهم في سوريا، وذلك خدمة  وتسهيلاً لفكرة بحث علمي يتمحور حول تطوير علاج يتلائم و البيئة السورية ؟

‎هل نملك إحصاء دقيقاً لعدد الصيادين في بلدنا، و أيّهم صياد ماء مالح و أيّهم صياد ماء عذب، و ما  أنواع الأسماك التي يصطادها كلٌّ حسب منطقته؟ 

‎التساؤلات المطروحة أعلاه هي أمثلة بسيطة عن أسئلة كثيرة نطرحها على أنفسنا كسوريين، خاصة بعد الدمار  و التغيير الديموغرافي الذي عمّ البلاد كافّة، و عزمنا الأكيد على إعادة الإعمار بإستراتيجية صحيحة و مستدامة

‎ يحارب البعض، عن قصد أو عن غير قصد، وجود إحصائيات دقيقة تساعد كل صاحب اختصاص على تحليل ودارسة  إمكاناته و تحديد مساره  نحو الهدف، و تقديم الحلول  الناجعة لتطوير عجلة الإنتاج في هذا الاختصاص

قد يكون الخوف من الرقابة و الخضوع  للمحاسبة، عند وقوع الأخطاء أحد الأسباب، لكن الجهل لأهمية الإحصائيات وسهولة تطبيقها وإجرائها  و عدم إنتشار ثقافتها  هو السبب الأكبر، إذ لا نعتقد أن الافتقار للامكانيات أو الخبرات و القدرات التحليلية هي السبب 

‎على الرغم من اهتمام الدولة بإنشاء شبكة معلوماتية قبل الحرب، إلا  أن توقف المشروع بسبب الحرب ، تقنياً، لا يبرر توقف التحضير له ذهنياً، و بخطوات مدروسة بغية نشر ثقافة إجراء الإحصائيات ليستخدمها أهل الاختصاص في تطوير أنفسهم و أعمالهم

‎إن الطريق نحو تفعيل العمل بالإحصائيات المفيدة ودراستها بشكل مستمر و دوري طريق طويل، و لكنه آمن و شديد الأهمية إذا ما تمكنا من  التخطيط الصحيح لخوض غماره. جميعنا يعلم أن عمل القطاع العام معقد للغاية  تصعب  إدارته، فالقطاع العام متشعب و مرتبط بعدّة مؤسسات و وزارات، و يخدم شريحة واسعة و متنوعة من الشعب، كما أنه محكوم بقوانين و محظورات لا يمكن تجاوزها، يظهر أثرها، على وجه الخصوص، في القطاعات الخدمية كقطاع  الرعايّة الصحيّة. دعونا نُركّز في هذا المقال على الرعايّة الصحيّة كمثال حيّ، يطرح ويدلل على أهمية الإحصائيات وفائدتها سواء بالنسبة لوزارة الصحة أو للمواطنين، الأمر الذي  يمكن  إسقاطه على العديد من القطاعات الخدمية الأخرى  أيضاً 

‎في مراكز الرعاية الصحية (مستوصف، عيادة، مشفى، صيدلية و مخبر أو أشعّة الخ)  يجب أن يتم توثيق  كل إجراء وعمل وخدمة، وذلك لتقديم الأدلة و رفع التقارير للوزارة و الجهات الرقابية في السلطة، كما و يجب تقديمها  للمرضى حال طلبها، فأيّ خطأ يرتكب أثناء تقديم  الرعايّة الصحيّة قد يُهدد حياة طالبيها 

‎لذلك نجد أن الإحصائيات، التي أتت حصيلة  تدوين خطوات الرعايّة، بالغة الأهمية لكل من له صلة بالرعايّة الصحيّة سواء أكان موظفاً أو مسؤولاً أو مريضاً

‎إن النظر  لهذه الإحصاءات باعتبارها ذات أهمية بالغة، جعلت من السويد، على سبيل المثال، بلداً يتكلف  أموالاً طائلة، وذلك لتطوير منظومته الصحيّة وجعلها عامّة شاملة و موحدة في مختلف أنحاء  البلاد، فحيثما احتاج  المريض خدمة طبيّة يستطيع طبيبه، في أي مكان كان، و أي صيدلي العثور على معلوماته الصحيّة كاملة ليتم التنسيق والتعامل بناء عليها، بما فيه مصلحة المواطن، و هذا تحديداً ما جعل المنظومة تُبنى على أسس الكترونية في كل نوع من أنواع الرعايّة الصحيّة، وذلك للتخفيف على الموظفين وإعفائهم من مهمة  تدوين كل شيء، إضافة إلى توجيه خبرات الطاقم الطبي صوب العمل أكثر مع المرضى، وإنّ كان لكل تطور أوجه متعدّدة 

‎عملت السويد، خلال الأربعين سنة الماضية، على تقليص عدد موظفيها في القطاع العام، لقاء إنشاء منظومة إلكترونية  تُنجز و تُقدّم الكثير من الخدمات التي كانت تنتجها اليد العاملة.. السويد ليست وحيدة في هذا مسار  التطور هذا، فمنذ الثمانينيات ، انخفض عدد موظفي القطاع العام في المملكة المتحدة (بريطانيا) بمقدار الثلث، ولكن بالمقابل، ارتفعت تكاليف الموظفين. يمكن تفسير ذلك بأنّه قد تمّ تعيين نوع جديد من الموظفين – بيروقراطيون أكثر كُلفة في المناصب الإداريّة

‎دعوني أستعرض لكم تطوّر هذه المنظومة منذ البداية، إذ لربما نتجنّب مساوئها، حالما يعزم بلدنا الحبيب، سوريا، على تطوير منظومته الصحيّة إلكترونياً، و إنشاء شبكة إحصائيات داخل هذه المنظومة

‎في بداية ازدهار مشروع شبكة جمع المعلومات المتعدّدة، فرضت على الطاقم الطبي التعامل مع عدّة منظومات، الالكترونيّة منها واليدويّة، ما أدى الى هدر وقت الطاقم الطبيّ في تدوين  المعلومات ضمن عدة برامج، و من ثم جمعها من قبل الإداريين بغية صنع شبكة إحصائيّة تُقدّم التقارير والتحليلات العلميّة، الاداريّة و الاقتصاديّة، و تبني، في الموازنة وتطوير الرعايّة الصحيّة ،  قراراتها  على أساسها ،  ذلك كان الدافع وراء تقديم  الأطباء والطاقم الطبي شكوى ، تتناول أنظمة تكنولوجيا المعلومات المُرهِقة التي تستهلك وتهدر وقت العمل السريريّ، وذلك وفقاً  للاستبيانات التي قامت بها السويد في أواخر التسعينات وأوائل الالفين

في بداية الأمر اعتبر أغلب العاملين في الطاقم الطبيّ أنّ تدوين المعلومات  هدر لوقتهم و أردوا الاكتفاء بتسجيل ما كانوا معتادين  على تسجيله سابقاً ، لتنقله السكرتيرة إلى الجرنال لاحقاً، و لكن، مع ازدياد المعلومات المطلوب تدوينها لمتابعة الجودة، تعالت  أصوات أؤلئك الذين لم يروا أهمية في هذا التدوين . في منتصف عام الألفين، صدرت  دراسات جديدة أوضحت أنّه لا وجود في السويد لما يعتقده بعض الموظفون غير ضروري من توثيق لخطوات عملهم، وأنّ  أنظمة الكمبيوتر غير المُنسقّة تُمثّل مشكلة كبرى، على سبيل المثال، إدخال نفس المعلومات جزئياً مرّة في منظومة الرعايّة الصحيّة، ومرّة أخرى في سجلات الجودة الموحّدة وطنياً، يُرهق الطاقم الطبي و يسرق وقت  رعاية المرضى

كما أكدت إحدى  الدراسات أيضاً، أنّ القيام بالمزيد من التوثيق والتدوين يُقلّل من الإنتاجيّة في مجال الرعايّة الصحيّة، وفي الوقت نفسه  استنتجت دراسة أخرى، أنّ الافتقار إلى مبادئ توجيهيّة تشرح كيفية إدارة ساعات عمل الطاقم الطبيّ، قد ساهم في تحوّل التركيز على العمل مع المريض لصالح التدوين

يُشير التقرير إلى أن الأطباء غير مدربين على العمل بفاعلية في مجال أساليب العمل الفعّالة، إذ يفتقر  الأطباء إلى المهارة  في المهام الأخرى كالإدارة وذلك على العكس من مهارتهم وثقافتهم العميقة الجذور  في العمل السريري

و إعطاء الوقت  لإدارة التوثيق ليس بالأمر الخاطىء تماماً، ففي يومنا هذا ،   أصبح ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعمل الأطباء، لكن هذا لا يعني أبداً أن يكون وقت الإدارة على حساب وقت المرضى، طالما أن هذا الأمر  لا يُشكّل قيمة مضافة بالنسبة للمرضى. يجب استثمار وقت الكادر الطبيّ بكفاءة ، لذلك كان الحل  بأتمتة كل ما يمكن أتمتته، إذ يكفي أن يُدوّن الطبيب كوداً (رمزاً) خاصّاً لتُدرج  باقي المعلومات المرتبطة بهذا الكود تلقائيّاً 

لمعالجة مشاكل الإنتاجيّة ، تقترح الدراسة أربعة تدابير شاملة، على سبيل المثال، يتعلق الأمر بتوضيح المهام التي يتمّ تضمينها  وتلك التي لن يتم تضمينها في الأدوار المختلفة في مكان العمل، بهذه الطريقة، يمكن الحصول على أعلى مستواً من الكفاءة واستخدامه في مختلف المجالات المهنيّة بطريقة أفضل ، اقتراح آخر،  تقديم تخطيط مُوحّد لوقت العمل يمكن أن يخلق الهيكل أو الأساس الذي يُحدّد مقدار الوقت الذي يجب  إنفاقه في مهام مختلفة بوضوح، ويحدد ببساطة مقدار الوقت، خلال أسبوع العمل، والذي يجب أن يقضيه في مهام تتعلّق بالمريض، ويبيّن الإجراءات التي نستطيع تخفيفها. من أجل نشر أساليب العمل الناجحة والفعّالة على نطاق واسع، يُقترح توفير التعليم الإداريّ المُمنهج، وإقامة دورات تدريبيّة لإكتساب الخبرة، كما يجب تبنّي الرقمنة والأتمتة أيضاً

تُعدّ الرعايّة الصحيّة نشاطاً تقنيّاً عالٍ، وهي بالتالي، لا تتعارض و التطوّر التقنيّ، لكنّها تقول أنّ الحلول التّقنيّة يجب أن تكون أفضل وأكثر سلاسة عند الاستخدام. يجب أنّ نحصل على المزيد من الوقت و أنّ نتحلى بالصبر ، ويجب أن تكون أنظمة تكنولوجيا المعلومات أفضل بكثير ، كما يجب أن تكون لدينا بنية تحتيّة رقميّة أكثر وضوحاً وكفاءة مما هي عليه اليوم . نحتاج إلى توفير المزيد من الفنيين في مجال الرعايّة الصحيّة ممن يمكنهم العمل معنا

تُظهر الدراسة أيضاً، أنّ الخدمة الأساسية في العيادات اليوم، أقل مما كانت عليه قبل بضع سنوات .  و لأجل زيادة الوقت المخصص للمرضى مع الأطباء، من المُهمّ تجربة إمكانية إعادة توزيع المهام بين المجموعات المهنيّة المختلفة، إنّ إعطاء صلاحيّة القيام ببعض المهام التي يقوم بها الأطباء عادة للممرضات/ الممرضين, و ترك المهام الأكثر صعوبة و التي لا يمكن أن يُؤدّيها إلّا الاطباء حصراً  لأنّها تقع ضمن دائرة المساءلة القانونيّة، يُوفّر للأطباء وقتاً أطول لمعاينة عدد أكبر من المرضى، إذ وجد الأطباء أنّ الكثير من المهام التي سبق و رفضوا التخلّي عنها،  يمكن للممرضات / الممرضين  القيام بها  بكفاءة وجودة عالية بعد فترة من الزمن، وبعد أن يقوم الأطباء بتدريبهم ورفع سويتهم العلميّة، ليصبحوا أكثر احترافا بعد الممارسة

كما أكّدت الدراسات أن قضاء الأطباء والممرضات للكثير من الوقت في الإدارة  ما هو إلا نقص  في الحلول التقنيّة الوظيفيّة والإجراءات الإدارية. يجب تطوير دعم تكنولوجيا المعلومات لإدارة شؤون المرضى، كما يجب إعادة توزيع العمل الإداري وتبسيطه

التطوير مازال مستمراً ولا يتوقف، على الرغم من أنّنا قد قطعنا أشواطاً طويلةً لنصل إلى ماوصلنا إليه اليوم، من إمكانية تقديم احصائيات توفّر المعلومات للباحثين من أطباء و ممرضات/ ممرضين، أثناء سعيهم لنيل شهادة الدكتوراه في تخصصات علميّة عميقة، أو حتى في مساعدة المؤسسات الطبيّة على تحديث نفسها عبر مشاريع تطويريّة تهدف لتقديم أفضل الخدمات لطالبيها، كما تقدم الإحصائيات خدمات تساعدنا على تقييم الوضع الصحيّ للمواطن بغية تعزيز الموازنة، لمساعدته إما عبر وقايته من الإصابة المُتوقعة بالمرض، أو تقديم الرعايّة الصحيّة له في الوقت المناسب، وذلك ضمن منظومة صحيّة فعّالة و مُجدية 

و كما تُعتبر الرعايّة الصحيّة أعقد و أصعب القطاعات بالنسبة لموضوع جمع المعلومات المُوحّدة المنظّمة، فإنّ مبدأ الأهميّة نفسه ينطبق على الإحصائيات في باقي القطاعات و المجالات

بقلم المستشارة الاقتصادية: فاديا رستم

تدقيق لغوي: الاستاذة أميمة ابراهيم 

« Older Entries